شحروريات (٣): السنّة الشحرورية

يدعي محمد شحرور أنّه لا يُنكِر السُنّة وأنّهُ يحترمها، لكنّنا لا نلبث أن نكتشف أن هذا الادعاء المخادع ليس إلا إبرةً مخدرة يُغيّب بها وعي البسطاء من أتباعِه حتى إذا اطمأنّ إلى أن مخدره فعل فعله فيهم جرّد مبضع خداعه وتضليله ليستأصل من أدمغتهم ما يريد ويترك ما يشاء وهم في سكرتهم يعمهون..

فلننظر.. أصدق أم هو من الكاذبين..

قال في الصفحة ٥٥٤ من كتابه (الكتاب والقرآن قراءة معاصرة):

[ويبقى أن أتمنى على القارئ أن يفهمني بدقة ولا يظن أننا نرد الحديث النبوي معاذ الله وكيف نفعل وقد سمعنا قوله صلى الله عليه وسلم: {ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله… الخ}. ولكننا ندعو إلى إعادة فهم الحديث وتصنيفه ونقده وقدره حق قدره.]

فهذا هو الادعاء (إبرة المخدر)

لكنه مع ذلك قال في الصفحة ٥٥٢:

[فكل شيء قاله النبي صلى الله عليه وسلم في أمور لم يرد ذكرها في الكتاب بتاتا وقال فيها هذا ممنوع وهذا مسموح فمعناها أنها أحكام مرحلية وحدود مرحلية لا علاقة لها بحدود الله.]

فانظر إلى معنى أنه لا يرد الحديث ماذا بقي منه؟؟ وإلى احترامِه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ونهيه هل له من نصيب عنده؟؟ مؤدى قوله (نعم أنا لا أنكر الحديث ولا أردّه لكنّ كلّ أمرٍ أو نهيٍ ورد فيه ممّا لم يذكر في القرآن فهو خاص بزمانه ولا يلزمنا ألبتة)!!! فيا له من احترام..

وهذا شرحٌ لما قاله في الصفحة ٥٤٩:

[لذا فإن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم في القرن السابع في شبه جزيرة العرب هو الاحتمال الأول لتفاعل الإسلام مع مرحلة تاريخية معينة وليس الوحيد وليس الأخير]

إذاً فتطبيق النبي صلى الله عليه وسلم للشريعة الإسلامية المنزلة عليه هو (الاحتمال الأول) في عصره وليس الأول ولا الأخير.. طيّب ومن يقرر الاحتمالات الأخرى؟؟.. لا شك أنهم أنبياء القراءة المعاصرة..

إذا كان هذا هو احترامه لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم.. فما ظنّك باحترامه للصحابة؟؟

يقول في الصفحة ٥٦٦:

[هل نحن أفهم من الصحابة في فهم الكتاب؟؟ في الجواب على هذا السؤال يجب أن نكون جريئين في الحق بدون خوف. الجواب هو نعم ولا في آن واحد. فالجواب نعم: نحن على يقين بأننا في أواخر القرن العشرين في مشاكلنا المعاصرة والتي لا يعرف الصحابة عنها شيئا. وبوجود الكتاب الذي لا ريب فيه بين أيدينا، قادرون على نقله من عالم المطلق إلى عالم النسبية الذي نعيشه نحن وقادرون أن نتحرك ضمن الحدود بشكل يتناسب مع عصرنا، وفي هذا نحن أقدر منهم وليس من الضروري أبدا الاعتماد على أقوالهم وتحريها فوضعنا منهم هو: إن كانت أقوالهم تناسبنا أخذناها، وإن كانت لا تناسبنا تركناها. والجواب لا: لأنهم فهموا الإسلام حسب شروطهم وظروفهم أفضل من فهمنا التاريخي للإسلام وهو متفاعل مع ظروف القرن السابع في شبه جزيرة العرب.]

أرأيت إلى هذه المخادعة الزئبقية والمراوغة الثعلبية (نعم ولا) ليضع رجلاً هنا وأخرى هناك.. وما دخل المشاكل المعاصرة وظروف زماننا بموضوع السؤال؟؟.. إذا تعلق تفسير القرآن بأمر مستجد أظهرته العلوم الحديثة ففهمنا بعض الآيات فهماً جديداً لم يعرفه الصحابة فهذا حق.. وإذا نزلت نازلة لم تكن سابقاً فاجتمع الفقهاء واجتهدوا فيها ضمن أحكام الشريعة فهذا أيضاً حقٌّ وهو مقرر في كتب الفقه منذ قرون.. ولكنّ ذلك لا علاقة له بآيات الأحكام والتشريع الثابتة القطعية.. أمّا القراءة المعاصرة فتصوّر لنا الأمر على النحو التالي: الصحابة فهموا من آيات الحجاب أن المرأة يجب عليها أن تستر ما عدا الوجه والكفين.. لكنّهم لا يعرفون شيئاً عن مشاكلنا المعاصرة فلنا أن نفهم من تلك الآيات ذاتها أن المرأة يجوز لها أن تخرج بلباسها الداخلي وتبقى ضمن حدود الله؟؟؟!!!... أرأيت كيف تتسلل القراءة المعاصرة إلى العقول؟؟

وهكذا يصل إلى ما يريد من تقرير السنة الشحرورية فيقول في الصفحة ٥٦٧:

[فإذا سألني سائل الآن “ألا يسعك ما وسع الصحابة في فهم الكتاب والقرآن”؟ فجوابي بكل جرأة ويقين هو: كلا لا يسعني ما وسعهم لأن أرضيتي العلمية تختلف عن أرضيتهم. ومناهج البحث العلمي عندي تختلف عنهم. وأعيش في عصر مختلف تماماً عن عصرهم. والتحديات التي أواجهها تختلف عن تحدياتهم.]

فانظر إلى الخلط والخداع والتضليل فإن فقهاء الإسلام كلّهم يقسمون الأحكام إلى ثابتة لا يمكن أن تتغير بتغير الزمان وأحكام قد يتغير فيها الاجتهاد من زمان إلى آخر بما لا يخالف النصوص القطعية..

فملخص المنهج الشحروي بالنسبة للسنة (أعترف بالسنة وأحترمها لكنّها غير مُلزمة لي)

وبالنسبة للقرآن (أفسره كما يحلو لي ولا أبالي أوافق تفسيري اللغة أم خالفها)

وكلّ ذلك محكوم بعقله وبظروف الزمان والمكان الذي هو فيه..

فهل يمكن أن يأتي زمان يباحُ فيه الخمر أو يحلل فيه الزنا أو يتغير ما أمر الله به من ستر المرأة المسلمة كما يريد نبي القراءة المعاصرة - وقد أراد كما سيتبين إذا يسر الله المضي في هذه السلسلة؟؟ - أترك الجواب للعقلاء..

الحلقة السابقة هـــنا

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين