نواقض الإيمان في ميزان الكتاب والسنة (16)

نواقض الإيمان في ميزان الكتاب والسنة (16)

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الاثنين، ٥ جمادى الأولى ١٤٣٩ هـ - ٢٢ كانون الثاني ٢٠١٨
1483

 

مسألة تارك الصلاة كسلاً

* ـ قال بعض المشايخ: 

[مِن الردة الردةُ بالفعل، مثل ترك الصلاة، فكون الرجل لا يصلي ـ وإن قال إنها واجبة ـ هذه ردة على الأصح من أقوال العلماء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر"، وقوله صلى الله عليه وسلم "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"، وقال عبد الله بن شقيق العُقيلي - التابعي المتفق على جلالة قدره رحمه الله ـ: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة]. 

أكثر ما يحتج به القائلون بتكفير تارك الصلاة مطلقا سواء أكان تركه لها جحودا أو كسلا ما يلي: 

روى ابن أبي شيبة وابن حنبل والترمذي وابن حبان عن بُريدة بن الحُصَيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر". 

وروى مسلم والترمذي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة".

وروى الترمذي ومحمد بن نصر عن عبد الله بن شقيق العُقيلي أنه قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. 

وروى محمد بن نصر أن عمر بن الخطاب قال يوم طـُعن "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة"، فصلى والجرح يَثـْعَب دما. وروى محمد بن نصر عن علي رضي الله عنه أنه قال: من لم يصل فهو كافر. وروى نحوه عن ابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء وسعد بن عمارة رضي الله عنهم. 

أقول: 

الصلاة ركن من أركان الإسلام، وهي أهم أركانه بعد الشهادتين، لا يشك في هذا مسلم، وتاركها جحودا كافرٌ كفرا اعتقاديا مخرجا من الملة، وأما تاركها كسلا فهذا في محل النظر، وقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم في حديثين من أحاديثه القولَ بكفر تاركها، وكذلك بعض الصحابة والتابعين، فيحتمِل أن يكون معنى الكفر هنا أحدَ أمرين: إما الكفرَ المخرج من الملة مطلقا، وإما الكفرَ العملي الذي لا يخرج صاحبه من الملة من باب ما يقوله بعض السلف "هو كفر دون كفر". 

ولا يصح أن يكون الترجيح بدون قرينة تدل عليه، وهو في هذا الأمر الخطير لا يكون إلا بقول الله تعالى أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم، والقرائن هنا تدل على أن المراد هنا هو الكفر العملي الذي لا يخرج صاحبه من الملة. 

الدليل على عدم تكفير تارك الصلاة كسلا: 

ذكرَ النبي صلى الله عليه وسلم ـ في حديث جبريل المشهور ـ الصلاة في أركان الإسلام ولم يذكرها في أركان الإيمان، وقد تقدم ذكر الحديث الصحيح الذي يقول فيه نبينا صلوات الله وسلامه عليه في حديث الشفاعة: "ثم أعود الرابعة فأحمَده بتلك المحامد، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرِجن منها من قال لا إله إلا الله". وقال: "فيقول الله عز وجل: شفـَعَتِ الملائكة وشفـَع النبيون وشفـَع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط". وقال: "فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه". 

وروى البخاري في صحيحه عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عرضَ لي جبريل فقال بشِّر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة". 

وروى مسلم في صحيحه عن عثمان بن عفان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة". وروى مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة". وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا". 

وهذا يعني أن من جاء بكلمة التوحيد ولم يعمل خيرا قط فإنه تناله الشفاعة في آخر مراحلها ولا يُخلد في النار. 

وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم بعض الذنوب ـ غير ترك الصلاة ـ كفرا، وستأتي تلك النصوص في كلام ابن أبي العز رحمه الله قريبا، وأجمعت الأمة على أن المراد بها الكفرُ العملي الذي لا يخرِج صاحبَه من ملة الإسلام. 

والصحابة لم يكونوا ـ غالبا ـ يرمون المسلم الذي وقع في الذنب مهما كان ذنبه كبيرا بالكفر سوى في ترك الصلاة، وذلك لأهميتها وكونها عمودَ الإسلام، وكانوا يطلقون على تلك الكبيرة اللفظ الذي أطلقه عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا لا يعني أنهم كانوا يرون ذلك المسلم مرتدا عن الدين بالكلية بحيث لا يُصلى عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين. 

وهذه بعض أقوال العلماء في المسألة: 

قال الإمام الطحاوي رحمه الله ردا على من فهم من حديث جابر في كفر تارك الصلاة أنه يعني الكفر المخرج من الملة: "جوابنا له في ذلك ـ بتوفيق الله عز وجل وعونِه ـ: أن الكفر المذكور في هذا الحديث خلاف الكفر بالله عز وجل، وإنما هو عند أهل اللغة أنه يغطي إيمان تارك الصلاة ويغيِّبه حتى يصير غالبا عليه مغطيا له". []. 

[شرح مشكل الآثار: 8/ 203]. 

وعَنـْونَ ابنُ حبان رحمه الله لحديث بُريدة بقوله "ذكـْر لفظة أوهمت غيرَ المتبحر في صناعة الحديث أن تارك الصلاة حتى يخرج وقتها كافر بالله جل وعلا"، ثم روى الحديث وعلق عليه بقوله: "أطلق المصطفى صلى الله عليه وسلم اسم الكفر على تارك الصلاة إذ ترْكُ الصلاة أولُ بداية الكفر، لأن المرء إذا ترك الصلاة واعتاده ارتقى منه إلى ترك غيرها من الفرائض، وإذا اعتاد ترك الفرائض أداه ذلك إلى الجَحْد، فأطلق صلى الله عليه وسلم اسم النهاية التي هي آخر شعب الكفر على البداية التي هي أول شعبها وهي ترك الصلاة". []. 

[صحيح ابن حبان: 4/ 305، 324]. 

وقال الفقيه الحنبلي ابن قدامة رحمه الله في مبحث تارك الصلاة في كتابه المغني: "اختلفت الرواية هل يُقتل لكفره أو حدا؟ فرُوي أنه يُقتل لكفره، كالمرتد، فلا يُغسل ولا يُكفن ولا يُدفن بين المسلمين ولا يرثه أحد ولا يرث أحدا، اختارها أبو إسحاق بن شاقلا وابن حامد، والرواية الثانية يُقتل حدا مع الحكم بإسلامه، كالزاني المحصن، وهذا اختيار أبي عبد الله ابن بطة، وأنكر قولَ من قال إنه يكفر، وذكر أن المذهب على هذا، لم يجد في المذهب خلافا فيه، ولأن ذلك إجماع المسلمين، فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدا من تاركي الصلاة تـُرك تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ولا مُنع ورثتـُه ميراثـَه ولا مُنع هو ميراثَ مورثه ولا فـُرق بين زوجين لترك الصلاة من أحدهما، مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافرا لثبتت هذه الأحكام كلها، وأما الأحاديث المتقدمة فهي على سبيل التغليظ والتشبيه له بالكفار، لا على الحقيقة، وهو أصوب القولين، والله أعلم". []. 

[المغني لابن قدامة: 3/ 354 ـ 359]. 

وقال ابن أبي العز رحمه الله في شرح العقيدة الطحاوية عمن يرتكب الذنوب ومنها ترك الصلاة: [الشارع قد سمى بعض الذنوب كفرا، قال الله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}. وقال صلى الله عليه وسلم "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". وقال صلى الله عليه وسلم "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". وقال صلى الله عليه وسلم "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". وقال صلى الله عليه وسلم "بين المسلم وبين الكفر ترك الصلاة". وقال صلى الله عليه وسلم "من حلف بغير الله فقد كفر". وقال صلى الله عليه وسلم "ثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت". وأهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية، ومتفقون على أنه لا يخرج بذلك من الإيمان والإسلام ولا يدخل في الكفر ولا يستحق الخلود مع الكافرين، ومتفقون على أنه يستحق الوعيد المرتب على ذلك الذنب، كما وردت به النصوص]. وقال: "ثم بعد هذا الاتفاق تبين أن أهل السنة اختلفوا خلافا لفظيا لا يترتب عليه فساد، منهم من قال هو كفر عملي لا اعتقادي، ومنهم من قال هو كفر مجازي غير حقيقي، إذ الكفر الحقيقي هو الذي ينقل عن الملة، فليس بين فقهاء الأمة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم". []. 

[شرح العقيدة الطحاوية: 2/ 439 ـ 445]. 

قلت: لكن إذا لم تكن تلك الأعمال كفرا مخرجا من الملة فإن هذا لا يعني التساهلَ فيها، فإنها من الكبائر الموبقة، كما لا ينبغي التساهلُ فيما هو من ذرائع الشرك أو مما فيه تشبه بأعمال المشركين، فالحذرَ الحذرَ. 

الحلقة السابقة هــــنا

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...