ما هو الرأي الصحيح في تفسير (لايمسه إلا المطهرون)
الاثنين، ٥ صفر ١٤٤٥ هـ - ٢١ آب ٢٠٢٣

نص الاستشارة:

يقول الله سبحانه وتعالى: ?لا يَمَسُّهُ إلاّ المطهَّرون? يفسّره بعضهم أنهم الملائكة وأن الضمير لا يرجع إلى القرآن الكريم وإنما الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ. وبناءً عليه يُجيزون مَّس المصحف للحائض والجُنُب. فما هو الرأي الصحيح مع الأدلة؟

الإجابة:

ماهو الرأي الصحيح في تفسير )لا يمسه إلا المطهرون(؟

إجابة: حسن قاطرجي

سؤال: يقول الله سبحانه وتعالى: )لا يَمَسُّهُ إلاّ المطهَّرون( يفسّره بعضهم أنهم الملائكة وأن الضمير لا يرجع إلى القرآن الكريم وإنما الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ. وبناءً عليه يُجيزون مَّس المصحف للحائض والجُنُب. فما هو الرأي الصحيح مع الأدلة؟

أُجيب بتوفيق الله عزّ وجلّ: اختلف المفسرون في عَوْد الضمير في ((يمسّهُ))، كما اختلفوا في: من هم المطهّرون؟ وحتى نفهم ذلك يَحْسُن إيراد الآيات التي قبل هذه الآية وبعدها وهي في سورة الواقعة الآيات77-80:)إنّه لقرآنٌ كريم* في كتابٍ مكنون* لا يَمَسُّهُ إلاّ المطهّرون* تنزيلٌ من ربِّ العالمين(.

فبعض المفسرين أعاد الضمير إلى القرآن وبعضهم أعاده إلى الكتاب الذي اختلفوا ـ أيضاًـ في تفسيره على قولين: أحدهما اللوح المحفوظ، وثانيهما المصحف.

وبالتالي بعض المفسرين فَهم الآية )لا يمسه إلا المطهَّرون( بأنها إخبار عن أن اللوح ـ المحفوظَ فيه القرآنُ الكريم في الملأ الأعلى - لا يَمَسُّه إلا الملائكة المطهَّرون.

وآخرون فهموها بأنها نَهْيٌ - بصيغة الخبر - عن أن يمسَّ المصحف إلا المطهّرون أي المتطهرِّون من الحَدَث مطلقاً سواءً الأكبر والأصغر. وقد أفرد الإمام النووي رحمه الله في كتابه «المجموع» 72:2 هذه المسألة بالبيان وعَرَض مذاهب أهل العلم فيها في سياق حديثه عن أحكام المُحدِث ـ أي غير المتوضئ أو الجُنُب الذي لم يغتسل بعد من الجنابة ومثله أيضاً الحائض والنُّفَسَاء - فبيّن أن جماهير العلماء قالوا بتحريم مسه للمصحف وحَمْلِه له، ثم بيّن دليل التحريم فقال: «واحتج أصحابنا بقول الله تعالى: )إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون* لا يمسه إلا المطهًَّرون* تنزيل من رب العالمين( فوصفه بالتنزيل، وهذا ظاهر في المصحف الذي عندنا، فإن قالوا: المراد: اللوح المحفوظ لا يمسه إلا الملائكة المطهَّرون ولهذا قال يمسُّّّه - بضم السين - على الخبر، ولو كان المصحف لقال: يمَسَّه ـ بفتح السين ـ على النهي، فالجواب: أن قوله تعالى )تنزيل( ظاهر في إرادة المصحف فلا يُحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح، وأما رفع السين فهو نهيٌ بلفظ الخبر))، ثم ذكر شواهد لذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلّم: (لايبيعُ أحدُكم على بيع أخيه) بإثبات الياء في "يبيع" ـ ثم قال: "ونظائره كثيرة مشهورة وهو معروف في لغة العرب. فإن قالوا: لو أريد ما قلتم لقال: لا يمسّه إلا المتطهِّرون، فالجواب أنّه يقال في المتوضئ مطهَّر ومتطهِّر. واستدل أصحابنا بالحديث)) انتهى النقل من كلام الإمام النووي.

يشير إلى حديث عمرو بن حزم رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم لمّا وجّهه إلى نجران كتب له كتاباً كان فيه: أن لا يمسّ القرآن إلا طاهر. رواه مالك في الموطأ (157:1) مرسَلاً، ووصله النَّسائي وابن حِبّان واخْتُلف في صحّته، ولكنْ ـ لأنّ أهل العلم تلقَّوْه بالقبول ـ صحّحه جماعة من الأئمة كالحافظ ابن عبد البِّرّ ويعقوب بن سفيان الفَسَوي، ويؤيّد صحته والاحتجاج به كثرة الشواهد في معناه، كما في نصب الراية (196:1ـ 199) للحافظ الزيلعي.