الأربعاء 15 رجب 1440 - 20 مارس 2019

فقه السيرة (40)أهم الأحداث التي وقعت بين غزوتي بدر وأحد

الاثنين 5 رجب 1440 - 11 مارس 2019 60 عمر جبه جي
فقه السيرة (40)أهم الأحداث التي وقعت بين غزوتي بدر وأحد

في أعقاب غزوة بدر أخذت الهيبة العسكرية للمسلمين مداها الكبير في دائرة واسعة في الجزيرة العربية، وأحس ضعفاء المشركين بالخطر وشعر أقوياؤهم بغلبة الإسلام، وبدأت النفوس تتطلع إلى الإيمان؛ فتوسعت دائرة الدخول في الإسلام، ورأى الكثيرون أن يدخلوا في الإسلام نفاقًا أو خديعة، وبهذا كله أصبحت الدولة الجديدة أمام أوضاع جديدة من المكر والتآلب والتحالفات، ولكن تأييد الله تعالى ثم جهاز أمن الدولة المتيقظ أفشل مخططات أعداء الإسلام. 

الغزوات التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بدر وقبل أحد.

1- ماء الكدر في بني سليم: غزا النبي صلى الله عليه وسلم بعد سبع ليالٍ من عودته إلى المدينة من غزوة بدر، وبلغ ماء الكدر في ديار بني سليم الذين قصدهم بغزوته هذه، غير أنه لم يلق حربًا فأقام ثلاث ليالٍ على الماء ثم رجع إلى المدينة. كان سبب تلك الغزوة تجمع أفراد بني سليم لمقاتلة المسلمين والاعتداء عليهم بعد معركة بدر مباشرة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجأهم بهجومٍ سريعٍ غير متوقع، فهرب بنو سليم وتفرقوا على رؤوس الجبال، وبقيت إبلهم مع راعٍ لها يدعى يسارًا، فاستاق رسول الله صلى الله عليه وسلم الإبل مع راعيها، وعند موضع صرار، على ثلاثة أميال من المدينة، قسم النبي صلى الله عليه وسلم الإبل التي كان عددها خمسمائة بعير على أصحابه، فأصاب الواحد منهم بعيرين، ونال النبي صلى الله عليه وسلم خمسها، وكان يسار من نصيبه، ولكنه أعتقه بعد ذلك. 

2- غزوة السويق: قدم أبو سفيان بمائتي فرس من مكة، وسلك طريق النجدية حتى نزلوا حي بني النضير ليلا، واستقبلهم سلام بن مشكم سيد بني النضير، فأطعمهم وسقاهم وكشف لهم عن أسرار المسلمين، وتدارس معهم إحدى الطرق لإيقاع الأذى بالمسلمين، ثم قام أبو سفيان بمهاجمة ناحية العُريض -وادٍ بالمدينة في طرف حرة واقم- فقتل رجلين وأحرق نخلاً وفر عائدًا إلى مكة، فتعقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائتي رجل من المهاجرين والأنصار، ولكنه لم يتمكن من إدراكهم؛ لأن أبا سفيان ورجاله قد جدوا في الهرب، وجعلوا يتخففون من أثقالهم ويلقون السويق التي كان يحملونها لغذائهم، وكان المسلمون يمرون بهذه الجرب فيأخذونها، حتى رجعوا بسويق كثير، لذا سميت هذه الغزوة بغزوة السويق، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن غاب عنها خمسة أيام دون أن يلقى حربا. 

3- غزوة ذي أمر: جاءت الأخبار من قِبَل رجال الاستخبارات الإسلامية تفيد بأن رجال قبيلتي ثعلبة ومحارب تجمعوا بذي أمر بقيادة دُعثور بن الحارث المحاربي، يريدون حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإغارة على المدينة، فاستعمل النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة عثمان بن عفان وخرج في أربعمائة وخمسين من المسلمين بين راكب وراجل، فأصابوا رجلا بذي القصة يقال له جبار من بني ثعلبة، كان يحمل أخبارًا عن قومه أسرَّ بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد دخل في الإسلام وانضم إلى بلال ليتفقه في الدين، أما المشركون من بني ثعلبة ومحارب ما لبثوا أن فروا إلى رؤوس الجبال عند سماعهم بمسير المسلمين، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في نجد مدة تقارب الشهر دون أن يلقى كيدًا من أحد وعاد بعدها إلى المدينة. 

وفي هذه الغزوة أسلم دعثور بن الحارث الذي كان سيدًا مطاعًا بعد أن حدثت له معجزة على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أصاب المسلمين في هذه الغزوة مطرٌ كثيرٌ فابتلت ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل تحت شجرة ونشر ثيابه لتجف، واستطاع دُعثور أن ينفرد برسول الله بسيفه، فقال: يا محمد من يمنعك مني اليوم؟ قال: «الله»، ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من يمنعك مني» قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعًا أبدًا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فلما رجع إلى أصحابه فقالوا: ويلك، ما لك؟ فقال: نظرت إلى رجل طويل فدفع صدري فوقعت لظهري فعرفت أنه ملك، وشهدت أن محمدًا رسول الله، والله لا أكثر عليه جمعًا، وجعل يدعو قومه إلى الإسلام، ونزل في ذلك قول الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )[المائدة:11].

4- غزوة بحران: كانت هذه الغزوة في شهر جمادى الأولى من السنة الثالثة للهجرة، وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة من المسلمين حتى بلغ بحران بين مكة والمدينة يريد قتال بني سليم فوجدهم قد تفرقوا، فانصرف عنهم، وعاد إلى المدينة بعد أن أمضى خارجها عشر ليالٍ. 

5– سرية زيد بن حارثة إلى القُردة: أصبح مشركو مكة بعد هزيمتهم في بدر يبحثون عن طريق أخرى لتجارتهم للشام، فأشار بعضهم إلى طريق نجد العراق، وقد سلكوها بالفعل، وخرج منهم تجار، فيهم أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى، ومعهم فضة وبضائع كثيرة، بما قيمته مائة ألف درهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة أحد أفراد جهاز الأمن الإسلامي يدعى سليط بن النعمان ، فبعث صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في مائة راكب لاعتراض القافلة، فلقيها زيد عند ماء يقال له القردة، وهو ماء من مياه نجد، ففر رجالها مذعورين، وأصاب المسلمون العير وما عليها، وأسروا دليلها فرات بن حيان الذي أسلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وعادوا إلى المدينة، فخمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووزع الباقي بين أفراد السرية. 

ونلحظ في هذه الغزوات قدرة القيادة الإسلامية على رصد تحركات العدو، ومعرفة قوته، وخططه، ومدده لكي تحطم هذه التجمعات المناوئة للدولة الإسلامية الفتية قبل أن يستفحل أمر هذه القبائل، وتصبح خطرًا على المدينة. 

وهذه الغزوات في هذه الصحراء المترامية الأطراف كانت دورات تدريبية تربوية للصحابة الكرام، وسعدت سرايا الصحابة بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم لها، فقد كانت تلك الدورات العملية التدريبية القتالية التربوية مستمرة، وتمتد من خمسة أيام إلى شهر، تتم فيها الحياة الجماعية، ويتربى جنود الإسلام على السمع والطاعة، والتدريب المتقن ويكتسبون خبرات جديدة تساعدهم على تحطيم الباطل وتقوية الحق. 

لقد كان المنهاج النبوي الكريم يهتم بتربية الصحابة في ميادين النزال، ولا يغفل عن المسجد ودوره في صقل النفوس، وتنوير العقول، وتهذيب الأخلاق من خلال وجود المربي العظيم صلى الله عليه وسلم الذي أصبحت تعاليمه تشع في أوساط المجتمع من خلال القدوة والعبادة الخاشعة لله عز وجل، فالمنهاج النبوي الكريم جمع بين الدورات المسجدية، التربوية، والدورات العسكرية التربوية المكثفة لكي يقوى المجتمع الجديد، وترص صفوفه، ويكسب الخبرات لكي تقوم بنشر الإسلام في الآفاق. 

غزوة بني قينقاع 

لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وادعته يهود كلها، وكتب بينه وبينهم أماناً، وشرط عليهم شروطاً، فكان فيما شرط ألا يظاهروا عليه عدواً، فلما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بدر وقدم المدينة، بغت يهود وقطعت ما كان بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد، فأرسل رسول الله صلى الله علبه وسلم فجمعهم ثم قال::

يا معشر يهود، أسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أني رسول الله، قبل أن يوقع الله بكم مثل وقعة قريش، فقالوا: يا محمد لا يغرّنك من لقيت، إنك قهرت قوماً أغماراً وإنا والله أصحاب الحرب، ولئن قاتلتنا لتعلمنّ أنك لم تقاتل مثلنا. 

وهكذا بدأت الأزمة تتفاعل إذ لم يكن في جوابهم ما يشير إلى الالتزام والاحترام، بل على العكس فإنهم قد أظهروا روحًا عدائيًا، وتحديًا واستعلاء واستعدادًا للقتال، فأنزل الله سبحانه وتعالى فيهم قوله تعالى: ( قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ  قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصَارِ ) [آل عمران: 12، 13]. 

وقعت غزوة بني قَينُقاع 15 شوال سنة 2 هـ بعد شهر من غزوة بدر الكبرى

أنشأ المسلمون سوقاً تجاريةً في المدينة تميزت بالعدل والمساواة ومنع الربا وأعطت التجار تسهيلات كبيرة فلا خراج عليها ، مما أدى إلى تحول الناس عن سوق بني قينقاع التجاري إلى سوق المسلمين

كان رجال بني قينقاع يعملون بالصياغة والتجارة وكان في سوقهم محال لبيع المصاغ، قدمت امرأةٌ مسلمة إلى السوق فجلست عند صائغ في حُليّ لها، فجاء رجلٌ من يهود بني قينقاع فجلس من ورائها ولا تشعر، فجمع درعها إلى ظهرها بشوكة، فلما قامت المرأة بدت عورتها فضحكوا منها، فقام إليه رجل من المسلمين فاتبعه فقتله، فاجتمعت بنو قينقاع على الرجل فقتلوه، ونبذوا العهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتحصنوا في حصنهم، فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم 

وكان الذي حمل لواء المسلمين يومئذ حمزة بن عبد المطلب ، واستخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر العمري واسمه بشير وحين سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نبذ إليهم العهد كما أمره الله تعالى في قوله: ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ) [الأنفال: 58]. 

وحين علم اليهود بمقدمه صلى الله عليه وسلم تحصنوا في حصونهم، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة، واستمر الحصار حتى قذف الله في قلوبهم الرعب واضطروا للنزول على حكمه صلى الله عليه وسلم فقد فاجأهم صلى الله عليه وسلم بأسلوب الحصار، فأربكهم وأوقعهم في حيرة من أمرهم بعد أن قطع عنهم كل مدد وجمد حركتهم، فعاشوا في سجن مما جعلهم في النهاية ييأسون من المقاومة والصبر، فبعد أن كانوا يهددون رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأنهم قوم يختلفون بأسًا وشدة عن مشركي قريش، إذا بهم يضطرون للنزول على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهم فربطوا فكانوا يكتفون أكتافًا، واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي الأوسي. 

لم يقتصر هذا الحدث على فعل يهود بني قينقاع وإنما شارك فيه رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول ولم يكن قد مضى على إظهار إسلامه أسابيع قليلة، وكان له حلفٌ مع بني قينقاع، إذ وقف في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم فيهم فتركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتم إجلاؤهم إلى أذرعات.

وكان ابن سلول قد أمرهم أن يتحصنوا وزعم أنه سيدخل معهم فخذلهم ولم يدخل معهم، ولزموا حصنهم، ويوم نزلوا على صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حاول ابن سلول أن يحل حلفاءه من وثاقهم، فعندما مر عليهم قال: حلوهم فقال المنذر: أتحلون قومًا ربطهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله لا يحلهم رجل إلا ضربت عنقه فاضطر عبد الله بن أبي ابن سلول أن يتراجع عن أمره ويلجأ إلى استصدار الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم بفك أسرهم.

فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أحسن في موالي -وكانوا حلفاء الخزرج- قال: فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا محمد: أحسن في موالي، قال: فأعرض عنه، فأدخل ابن أبي يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرسلني»، وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللاً ثم قال: «ويحك أرسلني» قال: لا والله، لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمئة حاسر، وثلاثمئة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة؟ إني والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هم لك». 

فخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهم ثم أمر بإجلائهم، وغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ما كان لديهم من مال، وقد تولى جمع أموالهم وإحصاءها محمد بن مسلمة ، وحاول ابن أبي ابن سلول أن يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم في يهود بني قينقاع لكي يقرهم في ديارهم، فوجد على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم عويم بن ساعدة الأنصاري الأوسي، فرده عويم، وقال: لا تدخل حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، فدفعه ابن أبي، فغلظ عليه عويم حتى جحش وجه ابن أبي الجدار فسال الدم. 

ويظهر في هذا الخبر فقه النبي صلى الله عليه وسلم السياسي في تعامله مع ابن سلول حيث لبى طلبه، فلعل هذا الموقف يغسل قلبه، ويزيل الغشاوة عنه فتتم هدايته، فقال له: هم لك، ولعل الذين يسيرون وراء زعامة ابن أبي يصلحون بصلاحه فيتماسك الصف، ويلتحم فلا يتأثر من كيد أعداء الإسلام. 

وهناك بُعد آخر حيث حرص صلى الله عليه وسلم أن يتفادى حدوث فتنة في مجتمع المؤمنين، حيث إن بعض الأنصار حديثو عهد بالإسلام، ويخشى أن يؤثر فيهم رأس المنافقين عبد الله بن أبي لسمعته الكبيرة فيهم ولذلك سلك صلى الله عليه وسلم معه أسلوب المداراة والصبر عليه وعلى إساءته تجنبا للفتنة وإظهارًا لحقيقة الرجل من خلال تصرفاته ومواقفه عند من يجهلها، ومن ثم يفر الناس من حوله ولا يتعاطفون معه، وقد حقق هذا الأسلوب نجاحًا باهرًا، فقد ظهرت حقيقة ابن سلول لجميع الناس حتى أقرب الناس إليه ومنهم ولده عبد الله، فكانوا بعدها إذا تكلم أسكتوه، وتضايقوا من كلامه بل أرادوا قتله كما سيأتي بإذن الله تعالى. 

تبرؤ عبادة بن الصامت منهم.

لما نقضت العهد بنو قينقاع وكان عبادة بن الصامت أحد بني عوف -لهم من حلف بني قينقاع مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي- مشى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخلعهم إليه، وتبرأ إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم. 

ولما تقرر جلاء بني قينقاع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت أن يجليهم، فجعلت بنو قينقاع تقول: يا أبا الوليد من بين الأوس والخزرج -ونحن مواليك- فعلت هذا بنا؟ قال لهم عبادة: لما حاربتم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني أبرأ إليك منهم ومن حلفهم، وكان ابن أبي وعبادة بن الصامت منهم بمنزلة واحدة في الحلف فقال عبد الله بن أبي: تبرأت من حلف مواليك؟ ما هذا بيدهم عندك، فذكره مواطن قد أبلوا فيها، فقال عبادة: يا أبا الحباب، تغيرت القلوب، ومحا الإسلام العهود، أما والله إنك لمعصم بأمر سنرى غيَّه غدًا، فقالت بنو قينقاع: يا محمد، إن لنا دينًا في الناس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعجلوا وضعوا» وأخذهم عبادة بالرحيل والإجلاء، وطلبوا التنفس، فقال لهم: ولا ساعة من نهار لكم ثلاث لا أزيد عليها هذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كنت أنا ما نفستكم، فلما مضت ثلاث، خرج في آثارهم حتى سلكوا إلى الشام وهو يقول: الشرف الأبعد الأقصى فالأقصى، وبلغ خلف الذباب ثم رجع ولحقوا بأذرعات. 

وهكذا خرج بنو قينقاع من المدينة صاغرين قد ألقوا سلاحهم وتركوا أموالهم غنيمة للمسلمين، وهم كانوا من أشجع يهود المدينة، وأشدهم بأسًا، وأكثرهم عددًا وعدة؛ ولذلك لاذت القبائل اليهودية بالصمت والهدوء فترة من الزمن بعد هذا العقاب الرادع، وسيطر الرعب على قلوبهم وخضدت شوكتهم. 

الآيات التي نزلت في موالاة ابن سلول لليهود وبراءة عبادة بن الصامت منهم.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ  وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ  وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) [المائدة: 51-56]. 

تصفية المحرضين على الدولة الإسلامية.

إن خطر المحرضين على الفتنة لا يقل عن خطر الذين يشهرون السيوف لقتال المسلمين، إذ لولا هؤلاء المحرضين لما قامت الفتنة، لذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبع هؤلاء المحرضين ويقتلهم إطفاء لنار الفتنة، وتمكينًا للحق، وقد قتل منهم خلقًا بعد موقعة بدر أشهرهم: 

مقتل كعب بن الأشرف.

ينتسب كعب بن الأشرف إلى بني نبهان من قبيلة طئ، كان أبوه قد أصاب دمًا في الجاهلية فقدم المدينة وحالف يهود بني النضير، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعب وكان شاعرًا، ناصب الإسلام، وقد غاظه انتصار المسلمين على قريش في معركة بدر، فسافر إلى مكة يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويحرض قريش على الثأر لقتلاهم الذين كان ينوح عليهم ويبكيهم في شعره، ويدعو إلى القضاء على الرسول والمسلمين ، واستمر كعب بن الأشرف في أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء وتشجيع قريش لمحاربة المسلمين، واستغوائهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو سفيان: أناشدك الله، أديننا أحبُّ إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ قال: أنتم أهدى منهم سبيلاً ثم خرج مقبلاً قد أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم معلنًا بعداوته وهجائه. ولما قدم المدينة أعلن معاداة النبي صلى الله عليه وسلم وشرع في هجائه، وبلغت به الوقاحة والصلف أن يمتد لسانه إلى نساء المسلمين، وشبب بأم الفضل بنت الحارث -رضي الله عنها- زوجة العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث حسانًا للتصدي لكعب بن الأشرف، فكان صلى الله عليه وسلم يعلم حسانًا أين نزل ابن الأشرف في مكة؟ فعندما نزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضميرة السهمي وزوجته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص فأبلغ صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت بذلك فهجاهم لإيوائهم ابن الأشرف، فلما بلغ عاتكة بنت أسيد هجاء حسان نبذت رحل اليهودي كعب بن الأشرف وقالت لزوجها: ما لنا ولهذا اليهودي؟ ألا ترى ما يصنع بنا حسان؟ وتحول كعب إلى أناس آخرين، وكان كلما تحول إلى قوم آخرين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسانًا وأخبره أين نزل ابن الأشرف فيهجو من نزل عندهم فيطردونه، وظل يلاحقه حتى لفظه كل بيت هناك فعاد إلى المدينة راغمًا بعد أن ضاقت في وجهه السبل ينتظر مصيره المحتوم وجزاءه الذي يستحقه. 

لقد قام اليهودي ابن الأشرف بجرائم كثيرة، وخيانات عديدة وإساءات متعددة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين والمسلمات القانتات العابدات، وكل جريمة من هذه الجرائم تعد نقضًا للعهد تستوجب عقوبة القتل، فكيف إذا اجتمعت هذه الجرائم كلها في هذا اليهودي الشرير؟ 

إن ابن الأشرف بهجائه للنبي صلى الله عليه وسلم وإظهاره التعاطف مع أعداء المسلمين ورثاء قتلاهم وتحريضهم على المسلمين يكون قد نقض العهد وصار محاربًا مهدور الدم، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وقد فصل البخاري خبر مقتله، فقد روى في صحيحه بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله» فقام محمد بن مسلمة، فقال: يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: «نعم». قال: فأذن لي أن أقول شيئًا. قال: «قل». فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا، وإني قد أتيتك أستسلفك قال: وأيضا والله لتملنه قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين. فقال: أرهنوني. قالوا: أي شيء تريد؟ قال: ارهنوني نساءكم. قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا؟ فيُسب أحدهم فيقال: رُهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا، ولكن نرهنك اللأمة، قال سفيان: يعني السلاح.

فواعده أن يأتيه، فجاء ليلاً ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟

فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة. قالت: أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم. قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة. وجاء محمد بن مسلمة برجلين، وقال: إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فاضربوه فنزل منهم متوشحًا وهو يَنْفَح منه ريح الطيب. فقال: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم فشمه، ثم أشمَّ أصحابه. ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم فلما استمكن منه قال: دونكم فقتلوه، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه.

وجاء في السيرة النبوية لابن هشام أن محمد بن مسلمة مكث ثلاثة أيام بعد أن استعد لقتل كعب بن الأشرف لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق به نفسه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه، فقال له: «لم تركت الطعام والشراب»؟ فقال: يا رسول الله، قلت لك قولا لا أدري هل أفينَّ لك به أم لا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما عليك الجهد». فقال: لا بد لنا من أن نقول. قال: «قولوا ما بدا لكم».

* يؤخذ من طريقة تنفيذ حكم الرسول صلى الله عليه وسلم باليهودي ابن الأشرف أن الحكم قد تقتضي المصلحة العامة للمسلمين أن ينفذ سرًّا، ويتأكد هذا إن كان يترتب على تنفيذه بغير هذه الصورة السرية فتنة أو خطر قد يكلف المسلمين ثمنًا باهظًا. وقد بينت هذه الصورة على أن مواجهة الكفار أعداء الإسلام ومحاربي الدولة الإسلامية لا تقتصر على مواجهتهم في ميدان المعارك، وإنما تتعدى ذلك إلى كل عمل تحصل به النكاية بالأعداء، ما لم يكن إثمًا، وقد يوفر القضاء على رجل له دوره البارز في حرب المسلمين جهودا كبيرة وخسائر فادحة يتكبدها المسلمون. 

وهذا مشروط بالأمن من الفتنة، وذلك بأن يكون للمسلمين شوكة، وقوة ودولة، بحيث لا يترتب على نوعية هذا العمل فتك بالمسلمين، واجتثاث الدعاة من بلدانهم، وإفساد في مجتمعاتهم. 

* وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «قولوا ما بدا لكم» فقه نبوي كريم، فقد قالوا كلامًا هو في الأحوال العادية كفر، ومن هنا تعرف أنه من أجل تحقيق المهام العسكرية فلا حدود للكلام الذي يقال، ولكن تأتي هنا مسألة أخرى وهي ما إذا كان النجاح في المهام العسكرية يقتضي أفعالا لا تجوز أو يقتضي ترك فرائض فما العمل؟ المعروف أنه ليس هناك من الذنوب أعظم من الكفر والشرك، فإذا جاز التظاهر بالكفر لذلك فمن باب أولى جواز غيره، على أن يتأكد طريقًا للوصول إلى الهدف أو يغلب الظن على ذلك، وعلى أن يقتصر فيه على الحد الذي لا بد منه، سواء كانت الوسيلة تأخير فريضة أو ارتكاب محظور، على أن هذا وهذا مقيدان بالفتوى فهناك محظورات لا يصح فعلها بحال كالزنا واللواط. 

* هناك بعض القضايا تحتاج لأهل الفتوى المؤهلين لأن يفتوا فيها، خصوصًا في الظروف الاستثنائية والحالات الاضطرارية وفي المحاكمات السياسية والعسكرية لأنها تحتاج إلى الموازنات والفتاوى الاستثنائية التي لا يستطيعها كل إنسان، فالأحكام الأصلية ليست مجهولة، وإنما الأحكام الاستثنائية التي تقتضيها الظروف الاستثنائية تحتاج إلى علماء ربانيين، وفقهاء راسخين لهم القدرة على فهم مقاصد الشريعة، وواقعهم الذي يعيشون فيه. 

انتشر خبر مقتل ابن الأشرف في المدينة، فأسرع أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكون ويحتجون على ما فعله أصحابه، فلم يحفل النبي صلى الله عليه وسلم بهم، بل أكد مقتله الذي كان نتيجةً حتميةً لموقفه المعادي، وقد أوقعت هذه الحادثة الرعب في نفوس اليهود جميعهم، فلم يعد أحد من عظمائهم يجرؤ على الخروج من حصنه، كما لم يعد أحد يهود المدينة إلا ويخاف على نفسه من المسلمين. 

واضطر اليهود لتجديد المعاهدة، ومن الجدير بالذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ بني النضير بجريرة كعب بن الأشرف، واكتفى بقتله جزاء غدره وجدد المعاهدة معهم.

ومن الفقه النبوي في معاملة اليهود، نستفيد أن العلاج الأمثل لليهود هو زجرهم وقتل أهل الفتن فيهم ومطاردتهم؛ لأنهم أهل شرور لا يتخلصون منها ولا يتوقفون عنها. 

بعض المناسبات الاجتماعية

أ- زواج النبي صلى الله عليه وسلم بحفصة بنت عمر: قال عمر رضي الله عنه: حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي في المدينة، فقال عمر: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة بنت عمر، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر الصديق فلم يرجع إلي شيئًا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان. فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليَّ حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا؟ قال عمر: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليَّ، إلا أني كنت علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسول الله قبلتها. 

ب- زواج علي رضي الله عنه بفاطمة رضي الله عنها: قال علي بن أبي طالب: خُطبت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت مولاة لي: هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لا، قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزوجك، فقلت: وعندي شيء أتزوج به؟ فقالت: إنك إن جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجك. 

قال: فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أن قعدت بين يديه أفحمت، فوالله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما جاء بك؟ ألك حاجة؟» فسكت، فقال: «لعلك جئت تخطب فاطمة؟». فقلت: نعم. فقال: «وهل عندك من شيء تستحلها به؟». فقلت: لا والله يا رسول الله. فقال: «ما فعلت درع سلحتكها؟ فوالذي نفس علي بيده إنها لخطمية ما قيمتها أربعة دراهم». فقلت: عندي. فقال: «قد زوجتكها فابعث إليها بها فاستحلها بها» فإنها كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميل وقربة ووسادة أدم حشوها إذخر. 

وهكذا كانت حياتهم في غاية البساطة بعيدة عن التعقيد وهي إلى شظف العيش أقرب منها إلى رغده وهذه القصة تصور لنا حال السيدة فاطمة من التعب وموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم منها عندما طلبت منه أن يعطيها خادمًا من السبي، فقد جاء في مسند الإمام أحمد: (قال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوت حتى لقد اشتكيت صدري، قال: وجاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه فقالت: أنا والله قد طحنت حتى مجلت يدي. فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما جاء بك أي بنية؟» قالت: جئت لأسلم عليك واستحيت أن تسأله ورجعت، فقال: ما فعلتِ؟ قال: استحييت أن أسأله، فأتينا جميعًا، فقال علي: يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: قد طحنت حتى مجلت يداي وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم» فرجعا فأتاهما النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رؤوسهما تكشفت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما تكشفت رؤوسهما، فثارا، فقال: «مكانكما» ثم قال: «ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟» قالا: بلى، فقال: «كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام» فقال: «تسبحان في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبران عشرًا، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثًا وثلاثين واحمدا ثلاثًا وثلاثين وكبرًا أربعا وثلاثين». 

وهكذا كان الهدي النبوي في تربية أهل بيته وأقربائه لقد أخفقت مساعي السيدة فاطمة وعلي رضي الله عنهما للحصول على خادم؛ لأن السبي يريد عليه الصلاة والسلام أن يبيعه، وينفق ثمنه على أهل الصفة الذي يتلوون من الجوع، فهم أيضًا من خاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل علي وفاطمة، والطعام مقدم على الخدمة

ولقد تأثر علي رضي الله عنه بهذه التربية النبوية، ويمر الزمن بالفتى علي فيصبح خليفة المسلمين، فإذا به من آثار هذه التربية يترفع عن الدنيا وزخارفها وبيده كنوز الأرض وخيراتها؛ لأن ذكر الله يملأ قلبه ويغمر وجوده، ولقد حافظ على وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم له وقد حدثنا عن ذلك فقال: فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن فسأله أحد الصحابة ولا ليلة صفين فقال: ولا ليلة صفين، وكان كما وصفه ضرار بن ضمرة في مجلس معاوية: (.... يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب...). 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات