هل توفير الرعاية الاجتماعية والاقتصادية للأرامل والمطلقات يغني عن الزواج؟
أما توفير الرعاية الاجتماعية والاقتصادية للأرامل والمطلقات فهل يغني عن الزواج وذلك بإيوائهن في مؤسسات اجتماعية توفر لهن حياة شريفة، أو بتوفير الرعاية الاجتماعية والاقتصادية لهن، بحيث لا يحتجن إلى أزواج؟ والجواب على ذلك من وجوه:
1. إن العامل الاقتصادي والرعاية الاجتماعية وحدها لا تغني المرأة عن الغريزة الجنسية، ولو كانت المسألة تتعلق بالإنفاق على المرأة وحده، ما انتشر البغاء بين نساء الطبقات الراقية، وفي قصة يوسف عليه السلام رد شاف وجواب كاف، فما الذي كان ينقص امرأة العزيز حتى تراود يوسف عن نفسه؟ وما الذي حمل النسوة في المدينة على إغرائه ودعوته للحرام حتى استجار بربه واعتصم بخالقه؟ فقال بعد تهديد ووعيد لكي يقع في الحرام، ليس مع امرأة العزيز وحدها، وإنما شمل نساء الطبقة الراقية: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33)} [يوسف : 33]، لقد استجاب الله دعاءه، وصرف عنه كيدهن، وعلى سنة امرأة العزيز قديما تتجدد المواقف بما لا يدع مجالا للشك في أن العامل الاقتصادي ليس كافيا في صرف المرأة عن الزواج، بل إن المرأة الغربية ذات الاستقلال الاقتصادي تعيش محنة أخلاقية؛ فقد وصل الاستقلال الاقتصادي، عن طريق العمل خارج المنزل، بحرية المرأة الشخصية: إلى رفض الزواج كنظام في بناء الأسرة، وإيثار العلاقة المؤقتة بين الرجل والمرأة عليه في الإقامة والسكنى، وممارسة العلاقة الجنسية بينهما كي تبتعد كلية عن قيود الطلاق المعقدة هناك..(2).
2. لقد بات معلوما أن الغريزة الجنسية فطرة لا يمكن للإنسان الطبيعي أن يقضي عليها؛ لذا حرم الإسلام الرهبانية، ونهى رسول الله ?عن التبتل والانقطاع للعبادة، كما صرف أصحابه عن الإخصاء، ولو أذن لهم لاختصوا، ولا شك أن المجتمعات الغربية أكثر من غيرها، لا تقبل صرف المرأة عن الشهوة الجنسية. ويعتمد الغرب نظرية فرويد التي تذهب إلى أن الجنس غريزة لدى الطفل بعد ولادته، وأن الأولاد الذكور يحبون أمهاتهم بدافع الجنس (عقدة أوديب)، وأن الإناث يحبون آباءهم بدافع الجنس (عقدة أليكترا)، وأن كبت الطاقة الجنسية يؤدي إلى جلب الأمراض النفسية، وأن تحقيق الفرد لذاته لا يكون بغير الإشباع الجنسي (3).
3. إننا لا نجد سببا معقولا يمكن أن تعيش فيه المرأة بعيدة عن جو الأسرة وحياة الأمومة، ذلك النداء الذي لا يمكن أن تستغني عنه امرأة، إنه الحلم الكبير، والأمل العريض، وهذا لا يمكن أن يتحقق في ظل ابتعاد المرأة عن الرجل. إن المرأة العربية قبل الإسلام كانت أكثر حكمة من تلك الأصوات المنكرة، ففي وصية أمامة بنت الحارث لابنتها أم إياس تقول: إن الوصية لو تركت لفضل أدب، تركت لذلك منك، ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل، ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها، وشدة حاجتهما إليها، كنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال ( ). بل إن الأمر ليس قاصرا على الحاجة إلى الإشباع الغريزي الجنسي فحسب، بل تتقدم عليه الحاجة إلى الإشباع العاطفي النفسي.
فحرمان المرأة من العواطف أشد خطورة من حرمانها الجنسي، فمتعة الإشباع الجنسي بدون عواطف ليس لها أي تأثير لدى المرأة، بينما الكلمة الرقيقة واللمسة الحانية تأثيرها أكثر بكثير، وتجعلها تنعم بالإشباع الجنسي، وهذا ما يؤكده د. سعيد عبد العظيم أستاذ الأمراض النفسية والعصبية بطب القاهرة قائلا: إن الحرمان العاطفي عند المرأة هو الطريق السريع إلى الانحراف أو البرود الجنسي إضافة إلى العديد من الأمراض الجسدية والنفسية وغيرها. ويقول د. محمد هلال الرفاعي أخصائي أمراض النساء والتوليد: عدم الزواج أو تأخيره يعرض المرأة لأمراض الثدي أكثر من المتزوجة، وكذلك سرطان الرحم والأورام الليفية، وقد سألت كثيرا من المترددات على العيادة: هل تفضلين عدم الزواج أم الاشتراك مع أخرى في زوج واحد؟ كانت إجابة الأغلبية الساحقة هي تفضيل الزواج من رجل متزوج بأخرى على العنوسة الكئيبة، بل إن بعضهن فضلن أن تكون حتى زوجة ثالثة أو رابعة على البقاء في أسر العنوسة.
وإذا كان هذا هو رأي العلم، فإن المرأة الطبيبة تكون أقدر على وصف الحال بأصدق مقال، تقول طبيبة في رسالة بعثت بها إلى الكاتب أحمد بهجت: إنها قرأت إحصائية تقول: إن هناك ما يقرب من عشرة ملايين سيدة وآنسة بمصر يعشن بمفردهن، وهن إما مطلقات أو أرامل لم ينجبن، أو أنجبن ثم كبر الأبناء وتزوجوا أو هاجروا، أو فتيات لم يتزوجن مطلقا، وتقول الطبيبة: هل يستطيع أحد أن يتخيل حجم المأساة التي يواجهها عالم النساء الوحيدات؟ إن نساء هذا العالم لا يستطعن إقامة علاقات متوازنة مع الآخرين، بل يعشن في حالة من التوتر والقلق والرغبة في الانزواء بعيدا عن مصادر العيون والألسنة، والاتهامات المسبقة بمحاولات خطف الأزواج من الصديقات أو القرينات أو الجارات، وهذا كله يقود إلى مرض الاكتئاب ورفض الحياة، وعدم القدرة على التكيف مع نسيج المجتمع. وتدق الطبيبة ناقوس الخطر؛ محذرة مما يواجه هؤلاء النسوة من أمراض نفسية وعضوية مثل: الصداع النصفي وارتفاع ضغط الدم والتهابات المفاصل وقرحة المعدة والاثنى عشر والقولون العصبي... والطريف أن بعض الدول الغربية التي تعاني من المشكلة المزعجة، وهي زيادة عدد النساء فيها عن عدد الرجال، اضطرت إلى الإقرار بمبدأ تعدد الزوجات؛ لأنه الحل الوحيد أمامها لتفادي وقوع انفجار جماعي لا قبل لها بمواجهته، أو علاج آثاره المدمرة، حدث هذا في الوقت الذي يرفع فيه بعض المسلمين اسما فقط راية الحرب على تعدد الزوجات وشرعيته!! ويحكي د. محمد يوسف موسى ما حدث في مؤتمر الشباب العالمي الذي عقد عام 1948م بمدينة ميونخ الألمانية، فقد وجهت الدعوة إليه وإلى زميل له للمشاركة في حلقة نقاشية داخل المؤتمر كانت مخصصة لبحث مشكلة زيادة عدد النساء أضعافا مضاعفة عن عدد الرجال بعد الحرب العالمية الثانية. وناقشت الحلقة كل الحلول المطروحة من المشاركين الغربيين، وانتهت إلى رفضها جميعا لقصورها عن معالجة المشكلة، فتقدم د. موسى وزميله بالحل الطبيعي الوحيد وهو ضرورة إباحة تعدد الزوجات، فقوبل بالنفور في البداية، لكن الدراسة المتأنية العاقلة انتهت إلى إقراره واعتباره توصية من توصيات المؤتمر الدولي، ثم ما لبث أن أدرج في دساتير بعض البلدان الغربية، وهكذا يتبين الحق ولو كره العلمانيون المتحذلقون (4).
الحلقة الأولى هـــنا
----------------------
(1) - الإسلام واتجاه المرأة المعاصرة، د. محمد البهي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط2، 1401هـ/1982م، ص9.
(2) - النظرية الفرويدية وموقف الإسلام منها، د. عوض النجار، رسالة دكتوراه، مكتبة الدعوة، القاهرة، 1422هـ/ 2002م، ص60.
(3) - أدب النساء في الجاهلية والإسلام، د. محمد بدر معبدي، مكتبة الآداب، القاهرة، ط1، 2005م، ص17.
(4) - انظر: موسوعة المفصل، د. الشحود، ج1, ص36 بتصرف.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


