مختصر تفسير ابن عاشور (11)

(لا ريب فيه هدى للمتقين) حال من الكتاب أو خبر ثان، والريب الشك وقيل مجاز عن الاختلاف أي: ليس في القران شك، أو تناقض واختلاف كقوله (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) ووقف الجمهور على (فيه) نفيا لوقوع الشك والاختلاف في القران، ووقف عاصم ونافع على (ريب) على معنى حذف خبر (لا) للعلم به كقوله (لا ضير) وقول العرب (لا بأس) أي: فيه، ومنه قول سعد بن مالك:

من صد عن نيرانـها.....فأنا ابن قيس لا بَرَاح

والمعنى أن هذا الكتاب فيه شيء من الهدى فاستمعوا له ولا تعرضوا ولهذا نكر هدى كقوله عليه الصلاة والسلام (إنك امرؤ فيك جاهلية) أي: شيء منها، ولم يقدم الظرف لئلا يقتضي اختصاص نفي الريب بالقران وقصره عليه دون سائر الكتب الإلهية كقوله (لا فيها غول) فنفي الغول يختص بخمر الجنة، ولهذا لم يقل (لا فيه ريب) لأن تقديم الظرف يقتضي قصر النفي لا نفي القصر.

والهدى مصدر للمبالغة وفي الإخبار بالمصدر دلالة على أنه أكمل وأبلغ من غيره في الهداية، وفي الوصف بالمصدر تعميم لهدايته فتشمل الحال والماضي والمستقبل، وأفاد إضافة الهدى للمتقين أن المعاندين لا يـهتدون به لعدم تدبرهم له، واتقائهم لما من شأنه أن يحول بينهم وبين تعقله، وفي الآية من تناسب المعاني بذكر إعجاز القران عن معارضته، وتفخيمه وتعظيم شأنه، ونفي الشك والاختلاف عنه، وإثبات حصول كمال الهداية به، ما يستدعي العقلاء الإقبال عليه والاعتناء به دون غيره من الكلام.

(الذين يؤمنون بالغيب) الغيب: ما لا يدرك بالحواس سواء كان ماضيا أو مستقبلا كالملائكة والساعة، والباء إما ظرفية للملابسة فيكون تعريضا بالمنافقين لدعوتـهم للإيمان بما كانوا يكفرون به من الغيب كالبعث، وإما متعلقة بيؤمنون فيكون وصفا لهم وذما للمشركين والمنافقين وأهل الكتاب وهم أصناف الكفار الذين وجدوا بالمدينة.

ويؤمنون من أمن ضد خاف وهمزته مزيدة للتعدية أي: جعل غيره آمنا، ثم أطلقوه في معنى صدق على تقدير أنه آمن من كذب مخبره، وعبر عنه بالمضارعة للدلالة على تجدد إيمانـهم واستمراره، وخص الغيب به دون غيره من متعلقات الإيمان لأنه أصله إذ لا يدرك بالحس والمشاهدة، فمن صدق به كان تصديقه بما يدرك من أصول الإيمان أولى.

(ويقيمون الصلاة) مصدر أقام وهو معدى قام أي: نصب، قال ابن خريم:

أقامت غزالة سوقَ الضِّراب....لأهل العراقَيْن حَولاً قميطا

ثم أطلق مجازاً مرسلاً على النشاط، وشاع حتى استعمل حقيقة في القيام بالأمر والمواظبة عليه، فإقامة الصلاة استعارة تبعية للمواظبة على أداء الصلوات والاعتناء بـها، وعبر عنه بالمضارع للدلالة تأكيداً للمواظبة.

والصلاة العبادة كما قال الأعشى:

يراوح من صلوات الـمَليــــــــ....ــكِ طوراً سجوداً وطوراً جؤارا

واشتقاقها من الصلوين وهما عرقان في الظهر لأنـهما يتحرك بالركوع كقولهم أنف إذا رفع أنفه حال الاشمئزاز، وضعفه الفخر بأنه معنى خفي ولفظ الصلاة مشتهر، وتعقب بأنه شاع بكثرة الاستعمال بدليل كتابتها بالواو في المصاحف، وتطلق الصلاة على الدعاء لملازمته الخشوع والتذلل والخضوع، ثم نقل الشارع معناها إلى أفعال مخصوصة بـهيئات وأقوال، قال الأعشى:

تقول بنتي وقد يـمَّمتُ مرتحلا.....يا ربِّ جنِّب أبي الأوصابَ والوجعا

عليكِ مثلُ الذي صلَّيتِ فاغتمضي...جَفناً فإن لجنبِ المرء مضطجعا

(ومما رزقناهم ينفقون) والرزق: ما به قوام عيش الإنسان وسد حاجته، والمراد به هنا الزكاة والصدقة بدليل اقترانه بالإيمان ولوازمه كالصلاة، ويطلق الرزق في الأصل على الحلال والحرام خلافا للمعتزلة بدليل اختلاف أحوال التشريع كالتجارة في الخمر قبل تحريمها، لكنه أراد به هنا الحلال بقرينة إسناده إلى ضمير الجلالة، وذكره بــ(من) التبعيضية لبيان أن المطلوب إنفاق بعضه على المحتاجين رفعا للحرج.

(والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون) تتمة لأصناف المتقين، لأنه ذكر من آمن بعد الشرك بأصافهم التي هي الإيمان بالغيب والصلاة والزكاة، ثم ذكر من كان مؤمنا من اليهود كابن سلام ونصارى العرب كدحية الكلبي، بوصف يميزهم.

والإنزال حقيقي وهو الانتقال من علو إلى سفل لنزول الوحي من العالم العلوي للسفلي، ومجازي عبر به لشرف معاني الموحى به، وختم وصفهم باليقن بالآخرة لأنه من مزايا أهل الكتاب فإن المشركين دهريون، ولأنه جماع ما تقدم من أوصافهم، إذ اليقين بدار الثواب والعقاب يوجب الخوف والرجاء فيدفع لصالح العمل.

واليقين أخص من العلم والإيمان لأنه العلم الحاصل بعد شك عن نظر واستدلال وفكر، لذا عبر عن الإيمان بالآخرة به لأنه غيب غير مشاهد فيحتاج للإيمان به إلى ذلك، وتقديم المعمول على العامل (وبالآخرة) لا يقتضي حصر اليقين بالآخرة دون غيرها كما توهمه الزمخشري، وإنما خرج للمبالغة في الثناء عليهم والاهتمام بما أيقنوا به والتعريض بالمنكرين للآخرة، وتقديم المسند إليه على المسند (هم يوقنون) للدلالة على ثبوت اليقين والتعريض بمن كفر.

(أولئك على هدى من ربـهم) الإشارة بالهداية لمن اتصف بما تقدم من الأوصاف، وشبه تمكنهم من الهدى وثباتـهم عليه بتمكن الراكب من المركوب وثباته عليه، كأنه قال أولئك على مطية الهدى، على عادة العرب في التشبيه بالاستعلاء لقوته في الدلالة على التمكن والثبات، كما قالوا (ركب متن عمياء) وفي الحديث (زعموا مطية الكذب) وقال النابغة:

فإن يكُ عامرٌ قد قال جهلا....فإن مطيةَ الجهل الشبابُ

واتفقوا على أن التعبير بـالاستعلاء في قوله (على هدى) تشبيه، وتنازعوا في طريق التشبيه، فذهب الزمخشري والسعد والجمهور إلى أنه استعارة تمثيلية، وعند السيد والقزويني أنه استعارة تبعية، وجوز السيد أن تكون استعارة مكنية بتشبيه الهدى بالمركوب بقرينة حرف الاستعلاء، وجوز الطيبي والسعد التبعية مع التمثيلية، ورجح المحققون التمثيلية لأنـها تفيد تشبيه تمكن من اتصف بصفات المتقين من الهداية بالراكب المتمكن من مركوبه، وهو أبلغ وأوفى من التبعية التي لا تفيد إلا تشبيه التمكن بالاستعلاء، وما عداه من تشبيه المتقين بالراكب لا يستفاد إلا بالقيد.

ونقح المصنف أن الآية اشتملت على التمثيلية بتشبيه حال التمكن من الهدى بتمكن الراكب، والتبعية بتشبيه مفرد بمفرد وهو المتقي بالراكب ويحصل العلم بالحال تبعا بما ذكر من القيد، ومكنية بتشبيه نفس الهدى بالمركوب، وتنكير الهدى لتعظيم شأنه وتفخيم أمره بقرينة أنه (من ربـهم).

(وأولئك هم المفلحون) كرر الإشارة تنبيها على تعظيم شأن المفلحين والاعتناء به كأهل الهدى، وعطفها عليها وفصلها بالضمير لاختلاف الحالين إذ الهداية في الدنيا والفلاح في الآخرة في الغالب وإلا فالفلاح هو الفوز وصلاح الحال في الدارين، والتعريف في (المفلحون) للجنس عند السكاكي ورجحه المصنف، خلافا لعبد القاهر والزمخشري أنه للعهد، وعليه فهو يفيد اختصاص من اتصف بذلك بالفلاح، وتكرير الإشارة مع التعريف والفصل والعطف للترغيب في نيل ما به يحصل الفلاح والهداية في الدارين.