رجال ومواقف: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة

(1)

ياسر – أبو جهل

أبو جهل: كيف أنت اليوم يا ياسر؟.. أما تزالُ على عنادك!؟

ياسر: "في صوت ضعيف" الدهرُ هكذا، الدهرُ هكذا..

أبو جهل: اكفر بدِين محمد، وآمِن باللاتِ والعزى؛ نفُكَّ عنك هذه القيود، ونبذل لك ما تحب.

ياسر: "في لهجة متسائلة" تبذلون لي ما أحب!؟

أبو جهل: "مسرِعاً" أجل، نبذل لك ما تحب.

ياسر: فإني أحب أن تدَعوني وما آمنتُ به.

أبو جهل: "غاضباً بصوتٍ عال" أمَا إنك لمأفون، واللات والعزى لأفعلنَّ بك الأفاعيل!..

ياسر: "في صوت هادئ" وما عساكَ تفعلُ بي؟

أبو جهل: "بصوتٍ غاضبٍ عالٍ والكلام يتدفق بسرعة" أضربُك، أسلِّطُ عليك أشدَّ العذاب، أقتلُك.

ياسر: "في صوته الهادئ" تقتلني!؟.. تقتلني!؟

أبو جهل: "غاضباً" أجل أقتلك.. مَن تظن نفسك!؟ إنما أنت غريبٌ شريدٌ جئتنا من اليمن، ونزلتَ في جوارِنا، نحن سادة قريش بني مخزوم.

ياسر: حقاً لقد نزلتُ في جواركم يا بني مخزوم.

أبو جهل: ثم فعلتَ ما فعلتَ، ولم تعرف فضلنا عليك.

ياسر: أمِنَ الفضلِ أن تمنعوني من الإيمانِ بالله ربّاً لا شريكَ له!؟ أمِنَ الفضلِ أن تُكرِهوني على ما لا أرى!؟

أبو جهل: ومتى كان لك ولأمثالك رأيٌ سوى رأيِ أسيادهم!؟

ياسر: ولِمَ!؟ أليسَ لي عقلٌ أميِّزُ به!؟ أليس الناسُ سواسية!؟

أبو جهل: "غاضباً" هكذا يعلِّمكم محمد؟ تبّاً له.. أيريدُ أن يجعلَ الناس سواسية!؟

ياسر: الله عز وجل خلقهم سواسية.

أبو جهل: ويحكَ!.. أمَا يتفاضلون!؟

ياسر: بلى، بالتقوى والعمل الصالح، بذلك وحده يتفاضلون، لا بنسبٍ أو حسَبٍ أو مال.

أبو جهل: "في حقد" أنت وبلالٌ وصهيبٌ تريدون أن تكونوا خيراً منا نحن سادةَ قريش!؟

ياسر: ومَن يمنعكم من الإيمان والتقوى والعمل الصالح!؟

أبو جهل: تريدون مِنا أن نتبع محمداً!؟

ياسر: ذلك خيرٌ لكم في دِينكم ودنياكم.

أبو جهل: "في حقد" لقد أفسدَ علينا محمدٌ هؤلاء الناس، فهم يرَون أنفسهم أحسنَ منا وأكرم.

ياسر: هل كذب محمد صلى الله عليه وسلم مرةً واحدة؟

أبو جهل: لا.. لَمْ نجرِّب عليه كذبةً قط.

ياسر: إذن لِمَ لا تُؤمِنُ به؟

أبو جهل: "في حقد" أنا أبو الحكَم، عمرو بن هشام المخزومي أؤمن به وأتبعه؟ لن يكون ذلك قط.

ياسر: "في صوت خافت" الحسد يأكل قلبك.. والبغيُ يُعمِي بصيرتك، لست والله أبا الحكَم، بل أنت أبو جهل.. كما سمّاك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

أبو جهل: "غاضباً وفي صوتٍ آمر" بماذا كنتَ تحدِّثُ نفسك!؟

ياسر: "في صوت هادئ وقور فيه سخرية" عجباً لكم يا بني مخزوم!.. أتمنعون المرء حتى من الحديثِ مع نفسه؟

أبو جهل: اسمع يا ياسر، لقد احتملناكَ طويلاً، ولَئِنْ لم ترجع عن الإيمان بمحمدٍ فإنك ستندم.

ياسر: "متسائلاً" أندم!؟ بل أنا سعيدٌ أنْ عرفتُ الحقَّ قبل أن أموت.

أبو جهل: ألا ترحمُ نفسك!؟ أمجنونٌ أنت!؟

ياسر: الدهرُ هكذا، الدهرُ هكذا.

أبو جهل: "في صوتٍ حادٍّ سريع" وزوجتكَ أمَا ترحمها!؟ وابنكَ عمّار أمَا ترحمُه!؟

ياسر: ليسا بأعزَّ من أخٍ لي ضاع، فخرجتُ من بلدي في اليمن مع أخوَيَّ مالكٍ والحارث نبحثُ عنه في مكة مُلتَقى الناس، فلما لم نَجِدْهُ بقيتُ في مكة وعادَ أخواي، فكأنني أضعتُ الثلاثة.

أبو جهل: إذن فأنت تريد الموت، ونحن نبذلُ لك الحياة.

ياسر: "في صوت مطمئن سعيد كأنه يناجي نفسه" إنّي شيخٌ فانٍ.. لقد بلغ الركبُ غايته. أتصدُّني عن الظلِّ والماء!؟ أتصدُّني عن جنةٍ عرضها السماواتُ والأرض!؟

أبو جهل: "غاضباً" أيها السفيهُ!.. إنك تقودُ نفسكَ إلى الهلاك.

ياسر: "في صوته الهادئ" بل السفيهُ أنت!.. يمنعك الحسدُ من اتِّباع الحق.

أبو جهل: "غاضباً" أتنعتُني بذلك وأنا أبو الحكَم!؟

ياسر: "في صوته الهادئ" بل أبو جهلٍ كما سمّاك رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم.

أبو جهل: "في حقد" يا ويحَ قريش مِمّا جاء به محمد!..

ياسر: هو الخيرُ كلُّ الخيرِ لو عقلتم. "في صوت حالم كأنه يناجي نفسه" لقد مرَّ بنا صلوات الله عليه ورآنا في تعذيبكم هذا، فقال: "صبراً آلَ ياسر، إنَّ موعِدَكم الجنة". وقد تاقت نفسي والله إلى الجنة.

أبو جهل: "غاضباً مزمجراً" اسكت أيها العبد!..

ياسر: "في صوت هادئ" لستُ عبداً لأحد سوى الله، بل العبيدُ أنتم، أنتم عبيدٌ لشهواتِكم وأهوائِكم، وأنفسِكم الأمَّارةِ بالسوء.

أبو جهل: "غاضباً مزمجراً" اسكت أيها المجنون.

ياسر: بل المجنونُ أنت، أنتَ يا أبا جهل.

أبو جهل: "في حقد وبصوتٍ مرتفع" أبو جهل.. أبو جهل، أتنعتونني أبا جهل!؟ فَلْيَكُن ذلك. "يعلو صوته" شُدُّوا على ياسر يا رجال.. أذيقوه أشدَّ العذاب، لا يَخرُجَنَّ اليومَ من عذابكم وهو حي.

(2)

صوت يروي في هدوء

الراوي: وقضى ياسرٌ شهيداً بأيدي الحاقدين على النور أن يمتدَّ موكبُه ويتقدم، على الفجر أن يَطْلُع، على الربيع أن يوافي، على الماءِ أن يسقيَ العِطاش. لكنّه لا يزالُ حتى اليومِ وإلى أن يَرِثَ الله الأرضَ ومن عليها عطراً يضوع، ونَشْراً يَعبُق، وبطولةً تُهِيبُ بالقاعدين ألّا يخافوا سياطَ الكافرين.

أما أبو جهل فقد سقط صريع أحقاده في يوم بدرٍ بسيوفِ العُصبةِ المؤمنة، وبقِيَتْ ذكراه حتى اليوم وإلى أن يَرِثَ الله الأرضَ ومن عليها عِبرَةً حيّة، وعِظَةً ناطقة، ودرساً بليغاً لِمَصارعِ الطغاة ولَوْ بعد حِين.

*****