خلافات بين والدتي وزوجتي
الثلاثاء، ١٠ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ - ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦

نص الاستشارة:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،


أنا رجل متزوج، وعندي طفل عمره 3 سنوات، ووالدتي عمرها 70 سنة وتسكن معي في نفس البيت مع زوجتي وطفلي.

منذ فترة توجد مشاكل وخلافات متكررة بين والدتي وزوجتي، ومعظم هذه المشاكل تكون بسبب تصرفات أو كلام يصدر من والدتي تجاه زوجتي. وأنا أحاول قدر استطاعتي أن أرضي الطرفين وأحافظ على أمي وزوجتي وبيتي.

في آخر مشكلة حصلت، قامت والدتي بالصراخ عليّ وعلى زوجتي، وتلفظت بكلام مسيء بحق زوجتي وبحق أهل زوجتي، مع العلم أن زوجتي وأهلها لم تكن لهم علاقة بالمشكلة التي حصلت.

بسبب كثرة الإهانات والمشاكل، وصلت زوجتي إلى حالة نفسية شديدة جدًا وانهيار عصبي، واضطررنا إلى إدخالها إلى المستشفى.

الآن وصلنا إلى طريق مسدود؛ زوجتي تقول إنها لم تعد قادرة على الاستمرار في العيش مع والدتي في نفس البيت، وتطلب مني إما أن أجد حلًا بحيث لا تعيش والدتي معنا، أو أن تطلب الطلاق.

أنا في حيرة شديدة، فأنا لا أريد أن أعق أمي أو أتركها، وفي الوقت نفسه لا أريد أن أظلم زوجتي أو أعرّضها للأذى، خصوصًا بعد ما حصل معها.


لذلك أريد معرفة الحكم الشرعي في حالتي:

هل يحق لزوجتي شرعًا أن تطلب السكن في بيت مستقل بعيدًا عن والدتي بسبب الأذى والمشاكل والإهانات؟

هل يجب عليّ شرعًا أن أُبقي والدتي ساكنة معي حتى لو أدى ذلك إلى استمرار المشاكل والضرر على زوجتي؟

إذا استطعت تأمين سكن مستقل لوالدتي بالقرب مني، بحيث أستمر في رعايتها والإنفاق عليها وزيارتها وخدمتها، فهل يجوز أن أفعل ذلك لإيقاف المشاكل وحماية حياتي الزوجية؟

هل أكون عاقًا لأمي إذا جعلت لها مسكنًا مستقلًا بدل أن تبقى في بيت زوجتي؟

وهل يجوز لوالدتي أن تطلب مني تطليق زوجتي في هذه الحالة، وهل أكون آثمًا إذا لم أطلّق زوجتي؟

وما الواجب عليّ تجاه أمي وزوجتي في هذه الحالة حتى أكون قد أعطيت كل واحدة منهما حقها الشرعي؟

أرجو منكم توضيح الحكم الشرعي مع مراعاة أن والدتي كبيرة في السن، وأن زوجتي تعرضت لأذى نفسي شديد بسبب تكرار المشاكل والإهانات.


وأضيف إلى ما سبق أنني أستطيع، والحمد لله، أن أوفّر لوالدتي مسكنًا مستقلًا ومناسبًا بالقرب مني، ولن أتركها أو أتخلى عنها؛ بل سأستمر في زيارتها والإنفاق عليها وخدمتها والاهتمام بها بشكل مستمر.

كما أن لدي أختين يمكنهما مساعدتي في رعايتها والوقوف إلى جانبي في خدمتها وتلبية احتياجاتها.


لذلك أريد أن أعرف تحديدًا: هل يكون من المشروع شرعًا أن أجعل لوالدتي مسكنًا مستقلًا، مع استمرار برّي بها ورعايتها وخدمتها، حتى أمنع الاحتكاك والمشاكل بينها وبين زوجتي وأحافظ على استقرار أسرتي، أم أن بقاء والدتي معي في نفس البيت واجب عليّ رغم الضرر والمشاكل التي حصلت؟

وان رفضت والدتي العيش لوحدها واصرت على العيش معي ماالذي يجب علي فعله وانا لا اريد اولا ان أغضب والدتي وثانيا لا اريدان أظلم زوجتي


أفيدونا جزاكم الله خيرا وشكرا

الإجابة:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

قبل الكلام عن السكن والطلاق، ينبغي لك -وأنت ابن وزوج ومسؤول عن هذه الأسرة- أن تحاول معرفة الأسباب الحقيقية التي أوصلت العلاقة بين والدتك وزوجتك إلى هذه الدرجة. فالمشكلات المتكررة التي تنتهي بالصراخ والإهانات ثم تصل إلى انهيار نفسي ودخول المستشفى لا ينبغي الاكتفاء بمعالجة نتائجها، بل لا بد من السؤال: لماذا وصلت العلاقة إلى هنا؟ وما المواقف أو التصرفات التي تتكرر وتفجر النزاع؟ ومن أين يبدأ الخلل؟ وليس المقصود من ذلك البحث عن طرف ندينه ونحمّله كل المسؤولية؛ بحيث إذا كانت الأم مخطئة كان ذلك مسوغًا لعقوقها، أو إذا كانت الزوجة مخطئة كان الحل طلاقها، وإنما المقصود فهم جذور المشكلة؛ لأن معرفة السبب قد تفتح بابًا لمعالجته وتمنع تكراره مستقبلًا.
نعم ربما تأخر الوقت للبحث عن هذه الأسباب، لكن لم يفت أوانه، ولا سيما أن الفصل في السكن سيخفف الاحتكاك ويهيئ فرصة لإعادة بناء العلاقة بصورة أهدأ فيما يستقبل من الزمان.

أما ما سألت عنه فجوابه كالتالي:

أولًا: من حق زوجتك شرعًا أن يكون لها مسكن مستقل تأمن فيه على نفسها وخصوصيتها، ولا يلزمها أن تسكن مع والدتك، ولا سيما بعد أن أصبحت المعايشة سببًا للإهانات المتكررة والأذى النفسي الشديد الذي وصل إلى دخول المستشفى. وليس من البر بالأم أن تُلزم الزوجة بتحمل الضرر حتى تبقى الأم في البيت نفسه.

ثانيًا: بر والدتك والإحسان إليها ورعايتها واجب عليك، قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، لكن ليس من شرط البر أن تسكن أمك معك في البيت نفسه. فإذا كنت قادرًا على توفير مسكن مناسب وآمن لها قريب منك، مع استمرار النفقة عليها وزيارتها وخدمتها وقضاء حاجاتها، ومع وجود أختيك اللتين تستطيعان المشاركة في رعايتها، فهذا حل مشروع، بل يظهر من وصفك أنه الحل الأقرب إلى العدل والحكمة في هذه الحالة.

ثالثًا: لا تكون عاقًا لوالدتك بمجرد إسكانها في منزل مستقل. العقوق يكون بالإساءة إليها أو هجرها أو تضييع حقوقها ونحو ذلك، أما تنظيم رعايتها بطريقة تحفظ حقها وتحمي بيتك من نزاع متكرر فليس عقوقًا. بل قد يكون الفصل بين المسكنين إحسانًا إلى الطرفين؛ لأنه يمنع الاحتكاك الذي قد يفضي إلى مزيد من الخصومة والإساءة، وربما إلى أن يصدر منك أنت ما تندم عليه تجاه أمك تحت ضغط المشكلات.

رابعًا: إذا رفضت والدتك الانتقال إلى المسكن المستقل وأصرت على البقاء في البيت الذي تعيشون فيه الآن، فيمكنك إبقاؤها فيه، والانتقال بزوجتك وطفلك إلى مسكن مستقل آخر، ما دمت قادرًا على ذلك. وبهذا تجمع بين عدم إخراج والدتك من البيت الذي اعتادت عليه وبين إعطاء زوجتك حقها في السكن المستقل وحمايتها من الضرر. والمهم بعد الفصل بين المسكنين ألا يكون استقلال السكن صوريًا فقط، بل ينبغي أن تعمل على تقليل أسباب الاحتكاك بينهما، وألا تُلزم زوجتك بالمخالطة المتكررة لوالدتك إذا كانت هذه المخالطة تعيد المشكلة من جديد، مع بقاء الاحترام وصلة المعروف بحسب الاستطاعة.

خامسًا: لا يجوز لوالدتك أن تظلم زوجتك أو تهينها أو أهلها، كما لا يجوز لزوجتك أن تسيء إلى أمك أو تنتقص منها. وكونها أمك وكبيرة في السن يوجب عليك مزيدًا من الرفق والصبر عليها، لكنه لا يجعل الإساءة إلى زوجتك حقًا لها، ولا يسقط عنك مسؤوليتك في حماية زوجتك من الضرر المتكرر. والبر لا يعني السكوت عن الخطأ، وإنما تنصح والدتك بأقصى ما تستطيع من الأدب واللين، وتمنع وقوع الظلم من غير إساءة إليها ولا رفع صوت عليها.

سادسًا: لا يجوز لوالدتك أن تطلب منك طلاق زوجتك لمجرد الخلاف الذي وقع بينهما أو لأنها لا ترغب في استمرارها زوجة لك؛ فالخصومة بينها وبين زوجتك لا تجعل طلاق الزوجة حقًا لها، ولا تجعل هدم أسرتك علاجًا لهذه الخصومة. وإذا لم يوجد في زوجتك سبب شرعي معتبر يقتضي فراقها، فلا يجب عليك أن تطيع والدتك في طلب الطلاق، ولا تكون عاقًا لها برفضك هذا الطلب؛ لأن بر الوالدين لا يعني طاعتهما في كل ما يطلبان، ولا سيما إذا ترتب على ذلك ظلم شخص آخر وهدم أسرة والإضرار بطفل من غير موجب معتبر. وعليك أن ترفض هذا الطلب بأدب وحزم، من غير إساءة إلى والدتك ولا جدال جارح معها.

وفي المقابل، إذا انتقلت زوجتك إلى مسكن مستقل وزال عنها الضرر، فينبغي لها أن تعينك على بر والدتك، وألا تجعل ما وقع بينهما سببًا لمنعك من زيارتها أو خدمتها أو الإنفاق عليها أو القيام بحقوقها، ولا أن تطالبك بقطعها أو هجرها؛ فهذا ليس من حقها. وليس مطلوبًا منها أن تحب المخالطة التي أضرتها، ولكن المطلوب منها ألا تحول خلافها مع والدتك إلى خصومة بينك وبين أمك.

والخلاصة: لا تجعل المسألة اختيارًا بين «أمي أو زوجتي»؛ فهذا تصور غير صحيح للمشكلة. أمك لها حق الأمومة والبر والرعاية، وزوجتك لها حق الزوجية والسكن والأمان والمعاشرة بالمعروف، وطفلك له حق أن ينشأ في بيئة مستقرة بعيدة عن الصراخ والإهانات والصراع المستمر.
وأنت -بحمد الله- قادر على الجمع بين هذه الحقوق بالفصل في السكن مع استمرار البر والرعاية. وبحسب ما ذكرت من قدرتك على توفير مسكنين مناسبين وضمان رعاية والدتك، فإن الفصل بين المسكنين هو في حالتك الأقرب إلى الحكمة والعدل وحفظ الأسرة وصلة الأم.

أسأل الله أن يصلح شأنكم، ويؤلف بين قلوبكم، ويعينك على بر والدتك والإحسان إليها، وعلى القيام بحق زوجتك وطفلك ورعاية شؤون أسرتك، وأن يرزقك الحكمة والعدل في ذلك كله.
والله أعلم.