الثلاثاء 4 صفر 1439 - 24 أكتوبر 2017

الأسوة الحسنة

الأحد 17 محرم 1439 - 8 أكتوبر 2017 65 العلامة: عبد الرحيم فودة
الأسوة الحسنة

معنى الأُسوة: القدوة، وما يتعزى به، والمثَل الذي يحاكيه الإنسان ويحاول أن يكون قريباً منه.

وأصل القدوة: والقِدو (بكسر القاف) الأصل الذي تتشعب منه فروع، وهو قريب من معنى الأسوة، لأن المثل الذي يحتذى ويقتدى به أصل يقاس عليه غيره وتتفرع عنه الأشباه والنظائر.

ولا شك أن محمداً صلى الله عليه وسلم أرفع نموذج بشري، وأعظم إنسان تتمثل فيه الفضائل الإنسانية، ثم هو صلى الله عليه وسلم كما شاء الله تعالى المثل الأعلى في كل ما عرف الناس من مكارم الأخلاق. بل هو أفضل الخلق على الإطلاق، ولهذا أمرنا الله تعالى أن نتأسى به في أقوله وأعماله حيث قال:[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا] {الأحزاب:21}. فإن معناه أو بعض ما يفهم من معناه أنه – وهو رسول الله إلى الناس جميعاً – قد جعل الله حياته بحيث يجد فيها كل ناظر إليها أمثل منهج، وأقوم طريق، وأكرم خلق، وأعظم مثال، فمن كان يرجو عون الله تعالى ونصره وخيره ورضاه في الدنيا، ومغفرته ونعميه في الآخرة فالطريق إلى ذلك هو أن يقتدي به صلى الله عليه وسلم ويتبعه في كل ما شرعه بقوله وفعله وتقريره، فإن هذا هو السبيل إلى حب الله تعالى وما ينشأ عن حبه جل شأنه من خير وفلاح ونجاح، كما يفهم من قوله تعالى:[قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الكَافِرِينَ] {آل عمران:31-32}، فقد بيَّن سبحانه أن اتباعه صلى الله عليه وسلم هو الوسيلة إلى حبه ومغفرته ورحمته، والرحمة في جانب الله تعالى تفسر بما ينشأ عنها من النعم، كما قرن طاعته بطاعته لأن طاعته صلى الله عليه وسلم كما يقول الله تعالى:[مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ] {النساء:80}. ثم ذكر أن الإعراض عن طاعته واتباعه صلى الله عليه وسلم كفر كما يشير إلى ذلك قوله تعالى:[ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الكَافِرِينَ] {آل عمران:32}، ومن ثَمَّ نلمح مكانته عليه السلام فنجدها كما يقول البوصيري رحمه الله تعالى.

كيف ترقى رقيَّك الأنبياء=يا سماء ما طاولتها سماء

وكما يفهم من قول الله جل شأنه :[وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ] {آل عمران:81}.

فإن ذلك يدل على أن الأنبياء قبله آمنوا به قبل أن يشرِّف الوجود بمولده صلى الله عليه وسلم، وأوصوا أممهم بالإيمان به:[ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] {الأعراف:157}.

وقد جمع الله تعالى فيه ما تفرَّق من الفضائل في الأنبياء قبله، وأكمل فيه هذه الفضائل، فكان وكانوا بالنسبة إليه كما قيل.

وكل آي أتى الرسل الكرام=بها فإنما اتصلت من نوره بهم 

هذا إلى أن حياته صلى الله عليه وسلم اتَّسعت لكل ألوان النشاط في الحياة بحيث يجد فيها الأسوة الحسنة المؤمنون المجاهدون، والدعاة الهداة، والقادة العسكريون، والتجار الأمناء...الخ.

وقد عمل صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في حفر الخندق وبناء المسجد، وكان بينهم صلى الله عليه وسلم يكره أن يتميَّز عليهم وإن كان صلى الله عليه وسلم أفضل من أقلَّته هذه الأرض وأظَّلته هذه السماء، فالأسوة الحسنة فيه تطل على كل مؤمن يعمل لدنياه وآخرته في كل مجال من مجالات العمل، وفي كل لون من ألوان النشاط المشروع، لأن الله تعالى شاء أن يكون صورة حيَّة ناطقة بكل ما بعثه به إلى الناس من قيم فاضلة، وأخلاق عُليا، ومُثل كريمة، وهذا ما أشارت إليه عائشة رضي الله عنها حين قالت:(كان خُلقه القرآن)، فالقرآن بتوجيه الله تعالى فيه:[ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] {الإسراء:9} والنبي صلى الله عليه وسلم بسيرته وقوله وعمله كما يقول الله تعالى فيه:[ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] {الشُّورى:52} وقد اجتمع الأمران فيما يفهم من قوله الله تعالى:[ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] {المائدة:15-16}.

وقد سمَّى الله تعالى القرآن روحاً ونوراً وقرن هديه صلى الله عليه وسلم بهدي القرآن حيث قال تعالى:[وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] {الشُّورى:52}.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: مجلة الأزهر، السنة السابعة والأربعون، ذو القعدة 1395 - الجزء 9

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا