عشت مع آية: في ظلال سورة النمل مع قصة سبأ وملكتهم

عشت في ظلال سورة النمل مع قصة سبأ وملكتهم عابدة الشمس من دون الله هي وقومها.

ورغم عمر ملكتهم الطويل في الكفر إلا أن آيات قصتها انتهت بقوله تعالى: "قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين"

هزتني خاتمة القصة..

فرغم كفر المرأة طوال عمرها، وإعانتها قومها على الكفر إلا أن الله تعالى اكتفى منها بالاعتذار، وإبداء التندم على ما فات..

 

"ظلمت نفسي وأسلمت"

كأن الرسالة التي تكمن خلف القصة:

حتى وإن كنت بكفر ملكة سبأ يكفينا منك الاعتراف والاعتذار مع الإسلام!

أبكتني والله الخاتمة..

فربٌّ يقبل الاعتذار مع عظيم الجرم وقبيحه ما أكرمه!

 

قلت ذلك لشاب ولغ في الإجرام حتى الكفر، وكان مصريا يعيش في بلاد الكفر أغرته الفواحش حتى انسلخ من الدين بغية التحلل من قيود الحلال والحرام.. ولما آنست من نفسه لحظة سكون بعد طول اضطراب، قال لي فيها مقولة العاصي السابق للنبي صلى الله عليه وسلم: وغدراتي وفجراتي! قلت يغفرها الله إن تبت.

قال: لو علمتَ قبيح ما صنعتُ؟! قلت: لو لم يرد بك خيرا ما أبقاك حتى هداك!!

ولا زلت من يومها أتذكر هزيز صدره وأزيزه وهو يحتضنني بعد الكلمات.

 

الشباب الوالغ الآن في المعاصي حدّ الغرق يحتاج إلى مد حبال الأمل في الله أكثر من ذي قبل... سيما وقد بدأت تخرج من أفواههم مقولة ألقاها الشيطان على قلوبهم وألسنتهم:

خلاص اللي حصل حصل...ده أنا رايح على النار حتف!!

وما درى المساكين أن رحمة الله أوسع من ذنوبهم مهما بلغت..

 

انظر إلى رحمته وهي تتدارك أنطوني جيرارد فلو صاحب الثلاثين مؤلفا في الإلحاد، وفيلسوف بريطانيا الأول في فلسفة الأديان، والذي ألحد بسببه خلق كثير، ثم إذا برحمة الله تدركه وقد بلغ التسعين من عمره.

وهذا قيس بن عاصم التميمي أول من وأد البنات في الجاهلية حتى وصل عدد من وأدهن من بناته ثماني بنات، غير أن الله مد في عمره حتى قدم على النبي مسلما مبايعا رضوان الله عليه.

والمواقف في ذلك أكثر من أن تحصى..

 

تفكرت في سبب هداية أمثال هؤلاء بعد طول المسافة مع الكفر أو المعصية فوجدت أنها بقعة النور أو الخير المركوزة في القلب، والتي ربما تغطيها تلال الحواجز... لكنها فور انكشافها تحدث الهدايات..

والدعاة مطالبون بتوسم الخير ومظنة وجود هذه البقعة في كل عصاة الأرض... وساعتها لن يملوا أو ييأسوا من هداية الله لأحد مهما كان ذنبه.

 

"ظلمت نفسي وأسلمت"

اختصار بديع من رب رحيم، ليسر الهداية، وحبه سبحانه للتوبة وأصحابها... بدليل قبوله سبحانه الاعتذار اليسير رغم الذنب الكبير.

أحبك ربي.

 

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين