نواقض الإيمان في ميزان الكتاب والسنة (5)

نواقض الإيمان في ميزان الكتاب والسنة (5)

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الخميس، ١٠ ربيع الآخر ١٤٣٩ هـ - ٢٨ كانون الأول ٢٠١٧
946

 

الكفر ما هو؟ والشرك في العبادة

 

* ـ الكفر ما هو؟: 

فإن قيل هذا الإيمان فما الكفر؟، فالجواب أن الكفر نقيض الإيمان، وهو أمر اعتقادي، أي فالكافر هو الذي ليس عنده شيء من الإيمان، أو خلط إيمانه بالشرك فنقضَه وأبطلـَه. 

فإن قيل: أليس هناك أقوال وأفعال كفرية يستحيل صدورها من إنسان في قلبه مثقال ذرة من إيمان؟!. فالجواب: بلى، ولكنْ حيث إنها يستحيل صدورها من إنسان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فهذا يعني أن ذلك الإنسان ليس بمؤمن أصلا، وأن صدور مثل تلك الأقوال أو الأفعال منه هو دليل على كفره، أي إنَّ تحقق كفرِه ليس مبدؤه ومنشؤه من هذه الأقوال أو الأفعال، بل لخلو قلبه من الإيمان أصلا، وتلك الأقوال أو الأفعال هي دليل على ذلك الكفر المستحكِم في قلبه، والعياذ بالله.

موضوع التكفير

مسألة التكفير في غاية الخطورة، فمن قال لمسلم يا كافر فقد باء بها أحدهما، أي فقد رجع بها أحدهما: إن كان الذي قيلت له تلك الكلمة ليس عنده أدنى درجات الإيمان فهو الذي رجع بها، وإلا فإنها ترجع إلى القائل. 

وإنما يكون ذلك القائل كافرا فيما إذا رمى أحدَ المؤمنين بالكفر قاصدا تسمية ما هو عليه من الإيمان كفرا، وإلا يكنْ كذلك بأن قال ما قاله من باب الظن والخطأ فهو غير محكوم عليه بالكفر، ولكنه ـ بتسرعه ـ مرتكب لكبيرة من الكبائر الموبقة. 

وكل عمل يناقض شيئا من أركان الإيمان فهو عمل كفري، من أتى به قاصدا ما يعمل فهو دليل على أنه ليس في قلبه شيء من الإيمان. 

* ـ الشرك في العبادة: 

من الأعمال الكفرية: إشراك غير الله تعالى معه في العبادة، فمن المعلوم من الدين بالضرورة أن الله سبحانه وتعالى هو وحده المستحق للعبادة وأنه لا معبود بحق إلا الله، كما تقدم في توحيد الإلهية، فمَن عبد اللهَ تعالى وعبد غيره معه أو اعتقد جواز ذلك فقد أشرك وكفر الكفرَ المخرج من الملة، وهذا لا شك فيه. 

لكن هل مجرد الفعل يُعد عبادة دون أن يقترن به عقيدة تجعله عبادة؟!، هذه النقطة بحاجة إلى إيضاح. 

* ـ متى يُعد الفعل عبادة؟: 

يظن بعض الناس أن كثيرا من الأفعال هي في حد ذاتها عبادات، فالركوع والسجود لمركوع ومسجود له وإعطاءُ الفقير شيئا من المال والصومُ والمكث بعرفة أو بالمسجد والطوافُ وذبحُ الأنعام للمذبوح له وقراءة القرآن يظنونها عباداتٍ وإن لم تكن بنية التعبد!. 

لا بد من وقفة تأمل، قد يعطي الإنسانُ الفقيرَ شيئا من المال من باب المساعدة الإنسانية البحتة، وقد يظل ممسكا عن المفطرات يوما كاملا لغرض صحي أو علاجي، وقد يشده الهيام والحنين إلى بيت والده أو أستاذه فيظل يطوف حوله ويقبل أركانه، وقد يأتيه زائر كريم فيذبح له ذبيحة، وقد يقرأ القرآن ويستظهره حفظا عن ظهر قلب إعجابا ببلاغته، فهل هذه الأفعال عبادات؟!، والجواب الواضح البَيـِّن هو: لا. ومثلها بقية الأمثلة. 

الحقيقة هي أنَّ أيَّ فعل من هذه الأفعال لا يكون عبادة إلا إذا كان بقصد الخضوع والتقرب إلى من فـُعِل لأجله مع اعتقاد ربوبيته أو إلهيته، والنية هي التي تميز القصد في العمل، وهذا ما يدل عليه الحديث النبوي الشريف، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "إنما الأعمال بالنيات". 

فالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لا يكون عبادة إلا بقصد امتثال أمر الله تعالى خضوعا وتعظيما وتقربا مع اعتقاد ربوبيته وإلهيته، وكذلك الوقوف بعرفة يوم عرفة والطواف بالكعبة المشرفة وذبح النسك والأضاحي، وكذلك الاعتكاف وقراءة القرآن. 

وكل الأعمال المقترنة بالتعظيم ليست في حد ذاتها عبادة، ولا تكون عبادة إلا إذا اقترنت باعتقاد الربوبية أو الإلهية. 

فإن قلت: أين الدليل على ذلك؟ فالجواب هو أنه في القرآن الكريم، وهو قول الله جل وعلا :{وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم}، والسجود من أفضل العبادات وأعظمها وأكثرها دلالة على الخضوع والتعظيم، ولو كان السجود عبادة بمجرد الفعل من حيث هو سجود لكان الله تعالى آمرا للملائكة بعبادة مخلوق من مخلوقاته، وهو شرك أكبر!، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. 

وكذلك قوله جل وعلا في قصة يوسف عليه السلام :{ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا}، ولو كان هذا من الشرك لذكره الله جل شأنه بالإنكار. 

قد يُظن بأن هذا لا دليل فيه، لأن ذلك السجود للمسجود له كان سجود تحية، وكان جائزا في تلك الشرائع السابقة ثم نـُسخ في هذه الشريعة المحمدية، فالجواب أن مسائل التوحيد والشرك لا تختلف في الشرائع الإلهية، ولذا فإنه لا يصح أن يدخلها النسخ، فمن الممكن أن يكونَ عملٌ ما كسجود المرء لمخلوقٍ على وجه التحية جائزا في بعض الشرائع ويُنسخَ الجواز وينتقلَ الحكم للتحريم في شريعة أخرى، لكن لا يمكن أن يكون عملٌ من الأعمال جائزا في شريعة من الشرائع الإلهية وشركـًا أكبر في شريعة إلهية أخرى. 

فثبت بما ذكرت من الآيتين الكريمتين مع حديث: "إنما الأعمال بالنيات" أن الفعل ـ وإن كان يُراد به التعظيم ـ لا يكون عبادة دون أن يقترن به عقيدة تجعله عبادة، وبالتالي فإنه لا يكون كفرا مخرجا من الملة دون أن ينضم إليه شيء من عمل القلب، أي دون أن ينضم إليه شيء من الاعتقادات المكفرة. 

ـ لكن إذا لم يكن هذا شركا مخرجا من الملة فإن هذا لا يعني التساهل فيما هو من ذرائع الشرك أو مما قد يؤدي إلى الشرك أو مما فيه تشبه بأعمال المشركين، فالحذرَ الحذرَ من ذلك أيها المؤمنون. 

ـ إشكال وجواب: 

قال بعض الناس: قد يكون العمل كفرا ولو لم ينضمَّ إليه عقيدة مكفـِّرة، والدليل قول الله تبارك وتعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}، وهذا يعني عندهم أن مجرد اتباع بني إسرائيل أحبارَهم ورهبانهم في التحليل والتحريم هو بمنزلة اتخاذهم أربابا من دون الله، وأن هذا كان ردة منهم أخرجتهم عن الدين بدون أن يكون ذلك مصحوبا بعقيدة مكفرة، وأن مجرد اتباعهم على الباطل هو عبادة لهم! 

أقول: لم يتنبه القائل إلى أن الذي جعل هذا العمل ردة عن الدين وعبادة للأحبار والرهبان هو إعطاؤهم مرتبة التحليل والتحريم من ذاتهم واستحلالُ المحرمات التي أحلوها لهم مع علمهم بتحريمها في الشريعة، وهذا كفر لا شك فيه. 

فقد روى الترمذي وغيره عن عدي بن حاتم أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وسمعته يقرأ في سورة براءة {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}، وأنه قال: "أمَا إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه". ورواه الطبري في التفسير، وفيه: قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم!. فقال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟!". قلت: بلى!. قال: "فتلك عبادتهم". 

وروى عبد الرزاق في التفسير وسعيد بن منصور أن رجلا سأل حذيفة رضي الله عنه فقال: يا أبا عبد الله، أرأيت قوله {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} أكانوا يعبدونهم؟!. فقال: "لا، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه". وقول حذيفة بأنهم ما كانوا يعبدونهم ـ إذا صحت عنه هذه الكلمة ـ يعني أنهم ما كانوا يقومون بفعل من الأفعال العبادية لهم كالركوع والسجود مثلا. []. 

[حديث عدي بن حاتم رواه الترمذي في السنن 5/ 129 والطبري 11/ 417 وابن أبي حاتم كلاهما في التفسير والطبراني في المعجم الكبير 17/ 92 والبيهقي في السنن 10/ 198 من طرق عن عبد السلام بن حرب عن غطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم. عبد السلام بن حرب كوفي ثقة فيه لين وقد يدلس الإسناد، ولد سنة 91 ومات سنة 187. غطيف بن أعين ذكره ابن حبان في الثقات، ولم يثبت أن الدارقطني ضعفه. مصعب بن سعد مدني ثقة مات سنة 103. عدي بن حاتم صحابي سكن الكوفة مات سنة 67. وحديث حذيفة رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور 5/ 246 والطبري 11/ 418 وابن أبي حاتم في تفاسيرهم والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه 2/ 129 ـ 130 من طرق عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري عن حذيفة. حبيب بن أبي ثابت كوفي ثقة قد يدلس الإسناد ويرسل، مات سنة 119. أبو البختري سعيد بن فيروز كوفي ثقة يرسل الإسناد، وقتل بدجيل سنة 83، ولم يسمع من حذيفة بن اليمان الذي مات سنة 36. وانظر الدر المنثور للسيوطي 7/ 324، والحديث بمجموع الطريقين في مرتبة الحسن]. 

فاتباع المستفتي لمن يفتي في التحليل والتحريم بخلاف ما في كتاب الله وهو عالم بذلك مع الاستحلال كفر وردة، ما في ذلك شك. 

ـ يُستأنس للقول بأن الأعمال المقترنة بالتعظيم لا تكون عبادة إلا إذا اقترنت باعتقاد الربوبية أو الإلهية بقول أحد ثقات التابعين، وهو قتادة بن دعامة البصري المتوفى سنة 117 رحمه الله: 

فقد روى ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم في التفسير ـ في القصة المنسوبة لآدمَ عليه السلام وزوجِه ـ عن قتادة في تفسير قوله تعالى {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما} أنه قال: "ذكِر لنا أنه كان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما الشيطان فقال لهما سمياه عبد الحارث، وكان من وحي الشيطان وأمره، وكان شرْكا في طاعته ولم يكن شرْكا في عبادته". 

[رواه ابنُ جرير عن بشر بن معاذ، وابنُ أبي حاتم من طريق العباس بن الوليد، كلاهما عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. بشر بن معاذ العقدي بصري صدوق مات سنة 245 تقريبا. العباس بن الوليد بصري ثقة فيه لين مات سنة 238. يزيد بن زريع بصري ثقة ثقة ولد سنة 101 ومات سنة 182. سعيد بن أبي عروبة بصري ثقة قد يدلس الإسناد ويرسل، ثم اختلط اختلاطا شديدا ومات سنة 156، لكن سماع يزيد بن زريع من سعيد بن أبي عروبة هو قبل اختلاطه، فالسند صحيح]. 

ليس المهم هنا معرفة مصدر الرواية ومَن الذي ذكر ذلك لقتادة، وإنما محل الشاهد في تعليقه عليها، فإنه جعل الفعل الكفري الذي لم يصاحبه اعتقاد كفري من باب المعصية، ولم يعدَّه شركا في عبادة الله تعالى. 

انظر الحلقة السابقة هنا

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...