لغة التواصل في قصة سيدنا موسى مع فرعون (4)

مهابة فرعون إلى أين؟

وكالعادة - إن عجز المتواصل عن إقناع المقابل بفكره الممنهج - وكان عازما في تصدير فكره طوعا أو كرها - فإنه يلجأ إلى التهديد والوعيد، فيلوِّح باستخدام القوة المفرطة- وهي إحدى وسائله الأخيرة- وفق الأسلوب غير الحكيم، لعله يحرج موسى ويثنيه عن التواصل الزاحف في اتجاهه، فرفع عَقيرتَه باتخاذ قرار القتل بمفرده: {وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ}[غافر: 26].

ثم أقبل على قومه ليكون القرار جماعيًا: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ}[غافر: 25]- غير أن موسى كان قد جُهِّز تمامًا لهذه المحاولة غير الحكيمة، فرد عليه -منوِّهًا بعظمة رب العالمين: {وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ}[غافر: 27].

وهنا سقطت مهابة فرعون وملئه، لأنهم نهجوا الأسلوب غير الحكيم، فالبينة لا تقابل إلا ببينة، لا باستخدام القوة المفرطة، وخشي أن يثير التهديد بالقتل شعبه عليه، فانثنى عنه وانعطف نحو القذف بالتهم، فاتهم موسى فرعو نُ ومن معه: بأنه يريد أن يخرج الناس بسحره من أرضهم، إما توهُّما بأن موسى ينتهج السحر، وإما عرف الحقيقة ويريد طمسها، فحاول إيهام ملئه والناس، بتهييجهم وإثارتهم؛ لأنه - من قبلُ- أقنعهم بأنه إله، فتوشك هذه الخطوة والتي قبلها، أن تهدم دعواه تلك في لحظة واحدة: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى *قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى* فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى}[طه: 56/ 58].

مؤمن آل فرعون والمفاجأة

وسرعان ما يدخل على الخط- مفاجأةً- (مؤمنُ آل فرعون)[ هو حزبيل بن ميخائيل، هو ابن عم قارون، وكان أبوه من آل فرعون، وأمه من بني إسرائيل] الذي أمكن منه موسى تواصلًا- ولم يكن ذلك بحسبان الحضور- ساعتئذٍ- فوثب المؤمن خطيبًا مصقعًا، ولم يلق بالًا إلى أحد، حتى تجاهل فرعون: {وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}[غافر: 28 - 33].

وظهور المؤمن فجأة مقرِّعًا الحضور، قد جعل فرعون يطيش حجره ويتصدع أسلوبه وتهتز هيبته، ولكي يحافظ على المهابة، فقد استبق المؤمنَ فقاطعه، وانثنى عن القتل الذي أصدره محدثا نفسه: كنت بواحد فصرت باثنين. فغير اتجاه تواصله، فطلب الإله في السماء بوصفه الإله بالخلَّاقية، وكاد أن يقترب من نقطة التواصل دونما شعور، فأقبل على ملئه يثبتهم على عقيدة إلهيته، فسلك جدلًا سفسطائيًا، يدل على سوء انتظام تفكيره وملئه، ومبلغ تحيله وضعف آراء قومه [ر: التحرير والتنوير (20/ 121)]، فحاول تشتيت الانتباه بدعوة عجيبة غريبة، متوجهًا إلى وزيره (هامان): {وَقَالَ فِرْعَوْنُ: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَا مَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ}[القصص: 38]. ر: التحرير والتنوير (24/ 146)

بيد أنه لم يتنبه في خطوته المقبلة، أنه قد زاد تزلزُلًا أمام حاشيته، ولم يعد يهيمن كما كان قبل- ولو زورًا- على محكوميه. وبصدد الحديث عن الصرح هذا، فقد قيل ما قيل فيه، لكنه غير دانٍ من التقبل. وكم أعجبني ما لمَّح إليه ابن عاشور في تفسيره، حيث قال:" وقد لاح لي هنا محمل آخر، أقرب أن يكون المقصود من الآية، ينتظم مع ما ذكرناه هنالك في الغاية، ويخالفه في الدلالة، وذلك أن يكون فرعون أمر ببناء صرح، لا لقصد الارتقاء إلى السماوات، بل ليخلو بنفسه- رياضة- ليستمد الوحي من الرب الذي ادعى موسى أنه أوحى إليه إذ قال: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}[طه: 48].

فإن الارتياض في مكان منعزل عن الناس، كان من شعار الاستيحاء الكهنوتي عندهم، وكان فرعون يحسب نفسه أهلا لذلك، لزعمه: أنه ابن الآلهة، وحامي الكهنة والهياكل.

وإنما كان يشغله تدبير أمر المملكة فكان يكل شؤون الديانة إلى الكهنة في معابدهم، فأراد -في هذه الأزمة الجدلية- أن يتصدى لذلك بنفسه، ليكون قوله الفصل في نفي وجود إله آخر، تضليلا لدهماء أمته، لأنه أراد التوطئة للإخبار بنفي إله آخر غير آلهتهم، فأراد أن يتولى وسائل النفي بنفسه، كما كانت لليهود محاريب للخلوة للعبادة، كما تقدم عند قوله تعالى: {فخرج على قومه من المحراب}[مريم: 11] وقوله: {كلما دخل عليها زكريا المحراب}[آل عمران: 37]

ومن اتخاذ الرهبان النصارى صوامع في أعالي الجبال للخلوة للتعبد، ووجودها عند هذه الأمم يدل على أنه موجودة عند الأمم المعاصرة لهم والسابقة عليهم" ر: التحرير والتنوير (24/ 146).

ولم تهدأ ثورة المؤمن، فلم يلبث فرعون أن يتوقف عن الكلام العجيب، حتى تلقى وكزةً قويةً منه، فواصل خطبته المزلزلة:{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38)........ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) } وثمة، تلاشى التهديد والوعيد.

الثاني: التواصل غير المباشر

خرج فرعون من تجربتيه- فشل التواصل مع موسى لضعف حجته، وتجربته الكهنوتية الغريبة- خائبًا، وخُلِّف التواصل بين الكيانين الرئيسين (موسى وفرعون) سلبيًا. إذ تلقى صفعة من داخل بيته وندماء قصره، فواجه إحراجًا لم يعهده من قبل، حيث وقع في نكبة أذهبته هيبته وقزَّمت هيئته، فأنى له أن يخرج منها حتى يظل في هيئته وهيبته؟.

فحوَّل صراع التواصل إلى السلطة الرديفة (السحرة والملأ) بل أقواها- فكريًا ومشورةً – والتي يستخدمه عند الحاجة للتواصل مع الآخر.

وكلا الطرفين- موسى والسحرة - يفهم جوهر القضية، ويتمتع بمهارات ومقومات تواصلية عميقة، فما إن ظهر القاسم المشترك بينهما حتى تم التواصل إيجابيا فأثمر، وحُيِّدتْ السلطة الرديفة- السحرة - عن رأس الهرم فرعون تمامًا، وألقي السحرة ساجدين.

وكان لفرعون- كما جميع الملوك- ملأ، يمثلون القوة الفكرية المحفوفة بالحنكة والتجربة؛ ويطلق عليهم اسم (الملأ). وقيل في ماهيته: هم القوم الأشرافُ الذين يتصدرون المجالس ويملؤونها، أو الذين يملؤون العيون هيبة، والقلوب مهابة، وهم- هنا - المقربون من فرعون، وأصحابُ مشورتِه.

وكأنهم كانوا يملكون فكرةً وعلمًا عن السحر. ر: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (3/ 259) وتفسير الشعراوي (7/ 4285).

ويتحرك فرعون بتحويلة أخرى، في اتجاه ضبط المملكة وحفظ البلاد، فيحرِّض على دفع هذا العدو القوي عبر سحرته- كما يتوهم - فهم القوة الرديفة لملكه:{فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى}[طه: 60]-

ويلتقط موسى هذه التحويلة عن بُعد، فيحذر الجميع:{قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى}[طه: 61]

لكن الفريق الآخر ماضٍ في مخططه، فعقد مجلس التشاور والتأمل ليخرج بقرار سريٍّ:{فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى}[طه: 62]

واستقر رأيهم بتوافق الجميع على مقولة واحدة، مخاطبين بها فرعون: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ }

وفي موضع آخر:{قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى(63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى}[طه: 52].

وأعلن فرعون قراره الأخير:{قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ(34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ(35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ(36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ(37)فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ(38)وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ(39)} [الشعراء: 34 - 39].

السحرة، ولغة التواصل

لقد تقدم: أن التواصل المباشر مع الفرعون كان سلبيًا، وتحول إلى غير المباشر، لعله يظفر بمبتغاه، فدعا موسى للتباري مع السحرة جهارًا نهارًا، ولم يكن متوترًا هذه الساعة، فقد بدا، وكأنه على أدب ظاهر مع المقابل، فسأله أن يحدد الزمان والمكان، فحددهما موسى من مركز القوة لا الضعف:{قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى(57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58)قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}[طه: 57 - 59]

وهنا خرج فرعون من المعادلة الندية، إلى مُشاهد يرقب نتيجة هذه الجولة، الممثلة بتواصل (النظير مع النظير) الناجح فيهما من يدلي بحجة أقوى، فأقبل السحرة ملبين دعوته مطيعين أمره، فنادى فيهم:{فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى}[طه: 64]

ولأن الأمر جلل، فقد نهزوا الفرصة فأخذوا ضمانات مادية ومعنوية:{وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}[الأعراف: 113 114]-

وقبلًا، هاب السحرة ما صنع موسى بين يدي فرعون - وإن كانوا أمهر زمانهم في السحر- فهم لم يدركوا-بعد- حقيقة صنعه، أهو السحر أم شيء خارق للعادة يستحيل مجاراته والتواصل معه؟

ولما تزاحفوا تجاه موسى، وأصبحوا وجها لوجه، كانوا على أدب جم وأنيق، فلم يفرضوا عليه أن يكون أول من يلقي، وإنما خيروه بصيغة التعظيم- تأدبا وتفضيلا: {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ}[الأعراف: 115] وأكدوا عليه بالأولية تخييرًا: {قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى}[طه: 65].

هذا، وقد أشار إلى أدبهم هذا الزمخشري في تفسيره فقال: "وهذا التخيير منهم، استعمال أدب حسن معه، وتواضع له وخفض جناح، وتنبيه على إعطائهم النصفة من أنفسهم، وكأن الله - عز وعلا- ألهمهم ذلك، وعلم موسى - صلوات الله عليه- اختيار إلقائهم أولًا، مع ما فيه من مقابلة أدب بأدب، حتى يبرزوا ما معهم من مكايد السحر، ويستنفذوا أقصى طاقتهم ومجهودهم. فإذا فعلوا: أظهر الله سلطانه، وقذف بالحق على الباطل فدمغه، وسلط المعجزة على السحر فمحقته، وكانت آية نيرة للناظرين، وعبرة بينة للمعتبرين" ر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (3/ 73).

وبدوره، فقد جعل موسى الإلقاء بتقديمهم عليه لأمرين اثنين:

الأدب مع المقابل بالأدب، لأنه صاحب الأرض، الظان بنفسه أنه أكثر خبرة في السحر - كما يظنون- والوقوف على صنعهم - قوة وضعفا- حتى يسدد رميه وإلقاءه.

وهذا دليل لَحَنه وقوة ذكائه، ليكون الغالب في التواصل:{قَالَ أَلْقُوا}[الأعراف: 116]. و{قَالَ بَلْ أَلْقُوا}[طه: 66]. وكأن الإلقاء- ساعتئذٍ- كان في جهة الناس، ليلفتوا أذهانهم إلى قوة ما صنعوا، فجاء التعبير بـ:{فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ، وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}[الأعراف: 116].

أما في جهة موسى: فكان مختلفًا؛ إذ كان تخييلًا: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى}[طه: 20]. وهو كبشر يعتريه ما يعتري البشر: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى}[طه: 67]- والخوف الذي هو طبع الجبلة البشرية، لم يتملك موسى، ولم يحط به، بل بقي ثابت الجأش. لأن {فَأَوْجَسَ} من (إيجاس الخوف): إضمار شيء منه. وكذلك توجس الصوت: تسمع نبأة يسيرة منه. و«النبأة»: الصوت الخفي.

ويحتمل أن لا يكون الخوف على نفسه، فهو متمكن مكين بما ألقاه ربه في رُوعه، وإنما خاف أن يخالج الناسَ شكٌ، فلا يتبعوه. ر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (3/ 74)

ويشرح الشعراوي:(الإيجاس) بقوله: وهو تحرّك شيء مخيف في القلب لا يتعدّى إلى الجوارح. فإنْ تعدى إلى الجوارح يتحول إلى عمل نزوعي،كأن يهرب أو يجري، فالعمل النزوعي يأتي بعد الإحساس الوجداني. ر: تفسير الشعراوي (15/ 9317)

فلم يلبث أن هبط الوحي عليه بالتأييد، والإطاحة بهذا الخوف المتوجس، مطمئنه بقوله: {قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} الغالب المواصل نحو الهدف. ثم أردفه ربه بالأمر:{وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى}- وصَنَعُوا هاهنا بمعنى(زوّروا وافتعلوا).

واتضح بلا أدنى شك، أنه: وحي بمشيئة ربه الذي أرسله، وتحقق بهذا الإلقاء نجاح التواصل بالخطوات التالية:

1-التلقف [لقِف يَلقَف الكرةَ وغيرَها: مسكها. أخذها بسرعة أو تناولها مرميًّا إليها" {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا}: تلتهم وتبتلع بسرعة ". معجم اللغة العربية المعاصرة (3/ 2028)] الذي أبطل ما صنع السحرة: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْ فِكُونَ}[الأعراف: 117] و{وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى}[طه: 69]

2-ظهور الحق ودمغ الباطل: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الأعراف: 118]

3-غلبة موسى وصَغَار السحرة ومن كان يتبعهم:{فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ}[الأعراف: 119]

4-والنتيجة الأعظم بسجود السحرة: {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ}[الأعراف: 120] و{فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى}[طه: 69، 70]

5-التواصل الأكمل بإيمان المقابل، واتحاد فكره مع مواصلته عن قناعة، لا إكراه: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى}[طه: 70]

فتحقق التواصل في هذه المرحلة بين كيانين، بوصول الفكرة والمنهج، فصارا كيانًا واحدًا في الفكر والمسلك.

تهديد المترنح

ولما أبصر تواصلهم الإيجابي مع موسى، سعى للحيلولة بين المتواصلين، فلوَّح بالتهديد- وهو يترنح، فرفع عَقيرته [أي: صَوْتَهُ] أمام الملإ، وأرادَ بذلك التَّلبيس على قومِه، كيلا يعتقدُوا: أنَّهم آمنُوا عن بصيرةٍ وظهورِ حقَ:{قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ}[طه: 71] إذ المعنى: إن صنعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر، قبل أن تخرجوا منها إلى هذه الصحراء، قد تواطأتم على ذلك لغرض لكم، وهو أن تخرجوا منها القبط، وتسكنوها بنى إسرائيل [الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (2/ 141)]. فلم يعد متوازنًا فجنح إلى منطق التهم، وقصده التمويه على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الإيمان، لكنه لم يدرك أنه مكشوف عند من به مسكة من عقل، وخوفا على مراكزهم عنده أن تزول، بقوا على الموالاة.

ثم هدد وتوعد المنشقين عنه المتواصلين مع موسى، بعد ما أعلن الذريعة: {فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى}[طه: 71]

ورُد عليه بقوة، مصرّحًا بذريعته غير السوية:{قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}[طه: 72، 73]

و{قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف: 125، 126]

كما هدد وتوعد موسى وقومه بإشارة من ملئه: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}[الأعراف: 127] ولم يجدِ نفعًا ذاك التهديد المزدوج، وأمسى صرخة في واد، وظهر الحق وزهق الباطل.

قطف الثمرة

وما من قارئ قصة موسى مع فرعون، إلا تأثر بمنهجية تواصله مع الناس، لا سيما من سبر أغوار مقاصدها، واستنبط حِكَمها، إذ تحولت لغة التواصل فيها إلى مَعلَم يتفق عليه الناس، فُرض على الواعظين سلوكه، وانضبط به كل من يعظ الناس حاكمين أو محكومين، ومن حاد عنه كان مجافيا مقاطعا، وقد تجسدت هذه المنهجية في قصة كان فيها الخليفة الرشيد الفقيهُ معلمًا ومرشدًا.

إذ يروى: أن الرشيد كان بالرقّة بعدما شَخَص من بغداد، فخرج يومًا إلى الصيد، فعرض له رجل من النُّسّاك، فقال: « يا هارون! اتق الله»

فقال لإبراهيم بن عثمان بن نهيك: «خذ هذا الرجل إليك حتّى أنصرف».

فلمّا رجع دعا بغدائه، ثمّ أمر أن يطعم الرجل من خاصّ طعامه.

فلمّا أكل وشرب دعا به فقال: «يا هذا أنصفني فى المخاطبة والمسألة»

قال: «ذاك أقلّ ما تحبّ»

قال: «فأخبرني أنا شرّ وأخبث أم فرعون؟"

قال: «بل فرعون»

قال: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى»

وقال: « ما عَلِمْتُ لَكُمْ من إِلهٍ غَيْرِي»

قال: «صدقت»

قال: «فأخبرني: فمن خير؟ أنت أم موسى بن عمران؟»

قال: « موسى بن عمران كليم الله وصفيّه اصطنعه لنفسه وائتمنه على خلقه»

قال: « صدقت. أفما تعلم: أنّه لمّا بعثه الله وأخاه إلى فرعون، قال لهما:{ فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً}[طه: 45] فذكر المفسرون أنّه أمرهما أن يكنّياه. وهذا وهو في عتوّه وجبريّته على ما قد علمت.

وأنا بهذه الحال الذي علمت، أؤدّى أكثر فرائض الله عليَّ، ولا أعبد أحدا سواه، أقف عند أكثر حدوده وأمره ونهيه، فوعظتني بأغلظ الألفاظ وأبشعها، وأخشن الكلام وأفظعه، فلا بأدب الله تأدّبت، ولا بأخلاق الصالحين أخذت، فما كان يؤمنك أن أسطوَ بك، فإذا أنت قد عرَّضت نفسك لما كنت عنه غنيّا»

فقال له الزاهد: «أخطأت - يا أمير المؤمنين وأنا أستغفر الله»

قال: « غفر الله لك»

وأمر له بعشرين ألف درهم، فأبى أن يأخذها، وقال: « لا حاجة لي في المال، أنا رجل سائح»

فقال هرثمة، وزجره: «تردّ على أمير المؤمنين- يا جاهل!- صلتَه؟»

فقال الرشيد: «أمسك عنه»

ثمّ قال له: « لم نعطك هذا المال لحاجتك إليه، ولكن من عادتنا: ألّا يخاطِب أحد الخليفة، ليس من أوليائه، ولا من أعدائه، إلّا وصلَه ومنحه، فاقبل من صِلتنا ما شئت، وضعها حيث أحببت»

فأخذ من المال ألفي درهم، وفرّقها على الحُجّاب، ومن حضر بالباب. [تجارب الأمم وتعاقب الهمم (4/ 22) تاريخ الطبري وصلة تاريخ الطبري (8/ 358)].

الحلقة السابقة هـــنا