عرض الأخبار على القرآن الكريم بين العرض الجزئي والعرض الكلي

لقد قرر العلماء منذ زمن الشافعي رحمه الله، أن السنة النبوية الصحيحة تابعة للقرآن الكريم، بمعنى أنها بيان له، فلا تخالفه البتة، وهذا يدخل في وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم التي هي بيان الكتاب، قال تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون." [النحل:44] وقال تعالى: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يومنون." [النحل:63،64] والآيات في ذلك تترى. 

وقد حرر الكلام في ذلك الشافعي فقال: "إذا كان الله فرض على نبيه اتباع ما أنزل إليه...لم تكن السنة لتخالف كتابَ الله، ولا تكون السنةُ إلا تَبعاً لكتاب الله، بمثل تنزيله، أو مبيِّنةً معنى ما أراد الله، فهي بكل حال متَّبعةٌ كتابَ الله." وقال: "إن سنة رسول الله لا تكون مخالفة لكتاب الله بحال، ولكنها مبينة عامه وخاصه." 

ونحن قبل بيان قضية عرض الأخبار على القرآن من حيث العرض الجزئي أو الكلي، نؤكد أن هذه القضية ذاتها ليست محل اتفاق بين العلماء، إذ ذهب فريق منهم إلى أن الأخبار ليست في حاجة إلى أن تعرض على القرآن، وهذا مذهب أبي سليمان الخطابي في (معالم السنن) وابن السمعاني في (قواطع الأدلة في الأصول) وعزاه الزركشي إلى القفال الشاشي في (البحر المحيط) وهو بخلاف ما هو مقيد في أصوله وهو أيضا مذهب ابن حزم الظاهري وبه تمسك ابن القيم في (إعلام الموقعين) واستدلوا على مسلكهم هذا بما يلي:

أولا: عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ، إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ" 

قال الخطابي: "لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب، وأنه مهما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حجة بنفسه." وقد عزا هذا المسلك، أي عرض الحديث على القرآن، إلى الخوارج والروافض. 

ثانيا: وهو استدلال ابن السمعاني، واعتبره استدلالا صحيحا، بقوله تعالى: "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى." [النجم: 3،4] "فأخبر الله تعالى أن مصدر الخبر عن الوحي، كما أن مصدر الكتاب عن الوحي" وبقوله تعالى: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا" [الحشر: 7] وبقوله سبحانه وتعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] "فأمر باتباع سنن الرسول كما أمر باتباع آي الكتاب، وإذا كان كذلك وجب قبول ما ثبت عنه، ولم يجز التوقف عنه إلى أن يُعرَض على الكتاب، وهذا لأنه حجة في نفسه فلا يجب عرضه على حجة أخرى حتى يوافقها أو يخالفها." كل هذه الاستدلالات من آي القرآن الكريم تفيد عند ابن السمعاني أنه: "لا يجب عرض الخبر على الكتاب ولا حاجة بالمخبر إلى إجازة الكتاب." 

ثالثا: وهو مسلك ابن حزم في الاستدلال على عدم عرض الحديث على الكتاب، لانتفاء وجود حديث صحيح مخالف للقرآن، وهو في ذلك يعرض استدلاله في نسق منهجي صرف، قال: "لا سبيل إلى وجود خبر صحيح مخالف للقرآن أصلا، وكل خبر شريعة فهو إما مضاف إلى ما في القرآن، ومعطوف عليه، ومفسر لجملته، وإما مستثنى منه مبين لجملته، ولا سبيل إلى وجه ثالث." 

وقال ابن القيم بعد أن عرض أوجه السنة مع القرآن، وقد حصرها في ثلاثة: "ولا تخرج (أي السنة) عن هذه الأقسام، فلا تعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها زائدا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم تجب طاعته فيه، ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديما لها على كتاب الله، بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله...وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه، لم يكن له طاعة خاصة تختص به..." 

ولنا على هذه الاستدلالات بعض التعقبات، وهي:

أولا: أن دعوى الخطابي ومن تبعه دعوى عريضة، ذلك أن القرآن الكريم هو كلي الشريعة، وهو المصدر الأول لاختبار الأحاديث، والميزان الذي توزن به الأخبار، وإلا فعلى أي أساس يمكن أن نبني عليه نظرنا في الأخبار تمحيصا وتحقيقا ونقدا، إن لم يكن القرآن الكريم في المقدمة. إذن فالمعيار الأول الذي ينبغي أن نحتكم إليه هو عرض الأخبار على القرآن، حتى نتبين صحيحها من سقيمها، وظاهرها من متأولها، إن تطلب الأمر ذلك.

ثانيا: أن مسلك عرض الأخبار على القرآن الكريم، هو مسلك الصحابة رضي الله عنهم، وعلى رأسهم إمام المقاصد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد روى مسلم عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ، وَمَعَنَا الشَّعْبِيُّ، فَحَدَّثَ الشَّعْبِيُّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً. ثُمَّ أَخَذَ الْأَسْوَدُ كَفًّا مِنْ حَصًى، فَحَصَبَهُ بِهِ، فَقَالَ: وَيْلَكَ تُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذَا، قَالَ عُمَرُ: لَا نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ، أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ" [الطلاق: 1]. 

ووجه الاستدلال هنا، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تمسك بالقرآن ورد الحديث، قال بن رشد الحفيد: "ويصعب رد الأصول المنتشرة التي يُقصد بها التأصيل والبيان عند وقت الحاجة بالأحاديث النادرة، وبخاصة التي تكون في عين، ولذلك قال عمر رضي الله عنه في حديث فاطمة بنت قيس: لا نترك كتاب الله لحديث امرأة" 

ثالثا: أن ادعاء عرض الأحاديث على القرآن ترك للسنن ورد لها، غير مسلّم، لأن هذا العرض تثبيت لها، وشد لأزرها، وإنما المقصود أيضا أن تكون السنن منسجمة مع ثوابت القرآن، ومتفقة مع قطعياته، لا مناقضة لها، فيتحد بذلك البيان مع المبين. ثم قد يصح الحديث لكن فهمه على ظاهره يورث إشكالا، مما يتطلب عرضه على القرآن عند صرف معناه عن ظاهره بالتأويل.

ويبدو أن خشية هذه الفرقة من أن ترد السنن، كما فعل الخوارج والروافض وغيرهم من أصحاب الأهواء، لم تصب محلها، ولا هي مبنية على منهج أصولي مقاصدي، آيل إلى مزيد من التدقيق والتحقيق في السنن بناء على كليات القرآن، بالرغم من كون أصحابها من العلماء المشهود لهم بالتضلع في علوم الشريعة، وعلو كعبهم في منقولها ومعقولها.

ولهذا لا ينبغي أن يفهم من كلام جمهور الأصوليين أن عرض السنن على القرآن ترك لما هو ثابت منها، ولو أوجبت أحكاما لم تأت في القرآن، وإنما هو منهج عندهم للتمحيص والتدقيق ودرء التعارض وإشكالات الفهم التي لا جرم تنعكس بوجه ما على التنزيل. 

الفريق الثاني

ورأى فريق من العلماء أنه لا بد من عرض الأخبار على القرآن الكريم، ويمثل هؤلاء جمهور الأمة، من الأحناف والشافعية، والمالكية، وغيرهم مع بعض الاختلافات المنهجية اليسيرة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

أولا: رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما جاءكم عنى فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فلم أقله." وهذا الحديث معلول بالانقطاع والجهالة. قال الشافعي لمحاوره مبينا له هذا الحديث: "ما روى هذا أحد يَثْبُتُ حديثُه في شيء صغرَ ولا كبرَ." وقال: "وهذه أيضا رواية منقطعة عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء." 

وروي عن رسول اللَّه صلَّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: "يا عمر، لعل أحدكم متكئ على أريكته ثم يكذبني، ما جَاءكم عنِي فَاعرِضوه عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَإن وَافقه، فأنا قُلتُه، وإن لم يوافقه فلم أقله." 

نقل ابن بطة العُكْبري عن ابن السَّاجِيِّ أنه قال ما نصه: "قَالَ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: "وَبَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلٌ، وَالزَّنَادِقَةُ وَضَعَتْ هَذَا الْحَدِيثَ." ووافقهما ابن بطة على ذلك. وقال عبد الرحمن بن مهدي: "الزنادقة والخوارج، وضعوا ذلك الحديث." 

ويكفينا هنا ما قيده الشيخ أحمد شاكر في ما علقه بهامش الرسالة على الحديث الآنف الذكر: "هذا المعنى لم يرد فيه حديث صحيح ولا حسن، بل وردت فيه ألفاظ كثيرة، كلها موضوع أو بالغُ الغاية في الضعف، حتى لا يصلح شيء منها للاحتجاج أو الاستشهاد." 

والحق أن كبار الأئمة والعلماء لا يستدلون بمثل هذا الحديث، ولا يلتفتون إليه، وإنما أوردناه هنا لأن بعضهم، ممن صناعته في علم الحديث مزجاة، قد استدل به على حجية عرض الأخبار على القرآن، كما ورد في رسالة الشافعي مع مُحَاوره، فوجب علينا إدراجه في الاستدلال لهذا الفريق مع بيانه.

ووجه الاستدلال بالحديث عندهم أنه يجب عرض الأخبار على كتاب الله، فإن كانت موافقة له، فهي صحيحة الاعتبار والنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كانت غير ذلك فوجب ردها.

ثانيا: أن عرض الأخبار على القرآن فيه حفظ للدين من إدخال ما ليس منه، من البدع بالتشهي واتباع الأهواء، قال السرخسي في معرض إشادته بمسلك الحنفية في هذه القضية: "ففي هذين النوعين من الانتقاد للحديث علم كثير، وصيانة للدين بليغة، فإن أصل البدع والأهواء إنما ظهر من قبل ترك عرض أخبار الآحاد على الكتاب والسنة المشهورة، فإن قوما جعلوها أصلا مع الشبهة في اتصالها برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أنها لا توجب علم اليقين، ثم تأولوا عليها الكتاب والسنة المشهورة، فجعلوا التبع متبوعا، وجعلوا الأساس ما هو غير متيقن به، فوقعوا في الأهواء والبدع بمنزلة من أنكر خبر الواحد.." 

ثم هو يمضي في بيان مسلك علماء مذهبه الأحناف، حيث يحتكمون إلى أصل الكتاب والسنة المشهورة، وما دونه فهو زيف مردود قال: "وَإِنما سَوَاء السَّبِيل مَا ذهب إِلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله من إِنْزَال كل حجَّة منزلتها فَإِنَّهُم جعلُوا الْكتاب وَالسّنة الْمَشْهُورَة أصلا، ثمَّ خَرجُوا عَلَيْهِمَا مَا فِيهِ بعض الشُّبْهَة، وَهُوَ الْمَرْوِيّ بطرِيق الْآحَاد مِمَّا لم يشْتَهر، فَمَا كَانَ مِنْهُ مُوَافقا للمشهور قبلوه، وَمَا لم يَجدوا فِي الْكتاب وَلَا فِي السّنة الْمَشْهُورَة لَهُ ذكرا قبلوه أَيْضا، وأوجبوا الْعَمَل بِهِ وَمَا كَانَ مُخَالفا لَهما ردُّوهُ، على أَن الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة أوجب من الْعَمَل بالغريب بِخِلَافِه." 

ثالثا: رفع التعارض بين القرآن والخبر، لأن القرآن هو الأصل والخبر فرع عنه، فإذا ناقض الفرع الأصل أو خالفه وجب رده، أو تأويله إن كانت المناقضة في الظاهر، ثم لأن القرآن من حيث كونه أصلا مقطوع به حاكم على الفرع المظنون. ولا يخفى أنه مسلك اقتفى أثره علماء الحديث أنفسهم، قال الخطيب البغدادي: "ولا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل، وحكم القرآن الثابت المحكم، والسنة المعلومة، والفعل الجاري مجرى السنة، وكل دليل مقطوع به." 

وقال أيضا: "وكل خبر واحد، دل العقل، أو نص الكتاب، أو الثابت من الأخبار، أو الإجماع، أو الأدلة الثابتة المعلومة على صحته، وجد خبر آخر يعارضه، فإنه يجب اطراح ذلك المعارض، والعمل بالثابت الصحيح اللازم، لأن العمل بالمعلوم واجب على كل حال." 

وقد نص ابن الجوزي في (الموضوعات) على أن "كل حديث رأيته يخالف المعقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع، فلا تتكلف اعتباره." 

وهو أيضا مسلك أكثر الفقهاء وجمهور الأصوليين، ومصنفاتهم ناطقة بذلك، وشاهدة عليه. قال ابن العربي"الحديث إذا خالف قواطع الأدلة تؤول أو رد إن لم يمكن تأويله" . وقال: "إذا جاء خبر الواحد معارضًا لقاعدة من قواعد الشرع هل يجوز العمل به أم لا؟ فقال أبو حنيفة لا يجوز العمل به. وقال الشافعي يجوز العمل به. وتردد مالك في المسألة، ومشهور قوله، والذي عليه المعول، أن الحديث إذا عضدته قاعدة أخرى قال به، وإن كان وحده تركه. ولهذا قال في مسألة غسل الإناء من ولوغ الكلب قد جاء هذا الحديث ولا أدري ما حقيقته لأن هذا الحديث عارض أصلين عظيمين: أحدهما قول الله تعالى: "فكلوا مما أمسكن عليكم" قال مالك: يؤكل صيده فكيف يكره لعابه. والثاني: أن علة الطهارة هي الحياة وهي قائمة في الكلب." .

وقال الشاطبي في (المسألة الثانية) من (كتاب الأدلة الشرعية) وهو بصدد بيان علاقة الأصل القطعي بالظني: "الظني المعارض لأصل قطعي، ولا يشهد له أصل قطعي فمردود بلا إشكال." ومما استدل به على ذلك أنه "مخالف لأصول الشريعة، ومخالف أصولها لا يصح، لأنه ليس منها، وما ليس من الشريعة كيف يعد منها" 

وذهب أيضا في موطن آخر من موافقاته إلى "أن خبر الواحد إذا استند إلى قاعدة مقطوع بها، فهو في العمل مقبول، وإلا فالتوقف." وعلل الشاطبي ذلك "كونه مستندا إلى مقطوع به، راجع إلى أنه جزئي تحت معنى قرآني كلي." 

فبهذا يتضح أن الشاطبي رحمه الله يُحكِّم الكليات والقواعد القطعية في قبول الخبر، فهي عنده بمثابة عيار يعير بها الخبر، وينبني عنده على هذا المنحى رد الخبر والتمسك بالقرآن بإطلاق، إن لم توجد قاعدة كلية معضدة، وفي ذلك يقول: "وأما إن لم يستند الخبر إلى قاعدة قطعية، فلا بد من تقديم القرآن على الخبر بإطلاق." 

وجنح ابن عاشور في (النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح) -وقد طفق يبين بعض الإشكالات المرتبطة بحديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم- إلى أن "الخبر إذا خالف أصول التشريع وما يجب لمقام النبوة يجب رده ودحضه." وقال في (التحرير والتنوير): "وأخبار الآحاد لا تنقض القواطع." 

وبهذا نرى أنه يتعين عرض الأخبار على الكليات الشرعية، وعلى رأسها كلي الشريعة وينبوع الحكمة القرآن الكريم، حتى تنجلي حقيقتها، ويظهر صحيحها من سقيمها، وهذا منهج سار عليه الصحابة الكرام ودأب عليه العلماء الأجلاء من بعدهم، مما ينبغي أن يصير مبدأ يحتكم إليه، وموئلا يرجع إليه، ومسلكا يعتصم به، من غير أن يكون مقتصرا على حل الخلاف والتنازع في بعض الإشكالات العلمية فقط. 

العرض الكلي

لقد تأكد من خلال هذه النقول أن تمحيص الأخبار عند العلماء بعرضها على القرآن الكريم من الأهمية بمكان، لتكون منسجمة مع ما يقرره، وأيّما خبر خالف القرآن في أصوله أو أحكامه رد واعتبر حديثا مختلقا، غير أن الذي يظهر –خاصة عند القدامى منهم ممن عني بمشكل الآثار- أن عرض الأخبار على القرآن اتسم بالعرض الجزئي بدل العرض الكلي، وأقصد بذلك تحكيم كلياته، ولذلك لا نجدهم قد عنوا بالكليات بنفس عناية من جاء بعدهم، بل إن مصطلح الكليات لم يكن رائجا لا عند الشافعي في (اختلاف الحديث)، ولا ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث)، ولا الطحاوي في (مشكل الآثار)، بخلاف مصطلح الأصول.

على أن الباحث لو نظر على سبيل المثال في كتاب ابن قتيبة (تأويل مختلف الحديث) باعتباره متقدما، فسوف يخلص إلى نتيجة عامة وهي أنه قد استحوذ عليه النظر الجزئي في رد اعتراضات واستشكالات المعتزلة ومن نسج على منوالهم، في رد الأحاديث بالنظر العقلي الصرف المتسم بالمبالغة والغلو. فغاب بذلك عنده إعمال الكليات بالمعنى الذي سبق أن قررناه آنفا.

والحق أن العرض الجزئي للخبر، بالرغم من أهميته، لا يفي بالمقصود، إذا ما أهملت الكليات، لأن الكليات حاكمة لا محكوم عليها، على أن البيان الجزئي ينبغي أن يكون منسجما تماما مع كلي الشريعة، لا مناقضا له، ولا مبطلا له، لأن الشرع من حيث هو شرع، نصوصه تأتي متناسقة وأحكامه منسجمة، وأصوله متكاملة، تمثل وحدة، كالوحدات المكونة للمحركات فأصغر جزء منها قد يعطل المحرك، أو على الأقل يشوش على خدمته وحركته.

وهذه الحركية أعني علاقة الكليات بالجزئيات، وجدلية التأثير والتأثر بينهما، يمكن أن يعبر عنها الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم عن النُّعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى." 

وهنا ندعو إلى تجديد النظر والتناول لمشكل الآثار، بناء على إعمال الكليات الشرعية والقواعد القطعية الحاكمة، فقد تحملنا على إبداع فهم جديد، أو استدراك مفيد، لا سيما أن الدراسات المقاصدية، والأصولية، والشرعية عموما قد تطورت وتجددت بما لا يخطر على أولئك الفحول رحمهم الله.

1 انظر الرسالة فقد خصص الشافعي البيان بباب كامل (باب كيف البيان؟)، ، وضح معناه وبين مراتبه ص21،53.

2 الرسالة 223.

3 نفس المصدر 228.

4 انظر معالم السنن 4/276.

5 انظر قواطع الأدلة في الأصول 1/365.

6 انظر البحر المحيط 4/352.

7 انظر أصول الشاشي 284.

8 انظر الإحكام في أصول الأحكام 2/209.

9 إعلام الموقعين عن رب العالمين 2/307.

10 رواه أبو داود في سننه، باب في لزوم السنة.

11 معالم السنن 4/276.

12 نفس المصدر 1/368.

13 نفس المصدر 1/365.

14 الإحكام لابن حزم 2/209.

15 إعلام الموقعين 2/307،308. إما موافقة للقرآن فتكون من باب توارد الأدلة، وإما بيانا له، وإما منشئة لحكم سكت عنه القرآن.

16 رواه مسلم، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها.

17 بداية المجتهد ونهاية المقتصد 2/42.

18 الرسالة 224،225.

19 نفس المصدر.

20 الإبانة الكبرى لابن بطة 1/265.

21 نفس المصدر 1/265. راجع الإحكام لابن حزم رحمه الله فإنه عقد فصلا نفيسا في بيان هذا الحديث 2/76،82. قال ابن السمعاني: "وأما الخبر الذي يروون من الأمر بعرض السنة على الكتاب فهو خبر رواه يزيد بن ربيعة عن أبى الأشعث عن ثوبان ويزيد بن ربيعة مجهول ولا يعرف له سماع من أبى الأشعث، وإنما يروي أبو الأشعث عن أبى أسماء الرحبى عن ثوبان، فالحديث منقطع وفيه رجل مجهول وحكى الساجى عن يحيى." قواطع الأدلة 1/368.

22 الموافقات 4/898. وانظر في الهامش ما نقله المحقق الدكتور الحسين آيت سعيد في شأن الحديث.

23 انظر الرسالة 224، تعليقه على الحديث هامش 4، وقد أورد كلاما للعلماء في كون الحديث باطلا وموضوعا. ينظر للمزيد الإحكام

24 أصول السرخسي 1/367.

25 نفس المصدر 1/368.

26 الكفاية في علم الرواية 432.

27 نفس المصدر 1/434.

28 الموضوعات 1/106، وانظر فتح المغيث 1/315، وتدريب الراوي في شرح تقريب النووي 241. 

29 القبس 1/543.

30 المصدر نفسه 1/812.

31 الموافقات 4/27

32 نفس المصدر 4/27،28.

33 الموافقات 4/879.

34 نفس المصدر 4/880.

35 النظر الفسيح 224.

36 التحرير والتنوير 16/258.

37 انظر إشكالية التعامل مع السنة النبوية 173.

38 رواه مسلم، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم.