لغة التواصل في قصة سيدنا موسى مع فرعون (1)

درجات لغة التواصل

لن تكون لغة التواصل طلقةً واحدةً، وإنما تمر عبر هيئات ترتيبية، أبرزها بتدرجٍ - كما الآتي:

الأولى: الإعلام أو الإشهار

وهذه الدرجة ذات أهمية كبيرة، لأنها تجهز المتواصَل معه نفسيًا، حتى يكون أدنى للتفاعل مع المتواصِل، وفي هذه الحال تستهدف عملية التواصل في صناعة الوقائع، والانفعال معها، إشراكَ شرائح المجتمع كلها. كما في قصة موسى مع فرعون وملئه. فقد كان الإشهار من موسى بـ:{فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ*أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 16- 17].

ومن قِبَل فرعون:{فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}[النازعات: 24]، و{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}[الشعراء: 29]

وبـ{يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ}[الزخرف: 51]، فكلاهما أطلقا شارة الإعلان.

الأول: منطقيٌّ من رسول بشر حكيم.

والثاني: نادٌّ عن المنطق غير حكيم، يزعم أنه إله أعلى.

الثانية: التعبير والبيان

ويأتي في المرتبة الثانية (التعبير والبيان). وهو " كلام يبيّن ما في النَّفس من معنى" فيقال: هذا تعبير جميل موفَّق. وهذا الرَّجل يُحسن التَّعبيرَ عن نفسه.

وفي قصة موسى يتمثل التعبير منه بـ:{فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى(18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}[النازعات: 18، 19] و: { وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى}[طه: 47]. ومن فرعون بـ:{قَالَ: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27] و{قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ(34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الأعراف: 110].

الثالثة: (القناعة والإقناع)

وهي نهاية الطريق، إذ تهدف لغة التواصل إلى (القناعة والإقناع) [قنَع يَقْنَع قُنُوعًا، فهو قانِع. وقنِعَ يقْنَع، قَناعةً، فهو قانِع وقَنوع وقَنِع. والمفعول مقنوع به ومقنوع إليه: رَضِيَ بالقَسْم واليسير. وإلى الشّخص: خضع وانقطع إليه. معجم العربية المعاصرة (3/ 1863) (3/ 1863)] ففيها يحل الأمن والوئام. ويُترجَم ذلك بإبطال فكر الآخر أولًا، ثم تقديم الأدلة والبراهين المكتوبة والمسموعة والمرئية من الطرف المرسِل إلى المستقبِل المرسَل إليه-ثانيًا- بُغية إقناعه بفلسفته أو رأيه، ومن ثَمَّ نيل الوصول والتواصل الحميمين.

وفي قصة موسى كانت لغة التواصل هكذا، فمنهم من نجح فوصل، ومنهم من فشل وانتكس، وبالآيات التالية كانت البداية:{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26)......} [الشعراء: 23 - 39]. حتى النهاية.

لغة التواصل بين ( موسى وفرعون )

وفي القرآن صور كثيرة بهذا الاتجاه، تَطال جوانب الحياة بشتى أنواعها، وقصة موسى النبي هي الأبرز فيه، حيث تشمل مهارات بارزة تستحق الدراسة، وتشكل خُطة استراتيجية محكمة ونظيمة. وتَمثَّلُ لغة التواصل- هنا - مع أصحاب السلطة، من رأس الهرم إلى من هو دونه- تَحْكُمه مجموعة أنظمة فنية وأدبية. فرأس الهرم في قصة موسى هو(فرعون)، ودونه السحرة وملؤه. ونركز في بحثنا فيه على محورين اثنين:

الأول: التواصل المباشر وجهًا لوجه

ويمثله: اقتحام موسى عرش فرعون، مبتعَثا من قبل رب العالمين، ليتواصل معه، في توجيهه نحو الصواب، إذ نشب الصراع بينهما في تحديد هوية المنهج - فكرًا ومسلكًا - فأعلن موسى عن مهمة رسالته بـ:{وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأعراف: 104]. بينما الجانب الآخر كان منفعلًا، لأنه فُجِئَ بقول موسى، فأطلق ردًا مضطربًا غير متوازن:{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}[الشعراء: 29]. و يدلل على زعم مصداقيته بـ:{ قَالَ: يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51].

وكلاهما (موسى وفرعون) يبغيان التواصل بالفكرة والمنهج.

فالأول(موسى): قولٌ حكيمٌ رصينٌ، صادر عن ذي لَحَنٍ. [لَحَن: بفتح الحاء (الفطنة). وهو موسى].

استطاع أن يحقق التواصل وبلوغ الهدف، لأن لغة التواصل تُبنى على البيِّنة، وما تحمله من مقومات، وحتى تكون اللغة تعبيرية مبيّنة، فلا يمكن اختراقها، فقد تنبه موسى- بلَحَنه - إلى معوقٍ، ربما يكون مانعا من تقبل فرعون التواصل معه؛ فالتمس من ربه السماح باصطحاب أخاه(هارون) ظهيرًا إلى جانبه، يزيد في قوته ويشد من عضده، حتى يتوصل إلى الإقناع.

فالأخير: منحه الله فصاحة تفوق فصاحة الأول:{قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ(12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ}[الشعراء: 13]. و عرف على أخيه بأنه الأفصح: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ}[القصص: 34] ومن فوره أجيب سؤله:{قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [القصص: 33 - 35]

كما تنبه-أيضا- إلى ذَنبٍ- بنظر الناس- هو معوق آخر، فالتمس حلًا من ربه:{وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ}[الشعراء: 14- 19] وقال تعالى: {قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 45 -46].

فهاهنا مخافتان.

الأولى: مخافة من القتل.

والثانية: مخافة من التكذيب.

ويعذر في تخوفه هذا، لأن الفصيح ربما يقابل الأفصح فيحتمل غلابه، فيطلب مساعد له هو الأفصح. [ر: التحرير والتنوير (20/ 116)]

والآخر(فرعون): فقد كان رده مهزوزًا صادرًا عن غفلة ودخن [دخُن لونُ الشَّيءِ: صار كلونِ الدُّخان. معجم اللغة العربية المعاصرة (1/ 730)]، كثُر ما يسقط صاحبه قبل نيل المراد. إذ كيف يقول:{تجري من تحتي}؟ فمثل هذا التعبير يروج على الدهماء السذج، ويجلو عند علية القوم المحنكين المجربين. صحيح أنه تعبير معبِّر، لكنه يمكن فهمه بأحد احتمالين:

الأول: أن يكون قد ادعى أن النيل يجري بأمره، فيكون (من تحتي) كناية عن التسخير-كقوله تعالى:{كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين}[التحريم: 10] أي: كانتا في عصمتهما. ويقول الناس: دخلت البلدة الفلانية تحت الملك فلان.

والثاني: أنه أراد أن النيل يجري في مملكته من بلاد أسوان إلى البحر، فيكون في (تحتي) استعارة للتمكن من تصاريف النيل- كالاستعارة في قوله تعالى:{قد جعل ربك تحتك سريا}[مريم: 24]، على تفسير (سريا) بنهر، وكان مثل هذا الكلام يروج على الدهماء لسذاجة عقولهم[ر: التحرير والتنوير (25/ 230)]. ومن ثم صدق التعبير بحقهم: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54].

طبيعة التواصل

وطبيعة التواصل- هنا- عدائية بامتياز، بدليل: {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ}[طه: 39]. ثم - وإن كانت عدائية- فالتعادي لا يدوم. فكم من متعاديين يتحولان بلغة التواصل إلى صديقين. والتواصل هنا محصور بين متعاديين:

الأول: (فرعون)

فهذا الخصم، عدو من جهتين: عدو لله: لأنه لفه الكبرياء، فانتحل لنفسه الإلهية وتعبد شعبه، فنهج في الحياة نهجًا شاذًا، أشقاه وأشقى من تبعه. وعدو لموسى: لأنه من شبان بني إسرائيل، وقد اعتزم قتل أبنائهم. وبنظر فرعون –أيضا-: إن موسى قاتل مجرم. لأنه قتل من قوم فرعون رجلا. وقد ذكَّره به في مقابلته: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ}[الشعراء: 19].

والثاني: (موسى)

وعداؤه على سبيل المشاكلة والمجاز، فهو عدو (فرعونَ) في ادعائه الألوهية، لأنه شذ عن الفطرة، وكان موسى رافضًا ذلك، وبنيَّته التواصل بعدما يُزال العائق: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}[النازعات: 24] وعداؤه منصب على(الأفعال والأقوال)، وليس على الذات، إذ هما معوقان يجب تبديلهما بالأحسن والأخير، حتى يتواصل الطرفان بإصابة الهدف، ولن تكون سيرورة التواصل -هنا - مفروشة بالورود والرياحين، فأمامها معوقات شتى، هي عسيرة الهضم.

الثقافة والتعبئة المعنوية

ومن جهة المتواصل الأعلى، فإن تواصله يمر عبر رسول، لذلك فإنه يعتمد على حسن الاختيار حتى ينجح، والمتواصِل الوسيط - لا شك- إنه حكيم قوي ذو لَحَن، وقديما؛ قال الشاعر طرفة بن العبد:

(إذا كنتَ في حاجةٍ مُرْسِلاً... فأرْسِلْ حَكِيماً ولا تُوصِهِ) [ر: ديوان طرفة بن العبد (ص: 51) لا توصِ حكيماً [لمتقارب]

أي: هو مستغنٍ بحكمته عن الوصية. [ر: مجمع الأمثال (1/ 303)] غير أن الحكمة وحدها لا تكفي في لغة التواصل. لذا، يجب أن يعبأ المرسول معنويًا وثقافيًا، ليكون على هدىً وبصيرة، ويتجنبَ الانزلاق في محيط الزلل:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف: 108]

هذا، وقد عبَّأه ربه بتذكيره بنعم ربانية كبرى لم تمنح إلا له: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}[طه: 39] فبهذه المنة دلالة على أنها محبة خارقة للعادة، دونما اصطحاب لأسباب المحبة العرفية من الإلف والانتفاع، لكي تحصل الرقة لواجده في اليم، فيحرص على حياته ونمائه ويتخذه ولدًا.

وترجمت تلك المحبة بـ:{وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا}[القصص: 9].

وامتناع فرعون عن قتل موسى، كان ناشئًا عن أحد احتمالين:

الأول: غلب على ظنه أنه من غلمان إسرائيل، لا من أبناء القبط.

والثاني: خطر بباله الأخذ بالاحتياط فهم بقتله، غير أن آسية ثنته عن عزمه فكان قرة عين لها قبل أن ينفعها وقبل اتخاذه ولدًا. ر: التحرير والتنوير (16/ 217)

ومع أن القرآن قد صرح بتعادي فرعون بسبب طغيانه: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى} غير أنه كان يحمل فكرًا يبغي تصديره كما موسى، فأيّ الفريقين كان أمضى حجة في تمتين دعوته، كان المحقق للغة التواصل عبر فكره ومنهجه.

وللمقالة بقية في الجزء التالي.