لغة التواصل في قصة سيدنا موسى مع فرعون (2)

ماهية لغة التواصل : ( أسلوب ومضمون )

ولغة التواصل أيًا كانت وجهتها، فإنها يجب أن تسير بجناحين (أسلوب، ومضمون)، وفي قصص موسى مع فرعون، كانت كذلك، حيث تمر عبر منهجية واستراتيجية مؤثرة وقوية. فالمضمون فيها مختزل في: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 45].

و(اللين) حقيقةً: من صفات الأجسام. وهو: رطوبة ملمس الجسم وسهولة ليِّه، وضد اللين الخشونة. ويستعار اللين لسهولة المعاملة والصفح. قال عمرو بن كلثوم: (فإن قناتنا يا عمرو أعيت .. على الأعداء قبلك أن تلينا)

وحدَّه اصطلاحا:" بـأنه الكلام الدال على معاني الترغيب والعرض واستدعاء الامتثال"

وذلك بأن يظهر المتكلم للمقابل أن له - من سداد الرأي- ما يتقبل به الحق، ويميز به بين الحق والباطل، مع تجنب أن يشتمل الكلام على تسفيه رأي المخاطَب، أو تجهيله. ر: التحرير والتنوير (16/ 225) فشبه الكلام المشتمل على المعاني الحسنة بالشيء اللين.

وخير ما يفسر اللين في تواصل (موسى مع فرعون) ما جاء في آيات أخرى: {فبما رحمة من الله لنت لهم}[آل عمران: 159]، و:{فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى(18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}[النازعات: 18، 19]، و: {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى}[طه: 47].، وتأثير القول اللين يَكمن في:{لعله يتذكر أو يخشى}. فـ[التَّذَكُّرُ]: (طلب ذكر ما نُسي) التَّذَكُّرُ. الجذر: ذكر. الوزن: التَّفَعُّل . وذَكَّره فتذكَّر: أي: وعظه فاتعظ: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى}".

وينفرد ابن عاشور في تحليله بقوله:"والتذكر: من الذُّكر. أي: النظر. أي: لعله ينظر نظر المتبصر فيعرف الحق، أو يخشى حلول العقاب به، فيطيع عن خشية لا عن تبصر. ر: التحرير والتنوير (16/ 226).

وكذلك، فإن اللين لا يثير العزة بالإثم، ولا يهيج الكبرياء الزائف، الذي يعيش به الطغاة. ومن شأنه: أن يوقظ القلب، فيتذكر، ويخشى عاقبة الطغيان. ر: في ظلال القرآن (4/ 2336).

ويظهر هذا جليًا عندما نطالع في مجريات التواصل العلني، الذي سيأتي لاحقًا.

فموسى قد كان راقيًا جدًا، حيث أدلى بحجته دونما لبس أو مناورة، بأسلوب حكيم ومضمون طيب نزيه، مجتنبًا التسفيه والتجهيل، بينما فرعون لم يكن متواصلًا وفق المبادئ المرسومة، وإنما قفز من فوقها يبتغي الوصول إلى هدفه، فطمس في وحل التجهيل والتسفيه.

الأسلوب الحكيم

والأسلوب التواصلي نوعان: حكيم، وغير حكيم.

فما انتهجه موسى هو(الأسلوب الحكيم) أحد فنون البلاغة العربية، وكذلك انتهجه في القصص القرآني الأنبياء والمرسلون.

وحُدَّ بـ : " تلقي المخاطب بغير ما يترقّبهُ ".

إما بترك سُؤاله، والاجابة عن سؤال لم يسأله. وإما بحمل كلام المتكلم على غير ما كان يقصد ويريد- تنبيهًا على أنه كان ينبغي له أن يسأل هذا السؤال، أو يقصد هذا المعنى. ويمثله ما فعله ابن القبعثرى مع الحجاج. [ابن القبعثرى: الغضبان بن القبعثرى الشيباني، وكان ممن خرج على الحجاج بن يوسف الثقفي].

إذ قال له الحجّاج مُتوعِّدا:" أحملنّك على الأدهم"

يريد الحجّاج: القيد الحديد الأسود. فقال ابن القبعثري «مثلُ الأمير يحمل على الأدهم والأشهب». يعني: الفرس الأسود، والفرس الأبيض.

فقال له الحجاج:" أردت (الحديد)"!

فقال ابن القبعثرى:" لأن يكون حديدا، خيرٌ من أن يكون بليدا" ر: بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة (1/ 146).

ومراده: تخطئة الحجاج بأن الأليق به الوعد (لا الوعيد).

وللأسلوب الحكيم أثر في التواصل، يفعل فعل السحر، وقد أوضح السكاكي هذا الأثر بقوله: « وإنّ هذا الأسلوب الحكيم لربما صادف المقام، فحرك من نشاط السامع، فسلبه حكم الوقور، وأبرزه في معرض المسحور .

وهل ألان شكيمة الحجاج لذلك الخارجي، وسل سخيمته؟ حتى آثر أن يحسن على أن يسيء، غير أن سحره بهذا الأسلوب، إذا توعده الحجاج بالقيد في قوله:« لأحملنَّك على الأدهم»

فقال متغابيًا: «مثل الأمير- يحمل على الأدهم والأشهب» مبرزًا وعيده في معرض الوعد، متوصلا أن يريه بألطف وجه: أن امرءًا مثله، في مسند الإمرة المطاعة، خليق: بأن يُصْفِد لا أن يَصْفِد، وأن يَعِدَ، لا أن يُوعد» ر: مفتاح العلوم ص 156.

[(يُصْفِد و يَصْفِد). (يُصْفِد). الإصفاد : الإعطاء من الصفد. وهو العطاء. (يصفد): صفده يصفده: بمعنى قيده . ولهذا يسمى القيد صفادًا.]

الأسلوب غير الحكيم [ر: عنايه القاضي وكفاية الراضي(2/ 336) وسمي في علم البلاغة(الأسلوب الأحمق)]

وضد أسلوب الحكيم في التواصل (الأسلوب غير الحكيم)، وكلا الأسلوبين قد استخدما في القصص, وقد انتهج غير الحكيم في القصص القرآني كل من (فرعون، والنمرود، وإبليس، والسامري)- كقول نمرود:{أنا أحيي وأميت} [البقرة: 258].

وكـقول فرعون:{سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ ونَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} [الأعراف: 127]- ر: حاشيه الشهاب علي تفسير البيضاوي(6/ 204) فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (6/ 337) (10/ 231) تفسير القاسمي = محاسن التأويل (5/ 13).

فهنا استخدم فرعون الوعيد والتهديد مكان الحجة والبرهان، متوهما أنه بالعصا الغليظة، يمكنه أن يتواصل مع المقابل دائما، ولم يدر أنه بهذا كان بمنأى عن بلوغ الغاية. بينما (الأسلوب الحكيم) تمثل في إجابات موسى على أسئلة فرعون ، وكان الأجدى والأنجع، حيث حقق نتائج مرضية وثُمُرًا يانعة.

فلغة التواصل- إذن - سارت وفق أسلوبين متعاكسين(حكيم وغير حكيم)، إذ يثور الخلاف بينهما حول (الإله الحقيقي، والإله المزعوم).

وطبيعي: أن يكون البادئ فرعون، لأنه مالك المضمار فلما طلب ماهية الإله الحق من موسى - وهو أسلوب غير الحكيم - ظانًا: أن رب موسى كائن مثله، لم يزد موسى في إجاباته على ذكر صفة (الخلَّاقية)- ثلاث مرات - على خلاف ما يترقبه السائل ، سالكا بذلك الأسلوب الحكيم. وقد تفرد بها الرازي . ر: تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (14/ 268)

الحلقة السابقة هـــنا