تحقيق القول في *الوقوف العشرة* المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل (4)

تحقيق القول في *الوقوف العشرة* المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل (4)

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الاثنين، ٣٠ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ - ١٨ كانون الأول ٢٠١٧
1052

 

 

*الجواب عن ثلاثة من الإيرادات والشُّبه والإشكالات*

الإيراد الثاني:

يقول بعضهم: إن هذه الوقوف متواترة! تلقيناها عن شيوخنا، وشيوخنا تلقّوها عن شيوخهم، وهكذا… إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والجواب: أن هذه دعوى عريضة! وكلام خطير! يصدر من بعض الإخوة،

غير عالم بمعنى التواتر ومفهومه وماهيته، وغير عالم بأنواع الأخبار وطرق تلقّيها، وغير عالم بالفرق بين الأشياء التي ترجع إلى التلقي والمشافهة، والأشياء التي ترجع إلى اجتهاد العلماء وآرائهم!

*فأولًا:* المتواتر هو ما يستوي في معرفته العام والخاص، والعالم والجاهل، والصبيان والبله، كما هو تعبير علماء الأصول، مثل كون الصلوات خمسًا، وفرض الصيام والحج، وتحريم الزنى، ومثل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة…

وإذا كان جمهور أهل العلم بالقراءات ومنهم ابن الجزري ينفون اشتراط التواتر في إثبات القراءة، بل إذا صحّ السند مع نوع اشتهار فيكفي، مثل قراءة (والأرحامِ) بالجر،

فكيف ندّعي التواتر في الوقوف، وعلم الوقوف أصلًا أمر يعود إلى اجتهاد!

بل إن نسبة الوقوف العشرة لم تصح بتاتًا فضلا عن تواترها!!!

*ثانيًا:* إن هذه الوقوف العشرة لم تعرف أصلًا قبل القرن العاشر، لا عند القراء، ولا عند المفسرين، ولا عند المحدثين، ولا غيرهم،

فلو كانت ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم لرواها المحدثون الذين ألفوا الجوامع والمسانيد، ونقلوا كل ما وردهم عن النبي من الصحيح والضعيف،

ولو كانت ثابتة لذكرها المختصون بالقراءات وعلوم القرآن، فقد ألفوا كتبًا كثيرة مطولة ومختصرة، أفاضوا فيها بشتى المسائل والجزئيات المتفق عليها والمختلف فيها، الصحيحة والضعيفة والشاذة،

فما بالهم لم يذكروا هذه الوقوف العشرة؟

أين ابن مجاهد، والداني، ومكي، والشاطبي، والسخاوي، وأبو شامة، وابن الجزري، والسيوطي، والقسطلاني،

وغيرهم من مئات العلماء بل الآلاف! 

لم يطرق سمعهم هذه الوقوف، ولا سطرها أحد في كتابه!

إن عدم ورودها في كتب المختصين، من أهل القراءات ومن المحدثين، لبرهان قاطع أنها (أي نسبتها إلى النبي وجبريل) مما اخترع في العهد المتأخر.

وإلا فلو كان المشايخ يروونها عن شيوخهم، لسطروها في كتبهم.

*ثالثًا:* إذا كانت القراءة فرشًا وأصولًا هي مما تتلقى مشافهة، (ومع ذلك فكل قواعدها وجزئياتها مسطرة في كتبهم)،

فإن علم الوقوف، علم اجتهادي، وكتب أهل العلم طافحة بأنه اجتهاد، وأنه يحتاج إلى علم التفسير واللغة والبيان والبديع… 

وقد نقلوا عن القراء السبعة وغيرهم بعض اجتهاداتهم في الوقوف،

ثم توالى علماء القراءات والتفسير، فيجتهد الواحد منهم في بعض الوقوف، ثم يأتي عالم آخر ينتقده،

قال ابن مجاهد: (لا يقوم بالتمام في الوقف إلا نحْويّ عالم بالقراءات، عالم بالتفسير والقصص، وتلخيص بعضها من بعض، عالم باللغة التي نزل بها القرآن) انتهى كلام ابن مجاهد،

ولو كانت الوقوف بالنقل عن المشايخ كالفرش، لما قال ابن مجاهد هذا الكلام.

وفي النشر، والإتقان: 

(لأئمة القراء مذاهب في الوقف والابتداء،

فنافع كان يراعي محاسنهما بحسب المعنى. 

وابن كثير وحمزة حيث ينقطع النفس… 

وعاصم والكسائي حيث تم المعنى،

وأبو عمرو يتعمد رؤوس الآي، ويقول هو أحب إلي، فقد قال بعضهم: إن الوقف عليها سنة) انتهى.

وهذا الكلام يدل على أن علم الوقوف اجتهاد، وليس نقلًا عن شيوخهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

بل هناك بعض انتقادات شديدة وُجّهت لبعض العلماء في اختياراتهم في الوقف،

كانتقادهم وقوف السجاوندي،

وقال عَلَم الدين السخاوي في جمال القراء: 

(واعلم أن معرفة الوقف والابتداء تنبني على معرفة معاني القرآن، وتفسيره، وإعرابه، وقراءاته، فقد يقتضي بعض القراءات وقفًا لا تقتضيه القراءة الأخرى، فعلى ما ذكرتُه فاعتمِدْ في الأوقاف، لا على كتب المصنفين في ذلك، ففيها تخليط كثير، وعدم إتقان، وإعراب فاسد.

ووجوه من المعاني غير مرضية، والله المستعان).

وقال السخاوي أيضًا:

(فهذه مواضعُ من الوقف والابتداء مبينة على الأصول التي أسلفتُها في معرفة التام، والكافي، والحسن.

والاعتماد إنما هو على معرفتها، وترك الاغترار بما ذكره المصنفون في هذا الباب في الفرش، فإنهم يغلطون كثيراً، ويقولون: (حسن)، وهو كافٍ ويقولون: (كافٍ)، وهو حسن، ونحو ذلك مما تشهد به تصانيفهم). انتهى كلام السخاوي.

فأين هذا من دعوى بعض طلبة العلم في زماننا أن الوقوف العشرة وغيرها إنما تلقوها عن مشايخهم، وأن مشايخهم تلقوها عن مشايخهم… إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم!!

*وهنا ينبغي التنبه:*

أنه لا شك أن القرآن إنما تلقته الأمة جيلًا بعد جيل،

لكن كل قواعده وجزئياته قد سطرها علماء القراءات في مصنفاتهم الكثيرة عبر القرون،

فلا يقبل من أحد دعوى بشيء أنه مما تلقاه عن شيوخه مسلسلًا ولا يكون مسطرًا في كتب أهل العلم.

فمما يقع فيه بعض طلبة القراءات اليوم: 

أنه إذا نوقش في شيء أو انتقد في شيء، يجيبك، ولم تكن حجته إلا قوله: هكذا تلقيته عن شيخي! 

وهذا شيء لا يقبل، وليس بحجة، ما لم يكن هذا الشيء معروفًا لدى القراء ومسطرًا عندهم.

بل حدثني أحد الحفاظ أنه صلى مرة خلف أحدهم، فسمعه يقرأ :(أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقتْس… رفعتس… نصبتس… سطحتس)!

هكذا يهمس التاء فينطق سينًا خالصة،

وحين انفرد به ونصحه،

أجابه ذاك مباشرة بحجته التي في فمه على رأس لسانه: هكذا تلقيت عن شيخي!!!

وأشهر مثال في عصرنا مما وقع الوهَم فيه ويدخل في الدعوى: تفريج الشفتين عند الإقلاب والإخفاء الشفوي!! والكلام فيه شهير. 

والله تعالى أعلم

الحلقة السابقة هــــنا

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...