رسائل قرآنية في إصلاح العقل (14)

{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنزلْنَاهُ تَنزيلا} (الإسراء: 106).

يعلّمنا الله في هذه الآية كيف يكون سبيل العلم الذي تنصلح به العقول وتزداد. إنّه ليس العلم الذي يُطرح جُملةً على العقول لتحفظ صوَرَه ورسومَه فيكون حفظُها له علمًا به. بل هو العلم الذي يتمدّد في القلب رويدًا رويدًا، ويرتبط بالوقائع والمشاهَدات والأحداث. والآية تخبرنا أنّ هذا القرآن، وهو أشرف العلوم، قد نزلَ مفرّقًا على الأحداث ليكون أوقعَ في القلوب، وأنّه قُرئ على الناس في تؤدةٍ وترسّل ليكون أرسخ في النفوس، وأنّه نزل شيئا بعد شيء ليضرب بجذوره الراسخة في العقول.

ويعجب المرء كيف غفل الكثير من المسلمين عن هذه الحقيقة فصار تدريس عِلم كامل – وإنْ بمستوى ابتدائي – في مجلس واحد دليلا على الحذق والنباهة! وهو في الواقع لا يعدو أن يكون تباهيًا لا ممارسة حقيقية للعلم. فإنّما يطلب الإنسانُ العلمَ لينصلح به عقلُه، وكيف تنصلح العقول بألفاظ تُكدَّسُ في سويعاتٍ فتحفظها الأذهان دون أن يتمرّس بها الإنسان وتصبح له عادة؟

يقول الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا} (الفرقان: 32). فالعلم لا يثبت في قلب الإنسان إذا نزلَ دفعةً واحدةً، بل يحتاج إلى أن يكون مفرّقًا منجّمًا على الوقائع ليتمثّله القلب ويتدبّره ويرسخ فيه. والترتيل في الآية يحمل معاني التبيين والترسّل والتفسير والتلبّث والتأنّي والتمهّل، هذا ما قاله المفسّرون، وكلها معانٍ تصدر عن غاية واحدة: أن يكون علمُ القرآن نافعًا لقلب الإنسان، ولا يكون هذا بالهذّ والاستعجال في طلب علمه. وروي عن ابن عباس أنّه قال فيها: "اقرأه على هينتك ثلاث آيات أو أربعًا أو خمسًا".

وإذا كان هذا شأنُ علم القرآن فهو ليس خاصًّا به؛ لأنّ الذي أمر نبيّه صلى الله عليه وسلّم بهذا هو خالقُ الإنسان العالمُ بكيفية تحصيله للعلم، فهو الذي سوّاه وأودع في نفسه قواها المدركة والحافظة، وجعلها تكتسب العلم بالتدريج، كما يكتسب الجسم قوّته العضلية على توالي الأيام والشهور بتدرّج الغذاء والتدريب، فقانون العلم في القلب يشبه قانون القوة في الجسم.

وفي صحيح مسلم عن شقيق أنّ عبد الله بن مسعود كان يذكّرهم كل خميس "فقال له رجلٌ: يا أبا عبد الرحمن! إنّا نحبّ حديثك ونشتهيه، ولوددنا أنّك حدّثتنا كلّ يوم. فقال: ما يمنعني أن أحدّثَكم إلا كراهية أنْ أُملَّكم، إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان يتخوَّلنا بالموعظة في الأيام كراهيةَ السآمة علينا". فإذا كان هذا من رجل من خير القرون كابن مسعود، وفوقه من خير البشر وفي أشرف العلوم، فكيف والشأن في علوم أدنى ومن رجال أدنى؟!

وعن أبي عبد الرحمن السُّلَمي كما في مسند أحمد أنّه قال: "حدّثنا من كان يُقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يَقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرَ آياتٍ، فلا يأخذون في العَشر الأخرى حتى يَعلموا ما في هذه من العلم والعمل. قالوا: فعَلِمْنا العلمَ والعمل". فهذا هو منهج أصحاب العقول من خير القرون في التعاطي مع العلم، وهو أنفع الطرق في إصلاح العقل.