الجمعة 11 شعبان 1439 - 27 أبريل 2018

الأمِّيَّة من خصوصياته ودلائل نبوته صلى الله عليه وسلم (2)

الثلاثاء 24 رجب 1439 - 10 أبريل 2018 101 محمد رجب حميدو
الأمِّيَّة من خصوصياته ودلائل نبوته صلى الله عليه وسلم (2)

 

عن جعفر بن محمد الصوفي قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام فقلت: يا ابن رسول الله لم سمي النبي صلى الله عليه وآله الأمي ؟ فقال: ما تقول الناس ؟ قلت : يزعمون أنه إنما سمي الأمي لأنه لم يحسن أن يكتب ، فقال عليه السلام : كذبوا عليهم لعنة الله، أنى ذلك والله يقول في محكم كتابه : " هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة " فكيف كان يعلمهم ما لا يحسن ؟ والله لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقرأ ويكتب باثنين وسبعين، أو قال : بثلاثة وسبعين لسانا، وإنما سمي الأمي لأنه كان من أهل مكة، ومكة من امهات القرى، وذلك قول الله عز وجل: " لتنذر ام القرى ومن حولها " بحار الانوار المرجع الشيعي

تكلمنا في الحلقة الأولى من هذا الموضوع عن الشبهات التي أثيرت حول أميته صلى الله عليه وسلم ، وعلمنا أن بعضها أثير بقصد الإساءة له صلى الله عليه وسلم ، وبعضها الآخر كان بسبب قياس (حال النبي على حال البشر العاديين في أنَّ ما كان كمالا لهم ينبغي أن يكون كمالا له صلى الله عليه وسلم ) وهو قياس مع الفارق لا يُعتدُّ به ، فالشعرُ مثلا : ملكةٌ لغوية يفاخرُ بها العرب ، وقد نفى الله أن يكون رسولُه شاعراً فقال تعالى { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ (69) يس } ونفى أن يكون القرآن الذي يتلوه قولَ شاعر { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) الحاقة } وعلَّةُ هذا النفي أنَّ الشِّعرَ أعذبُهُ أكذبُهُ ، ولا يستقيمُ بحالٍ أن ينشأ محمد صلى الله عليه وسلم في قومه شاعراً ، ومن عادة الشعراء أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون، لهذا نزه الله نبيَّه عن الشِّعر تكريماً له . ولو بدأ حياته صلى الله عليه وسلم شاعراً ، حتى إذا بلغ أربعين سنة ، قال : إني نبيٌّ . ففي هذه الحال سوف يُساءُ فهمُه ، ويصعُبُ على الناس تصديقُهُ . لذلك مَنَعَهُ الله من مَلَكَةِ الشِّعر ، ليُعوّضه عنه بكلامٍ مُعجزٍ لا يتأتى لأهل الأرض مجتمعين أن يأتوا بمثله .

وكما مُنِعَ صلى الله عليه وسلم من (قول الشِّعر) مُنِعَ كذلك من (القراءة والكتابة) ، ليدفع الله بذلك عن نبيِّه قالة السوء ، ويسدَّ على خصومه كلَّ ذريعةٍ إلى التشكيك في صدق دعوته صلى الله عليه وسلم . وما مَنَعَ الله عز وجل نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا عوَّضه خيرا منه وأبقى . لهذا سنتكلم في هذه الحلقة وهي الثانية عن دلائل إثبات أُمّيته صلى الله عليه وسلم من النقل والعقل، وإليكم البيان :

(1) : نصوصُ الكتاب والسنة دالَّةٌ على أنه صلى الله عليه وسلم أميٌّ من أمة أمية :

( أ ) : قال صلى الله عليه وسلم : من حديث ابن عمر [ نحن أمة أُمّيةٌ لا نكتبُ ولا نَحسُبُ الشهر هكذا وهكذا وَهكذا وعقد الإبهام في الثالثة ، والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين يوما ] متفق عليه .. ولو لم يكن في إثبات الأمِّية له صلى الله عليه وسلم وتفسيرها إلا قوله: ( إنّا أمةٌ أُمّيةٌ لا نكتُبُ ولا نحسُبُ) لكفى ، فالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقا . 

(ب) : وقال تعالى: { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ (157) الأعراف } قال ابن جرير الطبري في تفسيره : عَنْ قَتَادَةَ [ لما نزل قَوْلُهُ ( عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) قَالَ إِبْلِيسُ : أَنَا مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) مَعَاصِيَ اللَّهِ ( وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) فَتَمَّنَتْهَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ شَرْطًا وَثِيقًا بَيِّنًا ، فَقَالَ : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ) .. فَهُوَ نَبِيُّكُمْ كَانَ أُمِّيًّا لاَ يَكْتُبُ صلى الله عليه وسلم ] . 

قال الزمخشري في الكشاف [(الأميُّ) منسوبٌ إلى أمّة العرب، لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون من بين الأمم . وقيل : بدأت الكتابة بالطائف ، أخذوها من أهل الحيرة ، وأهل الحيرة من أهل الأنبار. ومعنى (بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ) أي : بعث رجلا أُمّياً في قوم أُمّيّين ، كقوله تعالى (لقد جاءكُمْ رسولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) انتهى كلام الزمخشري

(2) : ( الأمّيةُ ) وصف ملازم له صلى الله عليه وسلم ولأمّته منذ القدم : 

أ - فأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فمنذ نزول التوراة والإنجيل ، وهو موصوف بــ ( الأميِّ ) ، بدليل قوله تعالى { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ(157) الأعراف } ففي هذه الآية الكريمة إخبار بأنه نبينا صلى الله عليه وسلم مذكور في كتب أهل الكتاب بــ (النبي الأميّ ) . وعلى هذا يمكن أن تكون كلمة ( أُميين ) منسوبة إلى ( أميٍّ ) وأنها أطلقت على العرب ؛ لكونهم منسوبين إلى هذا النبيٍّ ( الأميّ ) ؛ الذي أُرسل إليهم من أنفسهم صلى الله عليه وسلم . على غرار إطلاق كلمة (مسيحيين) على أتباع المسيح عليه السلام . ..

ب – وأما أُمّتُهُ صلى الله عليه وسلم فقد ورد في التوراة تسمية غير اليهود بــ ( الأُمَم ) جمعُ ( أُمَّــة ) لأن اليهود منذ ذلك الحين كانوا في غالبيتهم يحسنون القراءة والكتابة . خلافا لبقية الأمم التي كانت في غالبيتها لا تقرأ ولا تكتب .

وعلى هذا تكون كلمة ( أُمّيّين ) تعني ( أُمَميّين ) . ومعلومٌ من حيث اللغةُ أنه لا يُنْسَبُ إلى الجمع إلا بعد ردِّهِ إلى مُفرده .. فتكون كلمةُ ( أُمِّـيّ) نسبةً إلى ( أُمّة ) مفرد ( أُمَم ) .. وهذا قول ثانٍ ؛ في نسبة ( الأمِّيين ) . 

وسواء أكانت ( أميين ) منسوبة إلى ( أُمّي ) أم إلى ( أُمَم ) فإنها تعني من لا يُحسنون القراءة ولا الكتابة . وهذا ما جعل يهودَ يُطلقون على جيرانهم من عَرَبِ الحجاز كلمة ( أُمّيّين ) ، وقد حكى القرآنُ الكريم هذا على لسانهم بقوله تعالى { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)آل عمران}

(3) : أسلوب العطف في القرآن يدُلُّ على أن الأميين هم عربُ الحجاز: 

قال تعالى { وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) آل عمران } فقد عطف النصُّ القرآنـيُّ (أهلَ الكتاب) على (الأمّيين) والعطفُ يقتضي المغايرة ، وعدولُ النصِّ القرآنـيِّ عن القول ( وقل لليهود والمشركين أأسلمتم ) إلى القول (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ) يفيد أن المقابلة كانت بين ( قومٍ ( أهلِ كتاب يحسنون القراءة والكتابة ) وبين قومٍ ( لا يُحسنون ذلك ) وهم (عربُ الحجاز الأمّيُّون ) . 

وسواء أكان (الأمّيُّون) منسوبين إلى ( الأُمّي ) أو إلى ( الأُمَم ) ، ففي نهاية المطاف إن كلمة ( الأُمّية ) تعني : عدم المعرفة بالقراءة والكتابة ..

(4) : الحكمة في كونه صلى الله عليه وسلم أمّيا وكون أمّته أمّية .؟ 

من سنة الله تعالى مع أنبيائه تأييدُهم بالخوارق تصديقاً لهم في دعواهم ، فأيَّد إبراهيم بجعل النار عليه بردا وسلاما ، وأيَّد موسى بعصا تنقلب ثعبانا يبتلع حبال السحرة وعصيهم ، ويضرب بها البحر فينفلق الماء فرقين ، كل فرق كالطود العظيم . وأيَّد عيسى بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله تعالى . فكانت تلك الخوارقُ معجزاتٍ حسيةً آنيَّة ، كافيةً لأن يؤمن عليها أهل زمانهم .. ثم بَعَثَ الله محمداً صلى الله عليه وسلم فأيَّدَهُ بمثل ما أيَّدَ به إخوانَهُ بمعجزات حسية ، مما آمن عليه أهلُ زمانه صلى الله عليه وسلم كمعجزات الإسراء والمعراج ، وشقّ القمر ، ونبعِ الماء من بين أصابعه الشريفة ، وتكثيرِ طعام جابر رضي الله عنه يوم الخندق ، وحنينِ الجذع حين تحول عنه النبي إلى المنبر حتى سمعه كلُّ أهل المسجد . إلى غير ذلك من معجزات حسية .. 

ولكنْ لما كانت الإرادة الإلهية تقضي بأن يكون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ، وأن تكون دعوته عامة للإنس والجن إلى قيام الساعة ؛ زاده الله تعالى على تلك الخوارق الحسية الآنية ؛ بـــ ( قرآنٍ مُعجزٍ تكفَّل له بحفظه وبقائه ) فكان القرآنُ معجزةً دائمةً باقيةً خالدة ، تشهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة ، في كل زمان ومكان ، وقد تحدَّى الله تعالى به الإنس والجن على يأتوا بمثله فعجزوا ، وسيستمر عجزهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، جاء في صحيح البخاري [ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلاَّ أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ] 

ولما بُعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم أُمّياً في أُمّة أُمّية ، كان لا بد له صلى الله عليه وسلم من حفظ كتاب ربه ، فتكفل الله له بجمعه في صدره ، فكان سيَّد الحفاظ ، ثم ندب أصحابه إلى حفظ كتاب ربهم ، فحفظوه ، ومما ساعدهم على حفظه كونُه ميسراً للذكر (أولا) ، وأُمّيةُ العرب (ثانيا) ، لأن ملكة الحفظ تنشط وتقوى لدى الأُمّيين ، أكثرَ منها في غيرهم . وهذا ما جعل حفظَ القرآن الكريم في الصدور إحدى خصوصيات أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأبرزَ سماتها بين الأمم ، فما حَفِظَتْ أمةٌ كتابَ ربها كما حفظتْهُ هذه الأمة المحمدية ، ولا أدلَّ على ذلك من أن حفاظ القرآن اليوم في العالم لا يعدون بالألوف بل بالملايين .. 

روى الطبراني بسنده إلى قتادة بن دعامة السدوسي حديثا عن موسى عليه السلام يناجي فيه ربه ، فكان مما جاء فيه ، قال قتادة :[ قَالَ موسى : رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الأَلْوَاحِ أُمَّةً أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ يَقْرؤُونَهَا - وَكَانَ مَنْ قَبْلَنا يَقْرَؤُونَ كُتُبَهُمْ نَظَرًا ، حَتَّى إِذَا رَفَعُوهَا لَمْ يَحْفَظُوا شَيْئًا وَلَمْ يَعْرِفُوهُ . قَالَ قَتَادَةُ : وَإِنَّ اللَّهَ أَعْطَاكُمْ أَيَّتُهَا الأُمَّةُ مِنَ الْحِفْظِ شَيْئًا لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا مِنَ الأُمَمِ – قَالَ موسى : رَبِّ اجْعَلْهُمْ أُمَّتِي ، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ ... ]

الحلقة السابقة هـــنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا