مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (132)

(إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ) [البقرة: 161]

السؤال الأول:

ما الفرق بين قوله تعالى: (أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ) [البقرة:159] وقوله تعالى: (أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ) [البقرة:161]؟

الجواب:

انظر الجواب في آية البقرة [159].

السؤال الثاني:

ما دلالة هذه الآية؟

الجواب:

1ـ هذه الآية تقرر الخلود في النار لمن لم يدخل في دين الإسلام، واستمر على حاله إلى مماته، وصار الكفر وصفاً ثابتاً له، فهذا استوجب غضب الله تعالى والطرد من رحمته، ووجبت عليه اللعنة من الله ومن جميع خلقه.

الله نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

2ـ الواو في: (وَهُمۡ كُفَّارٌ) هي واو الحال تصف حالة الكفر لصاحبه عند الغرغرة واستمر على كفره حتى مات.

3ـ قوله تعالى: (أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ) جاء بالصيغة الاسمية الدالة على الثبات والاستمرار والخلود في جهنم.

4 ـ والسر في التعبير بلعن الملائكة والناس -مع أنّ لعن الله يكفي-؛ للدلالة على أنّ جميع من يعلم أحواله من العوالم العلوية والسفلية يراه أهلًا للعن الله ومقته، فلا يشفع له شافع ولا يرحمه راحم، فهو قد استحق اللعن لدى جميع من يعقل ويعلم، ومن استحق النكال من الرب الرؤوف الرحيم؛ فماذا يرجو من سواه من عبا ده؟

5ـ قوله تعالى: (أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ) إنْ قلتَ: كيف قال: (وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ) وأهل دين من مات كافراً لا يلعنونه؟ قلتُ: المرادُ بالناس المؤمنون، أو هم وغيرُهم، وأهل دينه يلعنونه في الآخرة، قال تعالى: (ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا) [ العنكبوت:25 ] (كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن).

(خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ) [البقرة: 162]

السؤال الأول:

لدينا في القرآن تعبيران (خَٰلِدِينَ فِيهَا) كما في هذه الآية و(خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ) [النساء:57] هل (خَٰلِدِينَ فِيهَا) فيها أمل بالغفران، أو الانتقال من مرحلة إلى أخرى؟

الجواب:

1ـ هناك قاعدة في القرآن الكريم سواء في أهل الجنة أو في أهل النار، إذا كان المقام مقام تفصيل الجزاء أو في مقام الإحسان في الثواب أو الشدة في العقاب يذكر (أبداً)، وإذا كان في مقام الإيجاز لا يذكرها.

2ـ هناك آيات كثيرة فيها (خالدين) وحدها، وليس في العقيدة أنهم يغفر لهم، نحو قوله تعالى:

ـ (إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ١٦١خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ) [البقرة: 161، 162] ومسألة وجود أو عدم وجود (أبداً) ليس لها علاقة بالخلود الدائم.

3ـ (أبداً) ظرف زمان خاص بالمستقبل فقط وليس له دلالة زمنية معينة، ونحن نستعمل (قطّ) للماضي و(أبداً) للمستقبل، وخطأ أن نقول: ما رأيته أبداً، وهذا خطأ لغوي شائع، نقول: لا أكلمه أبداً، وما رأيته قطّ. لأنّ (أبداً) للمستقبل الذي ليس له نهاية.

4ـ هناك أمران:

آـ إذا كان هناك تفصيل في الجزاء يقول: (أَبَدٗاۖ) وتفصيل الجزاء هو سواء في العقاب أو الثواب.

و(خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ) [النساء:57] أطول من (خَٰلِدِينَ فِيهَآ) فيذكرها مع التفصيل.

ب ـ أو كون العمل المذكور يستوجب الشدة فيستخدم (أبداً).

(أبداً) لا تحمل معنى التأبيد الدائم أو عدم الخروج؛ لأنّ الخلود وحده يحمل هذا المعنى. والقرآن يستعمل خالدين لأهل الجنة وأهل النار، والخلود لغوياً يعني البقاء أو الزمن الطويل على ما يقول بعضهم.

6ـ وقد وردت (خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ) في أهل الجنة 8 مرات في القرآن الكريم، ووردت في أهل النار 3 مرات، وهذا من رحمته سبحانه وتعالى؛ لأنّ رحمته سبقت غضبه، والخلود عند العرب تعني المكث الطويل وليس بالضرورة المكث الأبدي.

السؤال الثاني:

ما الفرق بين استخدام كلمة (يُنصَرُونَ) [البقرة:86] وكلمة (يُنظَرُونَ) في آية البقرة [162] وآية آل عمران[ 88 ]؟

الجواب:

لو نظرنا في سياق الآيات في سورة البقرة التي سبقت آية 86 لوجدنا الآيات: (وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ٨٤ ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ٨٥) [البقرة: 84 ـ85] فالآيات تتكلم عن القتال والحرب، والمحارب يريد النصر، لذا ناسب أن تختم الآية 86 بكلمة (يُنصَرُونَ).

أمّا في الآية الثانية في سورة البقرة وآية سورة آل عمران ففي الآيتين وردت قبلهما ذكر اللعنة، واللعنة معناها الطرد من رحمة الله والإبعاد، والمطرود كيف تنظر إليه؟ فناسب كلمة (يُنظَرُون).

السؤال الثالث:

ما دلالة هذه الآية؟

الجواب:

هذه الآية ذكرت ثلاث صفات للعذاب واللعنة المشار إليها في الآية السابقة وهذه الصفات هي:

ـ (خَٰلِدِينَ فِيهَا) هم خالدون في اللعنة والعذاب في جهنم.

ـ (لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ) عذابهم دائم شديد مستمر.

ـ (وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ) والإنظارُ هو التأجيل والتأخير، لأنّ وقت الإمهال كان في الدنيا وقد انتهى، ولم يبق لهم عذر فيعتذرون.

نعوذ بالله من ذلك. والله أعلم.

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين