كلمات في القرآن (3) هل أتاك ؟ 

كلما قرأت الآيات الني تتصدرها هذا الكلمة مسبوقة بالاستفهام " هل أتاك " عشت التحدي القرآني العجيب في سـَوق الخبر الذي ينبئ عن الغيب الذي يحمله إلى القارئ أو السامع في حقيقته وصدقه ، واقتطاعِه من الماضي السحيق صورة تثـبُت أمام العين حركة ولوناً وحَدثاً ، وتجاويفَ الأذن صوتاً وجلبة . وفي القلب انطباعاً وثباتاً ، والعقلِ تفكيراً وتحليلاً ودروساً وعِبَراً . فإذا بهذا النبأ الغيبي حقيقة واقعة في حواس الإنسان يعيشه وجداناً وعواطف ، وتأملاً وتدبراً .

" هل أتاك " تنقل الماضي المنسيّ حاضراً حيـّاً تتلمسه لوحة ً متحركة تعرض الحدث نابضاً بالحياة ، فتتفاعل معه كأنك أحد عناصره . وهذا الشعور لحظة تربوية إيجابية لا تنمحي من الذاكرة . وهذا ما يمتاز به النص القرآني الرائع .

وردت هذه الكلمة " هل أتاك " ست مرات في القرآن ، وهي أسلوب إنشائي استفهامي سبقته " هل " الاستفهامية التي لا تحتاج جواباً ، فما بعدها الجواب الشافي بكل أبعاده . إنه أسلوب لجذب الانتباه ، فتترك كل ما في يديك لتخلـُص للحدث ، وتندمج فيه . 

وترى بعد " هل أتاك " كلمة " حديث " خمس مرات وهي بمعنى الحدث والقصة أو قل مايراد من الحديث نفسه ، فتتهيأ لتسمع وترى وتتابع . أما في المرة السادسة فقد ذُكر كلمة " نبأ " ففي النبإ فتنة واختبار لدواوود عليه السلام كما سيمر . 

وبعد كلمة الحديث – وهي كلمة عامة – يُذكرالهدف الذي سيق له " هل أتك حديث .. " موسى وضيف إبراهيم ، والجنود ، ، والغاشية ، والخصم.. ثم تبدأ القصة ...

تلا أربعاً منها كلمة ُ" إذ " وهي ظرف يختص بنقل الماضي إليك ، فيضعه أمامك من بدايته ، ثم يبدأ بالقصة تتوالى بدقائقها فيلماً سينمائياً يقتنص اهتمامك ، فتتابعه بشغف ورغبة . و" إذ " نقلة سريعة للموقف ، حيث يبدأ فوراً بزخم صوره الحية ... 

- في سورة طه يقول تعالى " هل أتاك حديث موسى ؟ " فتلتفت نحو مصدر السؤال لترى الجواب يتحدر بسلاسة قائلاً : " وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نار فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً ، لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى ....... " من الآية التاسعة إلى غاية الآية الثامنة والتسعين يفصل القول منذ أن شد موسى عليه السلام الرحال من مدين إلى مصر مع أسرته فرأى النور عند الشجرة المباركة وكلمه ربه ، فجعله من المرسلين ، إلى إشراك أخيه هارون في الرسالة مع التفاتة إلى فضل الله تعالى عليه منذ أن أرضعته أمه ، ثم ألقته في النهر ، وتبعته أخته تدل أهل فرعون على الأم ، فيعود إليها بفضل الله تعالى . ثم نجد الأخوين يحاجـّان فرعون ويحاورانه ، ونراهما يعظان السحرة قبل المباراة التي انتهت بإيمان السحرة . ثم انتقام فرعون المتأله من المؤمنين الجدد الذين ثبتوا على الإيمان بالله رغم التعذيب ثم الصلب والقتل . كما نرى المؤمنين بقيادة نبيهم موسى يجتازون البحر ، ثم يتبعهم فرعون فيغرق فيه ، وتنطوي صفحة الظلم فيرى اليهود أنفسهم أحراراً ، إلا أنهم سرعان ما ينتكسون فيطلبون إلهاً حين يرون بعض المشركين يسجدون للأصنام ، ويمضي الحدث مصوراً اتخاذ اليهود عجلَ السامري إلهاً على الرغم من وجود هارون بينهم – وقد استضعفوه - ، ثم تكون محاورة بين موسى والسامري تنتهي بحرق الإله المزيف وعقوبة السامري المنحرف لنصل إلى النهاية الأصيلة في عقيدة المسلم : " إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ، وسع كل شيء علماً " . 

- أما في سورة " النازعات " فإننا نعيش قصة موسى نفسَها مختصرة في دعوة موسى فرعونَ إلى التوحيد وعبادة الله الواحد الأحد ،" هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى : اذهب إلى فرعون ، إنه طغى " فيأبى المجرم تلك الحقيقة ويدّعي الألوهية ، ويصرح بها " فقال : أنا ربكم الأعلى " فيأخذه الله أخذ عزيز مقتدر ، وينتهي المشهد بالقاعدة الأصيلة " فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ، إن في ذلك لعبرة لمن يخشى " فهل من معتبر؟! .

- فإذا وقفنا بتأنّ في حضرة سورة " الذاريات " وجدنا قصة سيدنا إبراهيم حين استقبل الملائكة الكرام " هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ، إذ دخلوا عليه ... " وعرّج على قصص موسى وفرعون ، وقوم هود وقوم صالح وقوم نوح باختصار شديد ، وبيـّن نهاية الكفار المدبرين عن الإيمان ، ثم أمرنا بالفرار إلى الله تعالى وتوحيده سبحانه ، فهذا الأصل الذي على المؤمن أن يسعى إليه " ففروا إلى الله ، إني لكم منه نذير مبين ، ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر إني لكم منه نذير مبين " 

أفر إليك منك ، وأين إلا إليك يفر منك المستجير 

- أما في سورة البروج فإننا لا نجد " إذ " ونجد الهدف : فرعون وثمود ، وسبب حذف " إذ " وهي - كما قلنا سابقاً - استحضار الصورة – ولا حاجة لاستحضارها فقد ذكرت بالتفصيل في أول السورة " .... قتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ...... " فكان المعنى واضحاً والصورة جلية 

- وكذلك رأينا في سورة الغاشية ما رأيناه في سورة البروج من الاستغناء عن " إذ " لأن الصورة جاءت مسرعة تتجاوز التهيئة ، وانفتحت تصور حياة الكفار في نار جهنم والعياذ بالله ، فتخلع القلوب وتهز الصدور ... كما أن " إذ " تستجلب الماضي ، وتصويرُ حياة الكفار في نار جهنم سيأتي في المستقبل ، ويعبر عن المستقبل كلمة ُ " يوم " يوم ينظر المرء ما قدمت يداه " يوم نقول لجهنم هل امتلأتِ ، وتقول هل من مزيد " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم " .

- ثم نجد قوله تعالى " هل أتاك نبأ الخصم إذ تسوّروا المحراب ....." فاحتلت كلمة " نبأ " مكان " حديث " فالأمر خطير ، إنه اختبارٌ لجـَلـَد نبي من أنبياء الله مشهور بالإنابة والتوبة وكثرة الذكر ، تسبح الجبال والطير معه ، تكررت في قصته " إذ " مرتين " إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داوود " لقد كان دخولهم فجأة دون إذن فخافهم ، فأخبروه بسبب دخولهم ، ولم يعرف أنهم ملائكة إلا حين اختفوا فجأة كما ظهروا فجأة . وهنا نعيش الامتحان في القضاء الذي ينبغي أن يستمع فيه القاضي لحجة الطرفين ، لا أن يحكم بمجرد أنه سمع اتهام الأول فهـُيـّئ له أنه مظلوم تجب مساعدته ، فأسرع يحكم له ، ثم أحس بخطئه الفادح فخر ساجداً يستغفر الله ويتوب إليه . 

- بقي أن نقول : رأينا في سورة الدهر قوله تعالى " هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً " فكان هذا التساؤل بمعنى ( قد أتى على الإنسان حين من الدهر ...) وهي معنى آخر غير معنى " هل أتاك " يصب في التقرير والتأكيد ... نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا .. إنه ضياء النفوس وكنز الإيمان ، وقوت القلوب .