مرحبًا برمضان شَهر النَّفحات والبركات

عناصر المادة

1- هل نفرح للجوع والعطش؟2- الحصاد الوفير

مقدمة:

إنَّنا في اليوم التّاسع والعشرين مِن شهر شعبان، تفصلنا سويعاتٌ عن دخول أحد أشرف الأزمنة، وأكثرها خصوصيّةً، فسبحان الحيّ الّذي لا يموت، ولا يغيّره كرّ اللّيالي واختلاف الأحوال، ونحن على أعتاب هذا الشّهر الكريم نعتبر بمرور الأيّام وقصر الآجال، ونتذكّر ناسًا قد قضوا قبل أن يدركوا هذا الشّهر، وأذن الله لنا أن ندرك ما فاتهم، فهل تتكرّر هذه الفرصة مرّةً أخرى؟ أم تكون خاتمة الفُرص؟ ما الّذي يودّه الموتى اليوم في قبورهم؟ ما الّذي يودّه المرء إذ تدهمه سكرات الموت؟ {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون} [المؤمنون: 99- 103].

ما الّذي سيقوله مَن قصّر في حياته الدّنيا فلم يقدّم لحياته الباقية؟ {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر: 24].

وعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ إِسْلامُهُمَا جَمِيعًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْ صَاحِبِهِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِهِمَا وَقَدْ خَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الجَنَّةِ، فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَيَّ فَقَالا لِي: ارْجِعْ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدَخَلَ هَذَا الْجَنَّةَ قَبْلَهُ، فَقَالَ: (أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟) قَالُوا: بَلَى، قال: (وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَهُ؟) قَالُوا: بَلَى قال: (وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا سَجْدَةً فِي السَّنَةِ؟) قَالُوا بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (فَلَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ). [ 1 ]

1- هل نفرح للجوع والعطش؟

تغمر المؤمن مشاعر الفرح بقدوم الشّهر المبارك، فيتعجّب مِن ذلك طلّاب الدّنيا، يقولون: علام تفرحون؟ لجوعٍ يعصر البطون؟ أم لعطشٍ يشقِّق الشّفاه؟ أم لتعبٍ ينهك القوى ويُضعف الأبدان؟

إنّ الّذي ينظر إلى هذا الشّهر مِن هذا الباب قد غفل عن الميزان الّذي يزن به المؤمن الأمور، ما الّذي يفرح المؤمن؟ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 57-58].

وإنّ هذا الشّهر تُفتح فيه أبواب رحمة الله أوسع ما تكون، ويظهر فضل الله أجلى ما يكون، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ) [ 2 ]

ومِن فضل الله في هذا الشّهر أن يكفينا عدوّنا الأوّل، فنقاوم عدوّنا الثّاني {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6].

وخالفِ النّفسَ والشّيطانَ واعصِهِما       وإن هما محَّضاك النُّصْحَ فاتّهمِ

ولا تُطِعْ منهما خَصْماً ولا حَكَماً       فأنت تعرفُ كيدَ الخصمِ والحَكَمِ [ 3 ]

فإذا كُفيت شيطانك، وجاهدت نفسك الّتي بين جنبيك كما أمر الله لم يحُل بينك وبين الفلاح حائلٌ.

ومِن فضل الله فيه أن نكفى ذنوبنا السّابقات الّتي أثقلت كواهلنا، أحد عشر شهرًا مِن الانغماس في الدّنيا وحمأتها والجمع مِن ذنوبها ما يسود الصّفائح والقلوب، وتوشك أن تسودّ له الوجوه {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106].

فيدركنا فضل الله العظيم بمغفرة ما سلف، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ). [ 4 ]

فأيّ فضلٍ أعظم مِن أن يُطهَّر المرء مِن ذنوبٍ سلفت تثقل كاهله، وتَعوقه عن السّير إلى الله في جملة السّائرين، فإذا ما تخفّف منها أمكنه أن يغذّ الخُطا إلى كلّ خيرٍ، وَلْيَرْغَمْ أنفُ العدوّ في الطّين.

2- الحصاد الوفير

كذلك فإنّ المؤمن يفرح لشهرٍ خيّرٍ، حصاده وفيرٌ إن وفّق الله وأعان، فثمرة الشّهر أعظم ما وصّى الله به، إنّها التّقوى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

وهي وصيّة الله للسّابقين واللّاحقين {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} [النّساء: 131].

لكن هل تُجنى الثّمار الغالية دون بذلٍ لها ومتابعةٍ، وتعبٍ؟

إنّ هذا الشّهر يثمر التّقوى بما فيه مِن عباداتٍ متراكبةٍ تزكّي النّفس وتهذّبها مِن كلّ جانبٍ، فهو حشدٌ ضخمٌ مِن العبادات في آنٍ معًا، نصوم النّهار، ونقوم الليل، ونقرأ القرآن، ونكثر مِن ارتياد المساجد، ولا ينقضي الشّهر إلا بالعشر الأفضل، فنجمع إلى ما سبق ما شاء الله مِن اعتكافٍ وصدقاتٍ، ثمّ تكون ليلة القدر فنضاعف الجهود المضاعفة أصلًا، ولا نذهب لصلاة العيد إلّا وقد أدّينا زكاة الفطر، فتأمّل حشدّا ضخمّا مِن العبادات نؤدّيها متزامنةً، وهو ما كنّا نظنّ قبل رمضان أننّا نعجز عنه وأنّه غير ممكنٍ، فإذا بالوقوع يحكم بالإمكان، فماذا عساه يكون الحصاد؟ إنّها التقوى، فنتّقي الله بعد رمضان في مطعوماتنا إذ امتنعنا طيلة نهارات الشّهر عمّا أحلّ الله مِن طعامٍ، أفنعجز بعدها أن نمتنع عن الحرام فقط، ونتمتع بما أحل الله فقط، ونتّقي الله في جانب المشروبات كذلك، فلا يقدر بعدها ظالمٌ أن يهدّدنا بالجوع والعطش والحصار، لأنّنا جرّبنا فوجدنا مِن أنفسنا قدرةً على الجوع في سبيل الله، وابتغاء وجهه، فإذا كنّا يومًا في جهادٍ فحوصرنا فنحن مدرّبون على خوض ما ينجم عن الحصار مِن متاعب ومصاعب، وكذلك نتّقي الله في الفروج إذ حفظناها زمانًا عمّا لا نلام فيه، أفلا نحفظها بعده فلا نبتغي ما وراء الحلال، ونتّقي الله في الأموال إذ جاهدنا أنفسنا فتصدّقنا وقدّمنا زكاة الفطر، فلا يليق بنا بعدها أن نكسب مِن حرامٍ، ونحن قد تصدّقنا بما أحلّ الله لنا.

إنّ اجتماع هذه العبادات بهذه الطّريقة له عوائد كبيرةٌ على القلب تثمر بالضّرورة التّقوى لمن وعى ذلك وتنبّه له، أمّا مَن جمع إلى صيامه معصية الله بلسانه أو غيره فقد أفسد على نفسه ما تريد له الشّريعة أن يصلح، وهدم ما يُرجى له أن يبني {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النّساء: 27].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ). [ 5 ]

خاتمةٌ:

فهو كما ترون شهرٌ فيه فضل الله ورحمته، وقدومه فرحةٌ للمؤمنين، عَنْ ‌أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ: أَنَّهُ سَمِعَ ‌أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (قَالَ اللهُ: كُلُّ ‌عَمَلِ ‌ابْنِ ‌آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ). [ 6 ]

لكنّه في ذات الوقت يحتاج إلى تشميرٍ عن ساعد الجدّ، لكي تتمّ النّتائج وفق المأمول، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ". [ 7 ]

فإذا جمعنا إلى الصّيام القيام والإنفاق وقراءة القرآن والاعتكاف، وكففنا ألسنتنا عن قول الزّور والعمل به؛ فلننتظر وفير الحصاد ولذيذ الثّمار، مِن بستان الصّالحين والأخيار، ومعسكرٍ يتدرّب فيه الأبرار.

1 - مسند أحمد: 1403

2 - صحيح مسلم: 2758

3 - بردة البوصيريّ

4 - صحيح مسلم: 1523

5 - صحيح البخاريّ: 326

6 - صحيح البخاريّ: 1904

7 - صحيح البخاريّ: 6