جَنَابُ الله تعالى آَمِنٌ

أولًا: بطاقة تعريف

إنَّ جَنَابَ اللهِ آَمِنٌ، لِكُلِّ مَن عَبد اللهَ وآَمَنَ، مَن سارَ فيه أَمَنَّه، وَحَرَسَهُ وَحَصَّنَه، بَلِ السماءُ في خدمته، والأرضُ رهن إشارته، أمَّا من اعتمد على شيءٍ سوى الله، كان هلاكُهُ في نفس ما اعتمدَ عليه وأخزاه؛ ليشق اليقين شغاف قُلوبِنَا أنَّ المَجد فِي الإيمانِ كامنٌ، وأن جَناب اللهِ آَمِنٌ!

ثانيًا: نصوص الوحي تناديك

1- كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بيتًا:

قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41]

العنكبوت: هي تلك الدابة ذات الأرجل الكثيرة الطويلة، والنسيج الأبيض الحريري الملتف حولها..

رسالة الآية:

إن من آوى إلى أعداء الله يَتَعَزَّزُ بِهِم، ويَتَقَوَّى بسلطانهم، كالعنكبوت التي اتخذت بيتًا يقيها من الرَّدَى، فَبَانَ عجزُهُ أن يدفع عنها حرًا ولا بردًا، بل يهتز لنسائم رياحٍ عابرة، أو حشرةٍ طائرة، فزادت بذلك وَهَنًا جليًا، وهذا حال كل من اتخذ من دون الله ناصرًا أو وليًا. [عيسى السعدي / آثار المثل الأعلى (1/37)، الخطيب الشربيني / تفسير السراج المنير (3/131)].!

تحدثت الآية عن وهن بيت العنكبوت لا عن خيوطه، وقد أفاد العلم الحديث أن كل خيط مؤلف من خيوط أربعة كبرى، في كل خيط ألف أخرى، كل واحد منها يخرج من قناة مخصوصة، ثم إن أربعة بلايين خيط لا يبلغ سمكها شعرة إنسان واحدة، فضلًا عن صلابة كل خيط، ما يستطيع به مقاومة الرياح العاتية. انظر: علي بن نايف الشحود / الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن الكريم (1/380)، عبد الكريم الخطيب / التفسير القرآني للقرآن (10/434).

غاص ابن عطاء السكندري في أعماق الآية، فاستخرج منها لؤلؤة نادرة، بثها في هيئة حكمة باهرة؛ بصرةً للمسترشد، وحجةً للمستنجد، وَعِظَةً للمتهور والمتلدد، وإليك نصها:

" مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى شَيءٍ سِوَى اللهِ؛ كَانَ هَلاكُهُ فِي نَفْسِ مَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ "!

فإنْ آَنَسَ مِن أعداء الله قوةً وقدرةً لم يزده الله إلا ضعفًا وعَجزًا، وإِنِ التمس منهم عناية ومالًا، لم يزده الله إلا هَلَكَةً وفقرًا، ثم إن تَكَثَّرَ بهم وتَعَزَّزَ بمجدهم، لم يزده الله إلا قلة وذلًا، بل إن طَلَب نصرتهم، ما جاءته الهزائمُ إلا من جهتهم، فجاءت عقوبتهم بِنَقِيضِ قصدهم، يؤيد هذا قول الله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم:81،82]

فإن قال قائل: لكن ثمةَ فائدةٌ فيمن يستنصر اليوم بالكفار، فيتحصل له منعة من سلاح أو مال!

قلت: إنها ذات الفائدة في بيت العنكبوت، ألا ترى أنه يتصيد الذباب وصغار الحشرات؟! لكنها –والحق- فائدةٌ دَنِيَّة، ومصلحة وهمية؛ ولو أن رضيعًا رَكَلَهُ بقدمه لانْهَار من فوره، وظهر وهنه، ولذا فإن من تَعَزَّزَ بأعداء الله عزَّ وجلّ فقد اتكأ على جُرُفٍ هَارٍ، زاده وهنًا إلى وهنه، وفقرًا إلى فقره، وكان كالذي قَبِلَ بكسرة خبز؛ على أن يتمتع بها وهو على أعواد المشنقة!

نصيحة أخوية:

أبثُّ النصح لكل من مَرَّ بخصومة، وأَدْرَكَ أن الحق يؤازر خصمه، فعليه أن يرجع من فوره، فإن مسه الكِبْر، وراح يَتَسَلَّح بذوي الهيئات والمناصب؛ تَكَثُرًا بهم، وَتَقَوِّيًا بمنزلتهم، فليعلم أن الخذلان غالبًا لن يأتيه إلا من جهتهم، وستذكرون ما أقول لكم!

من فرائد الفوائد

إن القوامة في بيوت العناكب للأنثى، وهي من تصنع بيتها بدليل الآية {اتَّخَذَتْ}، وقد أفاد البحث العلمي أن الأنثى تحكم سطوتها على بيتها، فتقتل الذكر بعد أن يلقحها ثم تأكله، ويحصل أن يهرب فرارًا بجلده، بل إنها تلتهم أولادها عقب الفقس، وإن جاءها زائر قتلته، ثم أكلته!

والمقصود أنها تعيش في بيتها طاغية قاتلة، وقلما سلمت حشرةٌ منها في ليلٍ أو نهار، فتقرر بذلك أنها جعلت من بيتها مسلخًا ومذبحًا، ليتأكد لنا أنها أسوأ ملجأ نأوي إليه، فيا خيبة من جهل المراد، ويا لحسرة من تعزز بغير الله تعالى. [مصطفى محمود / حوار مع صديقي الملحد].

لطيفة

إن بيت العنكبوت بيت أبيض، تَتَّخِذُ مِن نَسيجه مَذبحًا يَفزَعُ منه عالم الحشرات، والقوة التي تفزع عالم الإنسان اليوم هي " البيت الأبيض " الذي يتخذ من الشبكةِ العنكبوتيةِ وسيلًا لنشر سمومه، يترصد بها أعداءه، ويراسل بها عملاءه، فهو كالعنكبوت في مسلخه ومذبحه، فتقرر أن المُتَعَزِّزَ به ذليلٌ هالك، فقيرٌ خائب!

2- ذهب الله بنورهم:

ضرب الله مثلًا للذين نافقوا أنَّ حالهم {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17]

سؤال ذكي:

إن الله ضرب للمنافقين مثالًا ناريًا؛ بدلالة {اسْتَوْقَدَ نَاراً}، فَلِمَ ذَهبَ اللهُ بِنُورِهم والحَديث عن نَارِهم؟!

إجابة تذهل الألباب:

أفاد ابن القيم الجوزية كاشف الأسرار الخفية أن للنار خاصيتين: إشراقٌ وإحراق، فلما اتَّبَعَ المُنَافقون سبيلَ الرَّدَى، واستحبوا العمى على الهدى، أزال الله عن نارهم خاصية الإشراق، وأبقى عليها خاصية الإحراق [ابن القيم / الأمثال في القرآن الكريم ص (10)]..

فضلًا عما هم فيه من خُبثِ السريرة، وعَمَى البصيرة، وَصُمِّ الآذان، وبُكْمِ اللسان، وما ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون!.

وفي الاتجاه المعاكس:

فإنَّ شَيخَ الأنبياء وإمامَ الحُنفاء سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي لمَّا كَادَ بأصنام قومه، تَوعَّدُوهُ وَ {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 68، 69]

رسالة الآيتين:

إن جناب الله آمن، ألا ترى أن الله أزال عن نار إبراهيم إحراقها، وأبقى فيها إشراقها؟!؛ وما ذاك إلا أن إبراهيم كان أُمَّةً، قانتًا لربه، شاكرًا لأنعمه، وكان صِدِّيقًا نبيًا، حنيفًا مسلمًا، قد اتخذه الله خليلًا، بل آتاه رشده من قبل، وكان فضل الله عليه كبيرًا!

وَأُمتع عينيك بقراءةٍ ماتعةٍ عن وريثه من هذه الأمة..

إنه أبو مسلم الخولاني، إمامُ الموحدين في أَرضِ اليمن..

لما تَنَبَّأَ - أي: ادعى النبوة - الأسود العنسي أرسل إلى أبي مسلم الخولاني، فأتاه، فقال له: أتشهد أني رسول الله، قال: ما أسمع!، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، فعذبه كَسرًا لإرادته، وهيهات، فقال للعنسي في ثبات {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا، فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا }[طه: 72]!

فأجج العنسي نارًا هائلة، وجمع الناس لِسَاعةٍ فاصلة، وقال: إني سألقي أبا مسلم في النار، فإن كان مُحِقًّا نجاه الله، وإلا كان خاذله، ثم دعا بمنجنيق، وكادت القلوب أن تنخلع من الضيق، وطار في الفضاء وريث الخليل، يهتف: حسبنا الله ونعم الوكيل!

وبعد ساعات خرج بقدميه الحافيتين يدوس الجمر متبسمًا، قد فكت النار وثاقه ليس إلا، فقيل للعنسي: انفِ هذا عنك، وإلا أفسد أتباعك عليك، فأمره بالرحيل، فقدم المدينة، ودخل المسجد يصلي، فَبَصُرَ به عمر فقام إليه، وقال: ممن الرجل؟ قال: من اليمن، فعرفه عمر رضي الله عنه بفراسته، فقال: ما فعل الذي حرقه الكذاب بالنار؟ قال: ذاك عبد الله بن ثوب! قال: أأنت هو؟!: قال: إنه عبد الله بن ثوب، فقال عمر: ناشدتك الله أنت هو؟!، قال: اللهم نعم، فاعتنقه عمر وبكى، ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين أبي بكر رضي الله عنه وقال: الحمد لله الذي لم يُمِتْنِي حتى أراني في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من صُنِعَ به كما صُنِعَ بإبراهيم الخليل! [الذهبي / ميزان الاعتدال (3/369).].

رسالة القصة:

إن نار الخولاني كَنَارِ إبراهيم النَّبِي، نزع الله منها الإحراق، وأبقى فيها الإضاءة والإشراق، فَجَنابُ اللهِ آمنٌ جدًا، ووالله – يا إخوتاه – لو كَادَتْكم السماوات والأرض؛ ليجعلن الله لكم فرجًا ومخرجًا!

فاشددْ يديْك بحبلِ الِله معتصمًا=فإنه الركنُ إنْ خانتك أركانُ

3- ماء النجاة هو ماء الهلاك:

قال تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 7، 8]

رسالة الآية:

سبقَ العلمُ بِنُبُوَّةِ مُوسى، وهلاكِ فرعون على يديه، فقتل تسعين ألفًا للنجاة منه [تفسير أبي السعود "إرشاد العقل السليم إلى مزايا القران الكريم" (7/4)]، فَسَيَّرَ الله تابوتَ طفل مُنفَرِدٍ عَن أم، إلى امرأة خَالية عن ولد، ولسانُ القدر يهتف قائلًا: لن نُرَبَّيَهُ إلا في دارك [ابن القيم / الفوائد ص (44)]، وَعَلى فِرَاشك، ومن مَالك، ثُمَّ تَنزعه أمه لترضِعَه، بِأَجْرٍ مَاليٍّ أنتَ مَن سَيدْفَعُهُ، بل راح يُسَخِّر جنده لحراسته، وما درى أنه سبب نهايته، وزوال سيادته، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21]

وجاءت النهاية! قال الله عزَّ وجلّ: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [القصص: 40]

رسالة الآية:

جعل الله البحر منامًا هادئًا وملجأً منيعًا، لعبده موسى يوم أن كان طفلًا رضيعًا، ثم جعله لفرعون مآلًا وجيعًا، ارتد فيه صريعًا؛ ثم قضت سنة الله أن يكون ذاتُ الماء وعين المكان نجاة لرضيع في تابوت، دون حراسةٍ أو قوت، ثم هو نفسه هلكة لفرعون الطاغوت، وأتباعه من الكافرين، ولو بلغت عدتهم ملايين!

أغلب الظن أن أتباع فرعون قد يصل عددهم إلى عدة ملايين؛ ذلك أنه لما أعلن في المدائن حاشرين عن قوم موسى أنهم شرذمة قليلون ذكر المفسرون أن عدد القلة كان [670] ألف، فإذا كان هذا العدد الهائل قلة، فهذا يعني أن الكثرة أضعاف هذا العدد، والله أعلم. انظر تفسير الجلالين ص (369) عند تفسير الآية (54) من سورة الشعراء..

4- مادة المُلْكِ هي مادة زواله:

قال تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51]

رسالة الآية:

أعلن فرعون أنه في الأرض إله، كُفْرًا بمولاه، الذي فطره وسواه، فلما طُولِبَ بالدليل، ردَّ المخذولُ بجوابٍ عَلِيل، قائلًا: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} فافتخر بنهرٍ ما أجراه، فأجرى الله الماء من على رأسه وأخزاه، وقد مرت بنا رائعةُ ابن عطاء في كلامٍ ما أحلاه، وما أبهاه:

" مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى شَيءٍ سِوَى اللهِ؛ كَانَ هَلاكُهُ فِي نَفْسِ مَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ "!

وانظر إلى ثمود قوم صالح:

قال الله عزَّ وجلّ عنهم: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} [الأعراف: 74]

وقال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [فصلت: 17]

رسالة الآيتين:

إن ثمود التي أرست قواعد حضارتها بدورٍ وقُصُورٍ وصُخور، لم تمض عليهم إلا أيام أو شُهور، وإذا بالدائرة عليهم تَدور، حتى دمرهم اللهُ بذاتِ الصخور، بعد أن أخذتهم صاعقة العذاب والثُّبُور، حتى لَكَأَنَّ القومَ في هيئة ثَورٍ مَنحُور، بِرَأسٍ مَبتُور، مَخذولٍ مَدحُور، كأعجاز نخل منقعر!