الثلاثاء 23 ذو القعدة 1441 - 14 يوليو 2020

حكم محاولة فصل الدين عن الدولة للعلامة الكوثري رحمه الله

رقم الفتوى : 610 الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 1220

نص الاستشارة أو الفتوى:

ما حكم شرع الله في مسلم يطالب حكومته في بلد إسلامي عريق في الإسلام بإبعاد النص على أن (دين الدولة الرسمي هو الإسلام) عن دستور تلك الحكومة، إحلالاً للأحكام الوضعية اللادينية محل أحكام شرع الله؟ ويسألني عن حكم الشرع الأَغَرِّ في مسلم يكون سببًا لاستفحال ذلك الشرِّ بسكوته عن تأييد الحق في هذه الكارثة، وفي هذا الخطر الداهم؟

نص الجواب:

العلامة شيخ الاسلام محمد زاهد الكوثري رحمه الله يجيب حُكْمُ مُحَاوَلَةِ فَصْلِ الدِّينِ عَنِ الدَّوْلَة


.......................................
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد، فقد ورد من بعض العلماء الأفاضل في حلب الشهباء استفتاء يسألني فيه عن حكم شرع الله في مسلم يطالب حكومته في بلد إسلامي عريق في الإسلام بإبعاد النص على أن (دين الدولة الرسمي هو الإسلام) عن دستور تلك الحكومة، إحلالاً للأحكام الوضعية اللادينية محل أحكام شرع الله؟ ويسألني عن حكم الشرع الأَغَرِّ في مسلم يكون سببًا لاستفحال ذلك الشرِّ بسكوته عن تأييد الحق في هذه الكارثة، وفي هذا الخطر الداهم؟

فأقول مستعينا بالله جلت قدرته: إن هذه هي أدعى الدواهي وأعظم المصائب، يذوب لهولها قلب كلِّ مؤمن صادق الإيمان، ولا سيّما في مثل بلاد الشام التي لها ماض مجيد في خدمة الإسلام، فالمسلم إذا طالب بمثل ذلك في سلامة عقله يجري عليه حكم الردة في بلد يكون فيه الإسلام نافذ الأحكام، وفي غيره يُهجر هذا المطالب هجرا كليًا فلا يكلم ولا يعامل في أمر أصلاً حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت ويتوب وينيب.

وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن دين الإسلام جامع لمصلحتي الدنيا والآخرة، ولأحكامهما دلالة واضحة لا ارتياب فيها، فتكون محاولة فصل الدين من الدولة كفرا صارخًا منابذا لإعلاء كلمة الله، وعداءً موجها إلى الدين الإسلامي في صميمه، ويكون هذا الطلب من هذا المطالب إقرار منه بالانبتار والانفصال فيلزمه بإقراره، فنعده عضوًا مبتورًا من جسم جماعة المسلمين وشخصًا منفصلاً عن عقيدة الإسلام، فلا تصح مناكحته ولا تحل ذبيحته لأنه ليس من المسلمين ولا من أهل الكتاب.

وقد عدَّ الصديق الأكبر رضي الله عنه الذين حاولوا إبعاد حكم جباية الزكاة عن الأحكام التي تنفذها الحكومة في سبيل الارتداد، حتى عاملهم معاملة المرتدين من سبي وقتل، وأجمعت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على موافقته بعد أن توقف بعضهم؛ بعض توقف؛ ثم شرح الله صدره لما شرح له صدر أبي بكر رضي الله عنه، قال الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما * فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما}، فيكون من لا يرضى بقضاء الإسلام خارج عن عقيدة الإسلام منفصلاً عن جماعة المسلمين.

وقال جل جلاله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عمّا تعملون} فيكون الكفر ببعض الكتاب كفرًا بالجميع ناقلا عن الملة نعوذ بالله من الحَوْرِ بعد الكَوْر، وقال علي كرم الله وجهه: «ما ترك الناس شيئا من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه».

وأما الساكت من أهل الشأن عن تأييد الحق في مثل تلك الكارثة فإنما هو شيطان أخرس ورد لأهل الردة.

وَتَعَلُّل بعضهم في ذلك بحقوق الأقليات من أهل الكتاب، يدلُّ على مبلغ جهل هذا المتعلل بالحقوق التي منحها الإسلام لذوي العهد الأوفياء بعهودهم، وأي دستور أرعى لحقوق الأقليات الدينية والعنصرية من الشرع الأغر القائل:
«دعوهم وما يدينون»، و«لهم مالنا وعليهم ما علينا» -ما لم يخونوا العهد- وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من آذى ذميًا فأنا حجيجه يوم القيامة».

وقد سجل التاريخ بحروف من الذهب أنباء تفيد مبلغ تمتع أهل الذمة بالعدل الباهر في حكم الإسلام في عهد الدول الكبيرة الإسلامية فضلا عن عهد الدويلات الإسلامية الصغيرة، وقد وعى الواعون أن كبار المحامين من نواب أهل الكتاب في البرلمان العثماني كانوا صاحوا بلسان واحد قائلين:
(إنا نرضى بأحكام الإسلام في ذوي العهد بكل ارتياح، ولكن لا نرضى بما يحاول الحزب القائم أن يفرضه علينا من عنده)، كما يظهر من محاضر الجلسات الأول للبرلمان المذكور عند مذاكرة حقوق الأقليات في أوائل إعلان الدستور العثماني، وكانت جلسة فقهية صاخبة.

والوازع الشرعي كان يوقف الحكام عند حدود العدل في الدول الإسلامية، وتخطي بعض المتغلبة تلك الحدود في بعض الأزمان شذوذ شخصي لا يوصم به إلا ذلك الشاذ فلا يبنى عليه حكم عام، فمتى ساد الإسلام فقد ساد العدل في الأحكام، من غير أن يلحق بأحد أي ضيم، وتكون الرعايا كلها سواسية في نيل العدل، من غير فرق بين المسلم وغيره في باب العدل، فلا يكون مصدر تلك المطالبة إلا إلحادا في النفس منطويا على نبذ الأديان كلها.

وما كنا نسمع مثل تلك النعرة قديما حينما كانت الخلافة قائمة فيكون مبدأ هذا الفساد المتسرب إلى الجماعة زوال الخلافة من الوجود من غير اهتمام بإحيائها من جديد، مع أنها أقدم شرع شرعه الله للمجتمع البشري من غير أن يطرأ عليها النسخ في زمن من الأزمان، حتى استمرت الخلافة قائمة مدى الدهور، إلى أن أزالتها من الوجود يد أثيمة استخفت الأقوام فأطاعوها، إلى أن أصبحت بعض الدويلات الإسلامية تتسابق في خَطْبِ وُدِّ جِياعِ المستعمرين، مترسمين لخطاهم في الحكم من غير تعزز ولا تقزز غير حاسبين حساب العزة الإسلامية، فشمل الذل والإلحاد.

مع أن المُحتَّم عليهم أن يجمعوا كلمتهم ويلموا شَعَثَهُمْ لتكون لهم خلافة رشيدة تجمع قواهم وتستعيد مجدهم في عزة وكرامة، قال الله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} وقد علم الملائكة من ذكر الخليفة أن البشر يكون فيهم من يتخطى حدود الله حتى يولى عليهم خليفة يكبح جماحهم وينفذ فيهم حكم الله، وشأن الخليفة هو تنفيذ أحكام الله، قال الله تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق}، وقال تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين}، فدل هذا وذاك على أن الخليفة هو: المشرف الشرعي على تقويم الأود وتوزيع العدل، فلا يكون النسب المجرد كافيا في ولاية العهد بدون القدرة على إقامة العدل وإزالة الظلم.

واشتراط أبي حنيفة إذن أمير المؤمنين في صحة صلاة الجمعة -على توارث العمل بذلك- مستند إلى سياسة شرعية عادلة، وهي تأثيم الأمة إذا مضت عليهم مدة جمعة من غير بيعة لخليفة يتولى الأمر بعد وفاة خليفة، حذرًا من سيادة الفوضى واستفحال الفتن عندما يخلو مقام الخلافة عمن يتولى بجدارة تنقذ الموقف، فإذا لم يبادروا إلى ذلك يجد كل ناعق من يتابعه فينخرم النظام ويعم الخلل ويشمل الذل فيهلك الحرث والنسل.

وهذا ما عندي من الجواب، والله أعلم بالصواب.
كتبه: محمد زاهد الكوثري
وكيل المشيخة الإسلامية في الدولة العثمانية سابقًا
في 8 من رجب الفرد سنة 1369 هـ

اقرأ ايضا

م العنوان الزيارات تاريخ الإضافة
609 حكم استيفاء الحقوق من الأعداء بعد إعطائهم الأمان 950 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
510 زيارة المسجد الأقصى والقدس بتأشيرة إسرائيلية 883 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
38 حديث إذا التقى المسلمان بسيفيهما 4167 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880
578 من هي السلطة المخولة بإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام الشرعية؟ 970 الجمعة 15 ربيع الأول 658864 - 23 أبريل 639880