الأربعاء 24 شوال 1440 - 26 يونيو 2019

دروس سريعة من السيرة النبوية الرفيعة

الأحد 29 ربيع الثاني 1440 - 6 يناير 2019 361 ياسر مصطفى يوسف
دروس سريعة من السيرة النبوية الرفيعة

قيل قديماً : البلاغة إيجاز ، بمعنى أن أعلى الكلام ما كان موجزاً مختصراً معتصراً، بعيداً عن الإسهاب قصياً عن الإطناب ، قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما لصحار العبدي : ما الإيجاز ؟ قال : يا أمير المؤمنين أن تجيب فلا تبطئ وتقول فلا تخطئ، قال معاوية : أو كذلك تقول يا صحار ؟ قال صحار : أقلني يا أمير المؤمنين ... لا تخطئ ولا تبطئ. 

وإنما فضلت العرب الإيجاز لأنه أيسر إحاطة به، وأثبت حفظاً في القلب، وأبلغ تأثيراً في النفس، وأدوم للرواية، وأبقى على الدهر، وأسهل للتداول بين الأجيال ... تجد صدق هذا الأمر في كتب الأدب والرقائق والتاريخ والسير .

وأنت اليوم أيها المسلم أثبت الخطب في نفسك، وأرسخها معلومات في ذهنك ما اشتمل منها على حكمة موجزة وفكرة سريعة ... بل أفضل الخطباء من كانت خطبته قصيرة... موجزة... محكمة ... قال عليه الصلاة والسلام : إن طول صلاة الرجل قصر خطبته مِئَنَّةٌ ( علامة ) من فقهه، فإذا كان ذا إيجاز حفظ كلامه، وصيد مرامه، وكان فقيهاً حكيماً، على ما قالوا : خير الكلام ما قَلَّ ودَلَّ ... ومن كان حديثه كهذا طُلِبَ وقُصِدَ وابتغي، نحو ما قال الشاعر: 

وحديثها السحر الحلال لو انه *** لم يجن قتل المسلم المتحرز

إن طال لم يملل وإن هي أوجزت *** ود المحدث انها لم توجز 

على أية حال .. إني متحفك اليوم أيها القارئ ببعض من الكلام الموجز ... لكنه المؤثر ... لكنه البليغ... لكنه النازل في أعماق النفس ... بكلام لا تحتاج معه إلى شرح ولا تعبير ... ولا تفصيل ولا تشجير ...تسمعه فتكتفي به ... وتطالعه فتغتذي منه ... لأنه وجبة سريعة لكنها صحية ... ولقمة سائغة ما عليك إلا أن تقبل عليها وتأخذ بها وتهضمها دون عناء. 

أُولاها أن رجلاً أعرابياً دخل على الصحابة رضوان الله عليهم وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أيكم محمد؟؟ ... 

انتهى الدرس ... درس التواضع ...

فقط .. هكذا ؟؟ 

أيكم محمد ؟؟؟

درس سريع يغني عن محاضرات في التواضع ...

درس لا تحتاج معه إلى تعريف مسهب أو بيان مطنب ...

درس سريع في التواضع؛ لأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن كآحاد الملوك ذا عرش كبير، أو فراش وثير، أوتاج وحرير ... 

ما جر أثواب الحرير ولا مشى *** بالتاج من فوق الجبين مرصعاً

جاءت له الدنيا فأعرض زاهداً *** يبغي من الأخرى المكان الأرفعا 

درس آخر : 

سأل جماعة رجلاً عالماً فقالوا له : صف لنا نعيم الجنة ، وتوقعوا منه أن يقول لهم : فيها أنهار وثمار ... وفواكه وأشجار ... وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون .... ، انتظروا منه أن يقول : فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ.. لكنه قال: فيها رسول الله ... فأي نعيم أعظم من هذا؟!!

بشراك يا قلبي بصحبة أحمــــــــــد *** هذا النعيم هو المقيم إلى الأبـــــد 

أصبحت في كنف الحبيب ومن يكن *** جار الحبيب فعيشه العيش الرغد

درس ثالث: 

لما عاد قافلاً من الطائف ... محزوناً أسيفاً على ردهم دعوته ورفضهم رسالته ... ولم يكتفوا بذلك بل سلطوا عليه سفهاءهم فشجوا وجهه وأدموا عقبه الشريف بالحجارة ... 

وتلقى الحجارة عنه زيد *** إن روحي لنعل زيد فداء

هناك أرسل الله إليه جبريل وملك الجبال فعرضا عليه أن يطبقا على أهل مكة الأخشبين كِفاء كفرهم وجهودهم ، فقال : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ...

انتهى الدرس ...

درس العفو ...

درس المسامحة ... 

درس القلب الكبير ...

درس النفس العالية ...

وإذا كانت النفوس كباراً *** تعبت في مرادها الأجسام 

لم يقل : عليك بهم يا جبريل ... ما قدروني حق قدري ... وما عرفوا لي منزلتي ...بل قال : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ... مساكين ... مغفلون ... جاهلون ... ومن جهل شيئاً عاداه ... والمرء عدو ما جهل ... بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ... 

الشافعي رضي الله عنه يقول : العلم جهل عند أهل الجهل ، كما أن الجهل جهل عند أهل العلم ، ويقول :

ومنزلة الفقيه من السفيه *** كمنزلة السفيه من الفقيه

فهذا زاهد في قرب هذا *** وهذا فيه أزهد منه فيه

فهؤلاء يرثى لهم ... ويدعى لهم لا عليهم . 

درس رابع : 

عنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ، قَالَ : " شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , الْجُوعَ وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَنْ بَطْنِهِ عَنْ حَجَرَيْنِ ". 

انتهى الدرس ...

درس الصبر ...

صبر القدوة ...

صبر الأسوة ...

مبادرة العظيم إلى فعل المعالي قبل غيره ...

مسارعة الرئيس إلى ما يأمر به وما ينهى عنه قبل المرؤوس ...

هذا الدرس يغني عن كثير من الشعارات البراقة والإبر المخدرة والأدوية المبنجة ... لم يقل لهم : اصبروا ... لم يقل: تحملوا ... بل كشف عن بطنه الشريفة وأرسل رسالة صامتة ... لكنها بليغة ... عميقة ... 

أَنصَفَت أَهلَ الفَقرِ مِن أَهلِ الغِنى فَالكُلُّ في حَقِّ الحَياةِ سَواءُ

فَلَوَ اَنَّ إِنساناً تَخَيَّـــــــــــــــرَ مِلَّةً ما اِختارَ إِلّا دينَكَ الفُقَـراءُ

اللهم انفع بهذه الدروس ... كل رئيس ومرؤوس.

شاركنا بتعليق



  • إبراهيم مصطفى يةسف

    تاريخ اليوم الأحد : 6 / يناير / 2019 الوقت الأن 12:39

    ماشاء الله... موقع ممتاز وغني بالمعلومات والدروس المفيدة زادكم الله علما ونفعنا بكم

اقرأ ايضا