الجمعة 17 شعبان 1441 - 10 أبريل 2020

الجنائز حافلة والناس يختلفون حول مَن فيها 

الأربعاء 19 جمادى الأولى 1441 - 15 يناير 2020 160 عبد الله عيسى السلامة
الجنائز حافلة والناس يختلفون حول مَن فيها 

إنها سنّة ، من سنن المجتمعات البشرية ، منذ تكوّن المجتمع البشري ، على ظهر الأرض !

الموت حَتمٌ على البشر، جميعاً ، وهو قدر الناس ، جميعاً ! لكن الناس يختلفون ، حول نظرتهم إلى الميت ، حسب قربهم منه ، وبعدهم عنه .. وحسب تأثيره في كلّ منهم ، حين كان حيّاً .. وتأثير موته ، على كلّ منهم ، بعد أن فارق الحياة !

ولن نتحدّث ، هنا ، عن رؤية بعض الأحياء ، للكيفية التي سيموتون بها ، وقد أدركهم الموت .. ولا عن الكيفية ، التي يرغب بعض الأحياء ، بالموت يها ! بل ، سنتحدّث ، عن كيفية تعامل بعض الأحياء ، مع موت بعض مَن يحبّون ، أو يُجلّون ويحترمون !

التعامل مع الموت ، في الشعر!

رثى أحدهم قيسَ بن عاصم المنقري ، فقال :

وما كان قيسٌ ، هُلكُه هُلكُ= واحدٍ ولكنّه بُنيانُ قومٍ تهدّما !

وقالت الخنساء ، في رثاء أخيها صخر:

ولولا كثرةُ الباكين حوليْ=على إخوانهم ، لقتلتُ نفسي

وما يَبكون مِثلَ أخي ، ولكنْ=أعَزّي النفسَ عنه ، بالتأسّي

ووصفَ الشاعر أبوتمّام ، موتَ القائد العسكري ، محمد بن حُمَيد الطوسي ، قائلاً :

غَدا غدوةً ، والحمد نسجُ ردائهِ=فلمْ ينصرفُ ، إلاّ وأكفانُه الأجرُ!

ورثى أحد هم ، رجلاً فاضلاً ، قتله أحد الأمراء وصلبه ، فقال قصيدة ، منها هذه الأبيات :

علوٌّ في الحياة ، وفي المَماتِ=لحَقٌّ تلكَ إحدى المُعجزاتِ !

كأنّ الناسَ حولك ، حينَ قاموا=وفودُ نَداكَ ، أيّامَ الصِلاتِ

كأنّكَ واقفٌ فيهمْ ، خَطيباً=وكلّهُمُ وقوفٌ للصَلاةِ

وقد قيل ، إن الأمير، الذي قتله وصلبه ، تمنّى أن لو كان مكانه ، ليُرثى بالقصيدة، التي رُثي بها!

وقد مات أحد الزعماء المجرمين ، في العصر الحديث ، فحزن عليه أنصاره ، حزناً شديداً ، وشمت به بعض الناس ، الذين ظلمهم ، وسمع أكثر الناس خبرَ موته ، دون اكتراث ! وقال أحد الظرفاء، متمثّلاً بقول الشاعر، الذي رثى حماراً له ، قائلاً :

ثَوى المِصَكُّ ، الذي قد كنتُ آملُهُ=ذخراً، وخُيّبَ فيه ذلك الأملُ !

تعامُل الناس ، عامّة ، مع الموت ، ومواقفهم المختلفة ، من الموتى ، وحالات الموت :

قد يختلف بعض الأضداد ، حول ميت ، اختلافَ آكلَي الجَدي المطبوخ ؛ إذ قال أحدهما للآخر: مالك تسرع ، في نهش لحم الجدي ، كأنّ أمّه نَطحتك ! فردّ عليه ، قائلاً : وأنت ، مالك تُشفق عليه ، كأنّ أمّه أرضعتك !

من الطبيعي ، أن يتفجّع أهل الميت ، على فقده ؛ إذ تترمّل الزوجة ، ويَتيتم الأبناء ، ويحزن الآباء والأمّهات والإخوة .. ومن الطبيعي ، ألاّ يكترث أكثر الناس ، لموت شخص بعيد عنهم.. ومن الطبيعي ، أن يتأثّر بعض الناس ، سلباً أو إيجاباً ، بوفاة شخص ما ، بحسب كرههم ، أو مودّتهم له .. لكن الغريب ، هو أن تتفجّع أسَرٌ، لاتربطها بالميت صلة قرابة ، وحين تُسأل ، عن السبب ، تكشف سرّاً مكتوماً ، لايعرفه أحد من الناس ، وهو أن الميت ، كان يرعاها مالياً ، وينفق عليها ، سرّاً ، بصورة لا يعلمها إلاّ الله ! وحين مات ، فقدت هذه الأسر المستورة ، أهمّ معين لها ، بين البشر!

قال أحدهم ، متحدّثاً عن موت الفضلاء :

لعمرُك ، ماالرزيّة فُقد مالٍ=ولا شاةٌ تموتُ ، ولا بَعيرُ

ولكنّ الرزيّة فقد حُرٍّ=يَموتُ ، بموته ، خَلقٌ كثيرُ!

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا