المرأة ... هي أمُّ الرجال وصانعة الأجيال

لا يخفى ما للمرأة من دور رائد في بناء المجتمعات، وهو دور مختلف عن دور الرجل، حيث إن إنه متعلق بالرعاية والحنان، وقد أثبتت العديد من الدراسات أنّ الطفل بحاجة في مراحله العمريّة الأولى إلى الرعاية أكثر من حاجته إلى الأمور الماديّة، فالأم تعتبر المعلم الأول لطفلها، ولها أثر عميق في تنمية وعيه وثقته بنفسه، وتكوين شخصيّته؛ وتنشئته على الفضائل والقيم ومكارم الأخلاق، وبثّ روح الطموح، والسعي نحو النجاح والتفوق.

الأم مدرسة:

رحم الله شاعر النيل حافظ إبراهيم، عندما قال في قصيدته المشهورة:

مَنْ لي بتربية النّساء فإنّها ... في الشّرق علّة ذلك الإخفاق

الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعباً طيب الأعراق

الأم روض إن تعهّده الحيا ... بالرّي أورقَ أيّما إيراق

الأم أستاذ الأساتذة الأولى ... شغلت مآثِرهم مدى الآفاق (1)

وقد أدرك بعض ساسة الغرب أن مفتاح التغيير في أي مجتمع لا بد أن يكون من خلال تغيير موقع المرأة في المجتمع والأسرة، فعملوا على صرفها عن وجهتها ومهمتها الأساسية، وهي تنشئة وتكوين الأجيال، وهذا ما نبّـه عليه شيخ الإسلام مصطفى صبري رحمه الله، فقال: «معلوم أنّ مسألة المرأة لا زالت أعظم المسائل الاجتماعية في الأعصر الحديثة، وأكبر ما تفترق به الحضارة الغربية عن حضارة الإسلام» (2).

وفي تاريخنا الإسلامي الكثير من الأمثلة المشرّفة والمشرقة الدالة على تحمّل المرأة مسؤولياتها التربوية، ونهوضها بواجباتها تجاه أبنائها وأسرتها، والقصص الشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى، ولكني أسوق – على سبيل الذكر لا على سبيل الحصر- خبر عالمين كبيرين مشهورين؛ كان للمرأة أثر كبير في نجاحهما وتكوينهما في سنّ مبكرة، هما أبو الوليد الباجي، وابن حزم الأندلسي.

أبو الوليد الباجي:

أما أبو الوليد الباجي: فهو ذو الوزارتين، القاضي، الإمام، سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب، من باجة الأندلس، صاحب التصانيف المشهورة، المتكلم، الفقيه، الأديب، الشاعر، الذي رحل إلى المشرق، وسمع بمكة، وبالعراق، ورجع إلى الأندلس، فروى ودرس وألف، وكان جليلاً، رفيع القدر والخطر، روى عنه أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الخطيب الحافظ، توفي بالمرية من بلاد الأندلس في سنة (474 هـ) أربع وسبعين أو نحوها، وقبره هناك يزار، وذكر المقري أن أبا الوليد الباجي تولى القضاء في حلب نحو عام، وذلك في طريق عودته إلى الأندلس(3).

يقول أبو الوليد الباجي: كان أبي من تجار القيروان من باجة القيروان، وكان يختلف إلى الأندلس، ويجلس إلى فقيه بها، يقال له أبو بكر بن شماخ، وتعجبه طريقته، فكان يقول: تُرى أرى لي ابناً مثلك، فلما أكثر من ذلك القول، قال له ابن شماخ: إن أحببت أن ترزق ابناً مثلي فاسكن بقرطبة، والزم أبا بكر، محمد بن عبد الله القبري، واخطب إليه ابنته، فإن أنكحكها، فعسى أن ترزق مثلي، فقدم قرطبة، ولزم أبا بكر القبري سنة، وأظهر له الصلاح، فأعجب بطريقته، ثم خطب إليه ابنته بعد سنة، فزوجه بها، فجاءه من الولد أبو الوليد، وابن آخر صار صاحب الصلاة بسرقسطة، وابن ثالث كان من أدلّ الناس ببلاد العدو (4).

ابن حزم الأندلسي

وأما ابن حزم الأندلسي، علي بن أحمد (ت: 456 هـ)؛ فقد تعلم من النساء القرآن الكريم، والقراءة والكتابة، والشعر، وظل في رعايتهن حتى مرحلة البلوغ، فقال: «... ولقد شاهدت النساء، وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري، لأني ربّيت في حجورهن، ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالست الرجال، إلا وأنا في حدّ الشباب، وحين تبقّل وجهي (تبقّل وجه الغلام = خرج شعره)؛ وهن علمتني القرآن، وروينني كثيراً من الأشعار، ودربنني في الخط، ولم يكن وكْـدي (الوكد = السعي والجهد) وإعمال ذهني، مذ أول فهمي وأنا في سن الطفولة جداً إلا تعرّف أسبابهن، والبحث عن أخبارهن، وتحصيل ذلك، وأنا لا أنسى شيئاً مما أراه منهن» (5).

 

1 - أنشد هذه القصيدة في حفلة أقيمت ببورسعيد لإعانة مدرسة البنات، ونشرت في مجلة المقتبس: لمحمد كُرد علي، سنة 1910 (47/63) وفي مجلة المنار: لمحمد رشيد رضا، سنة 1910(13/371) وفي ديوان حافظ إبراهيم (1/279) ط. العودة. وانظر ترجمة حافظ إبراهيم في الأعلام للزركلي (6/76).

2 - قولي في المرأة ومقارنته بأقوال مقلدة الغرب: الشيخ مصطفى صبري (ص: 5) المطبعة السلفية 1354 هـ = 1935.

3 - نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب: للمقري التلمساني، دار صادر بيروت (2/ 67).

4 - تاريخ دمشق: لابن عساكر (22/226) بتحقق علي شيري.

والقَـبْري: نسبة إلى مدينة قبرة. قال ياقوت: قبرة بلفظ تأنيث القبر، أظنها عجمية رومية، وهي: كورة من أعمال الأندلس تتصل بأعمال قرطبة من قبليها. قال عنه القاضي عياض في ترتيب المدارك: أبو بكر، محمد بن موهب التجيبي الحصار، المعروف بالقبري، قرطبي مشهور، وهو جد القاضي أبو الوليد الباجي، كان من العلماء الزهّاد الفضلاء ... كان القاضي ابن ذكوان يقدمه على فقهاء وقته وعلى نفسه، ويرغب دعاءه ... وغلب عليه الكلام والجدل على نصرة مذهب أهل السنّة، والتواليف في ذلك، إلا أنه كان يخل بعلمه عدم معرفته اللسان ... وكان شديد الورع والزهد، مجتنباً للسلطان، اشترى يوماً تيناً، فلما عده عليه بايعه، أقبل يثني له عليه، أنه يشرب من ناعورة السلطان، فترك التين عنده ودفع إليه ثمنه، وقال لبائعه: أمسكه الى أن أقضي حاجة، فإن أبطأت عليك فتصدق به ومضى لسبيله.

5 - طوق الحمامة: لابن حزم الأندلسي، المؤسسة العربية، بتحقيق إحسان عباس (ص: 166).