دلالة العظمة الإلهية

إن الله جلَّ وعلا بعظمته وقدرته قادرٌ على أن يفعل الشيء وضده، فيكون عاملًا ينصر وليه، وآخر يخذل عدوه، وليس ذلك إلا لله عزَّ وجلّ، فانظر-مثلًا- إلى عزير الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} [البقرة: 259]

رسالة الآية:

إن الله جلَّ شأنه أجرى بقدرته أحكام الزمان على الحمار؛ ليصبح عظامًا بالية نخرة، ولم يجرها على الطعام والشراب؛ فلم يتغيرا على مدار مائة عام؛ لنعلم حقًا أن الله عظيم، وأنه على كل شيءٍ قدير!

وكذا ما حصل مع أصحاب الكهف والرقيم؛ فإن الله آواهم إلى الكهف ثلاث مائة وتسع سنين، على أن عادة المرء أن يكون طفلًا ثم يبلغ أشده، ثم يكون شيخًا، وقد يتوفى قبل ذلك، فضلًا عن حاجته للطعام والشراب، إلا أن الله لم يجر أحكام الزمان عليهم، وأجراها على أهل زمانهم، {ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17]!

عدل الله قائم:

إن الله عدلٌ في خلقه، عدلٌ في أمره، عدلٌ في فعله، يجزي المرء من جنس عمله، ويعاقبه على قدر ذنبه، فناسب –مثلًا- أن تَهْلَكَ ثمود بذات الصخر الذي أرست قواعد حضارتها به، وأن يُغَرَّقَ فرعونُ بذات الماء الذي استدل به على ملكه، ولا تعارض بين عدل الله في فرعون ورحمته به؛ فإنه قال لموسى وهارون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]

رسالة الآيتين بلغة قتادة:

سبحان ربنا ما أحلمك وما أرحمك، أإذا كان هذا حلمَك وعفوَك بمن قال: أنا ربكم الأعلى

فكيف عفوك وكرمك بمن سجد بين يديك، وقال: سبحان ربي الأعلى!

فإن كذب العبد وأبى، وتكبر وعلا، وجمع كيده ثم أتى، فإن له جهنم وقد خاب من افترى، أما من عمل الصالحات؛ فإن لهم الدرجات العلى، وذلك جزاء من تزكى!

العقدُ المشتركُ بينَ الأحياءِ:

إن ثمةَ منظومة متحدة بين أجزاء الكون لا تختلف، وأُخوة إيمانية على الحق تأتلف، وبموجب العقد الإيماني الأخوي؛ فإنها تخرج عن المألوف بإذن الرب العلي عزَّ وجلّ؛ فنارُ إبراهيم والخولاني لا تحرق، وماءُ موسى وابن الحضرمي لا تُغْرِق!

ثم ألا تلحظ أن الملائكةَ قاتلت معنا يوم بدر وبني قريظة؟! وجاهد الرعبُ بِصَفِّنَا، فراح يخترق قلوب عدونا، كما يشهد يوم بدر وأحد وبني النضير والأحزاب من حولنا، بل داهم الريح الأحزاب وحدهم دوننا، ثم إن مات منا أَكْرَمَتْهُ الأرض –بإذن الله- ففسحت له جَنَبَاتِهَا في قبره، حتى يتسع له مَدَّ بصره، أما من مات منهم فإن أذاها يصل إليه، حتى تختلف أضلاعه عليه!

والمقصودُ أن الله جلَّ وعلا جعل الكون كله مُسَخَّرٌ لَنَا، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13]؛ علَّكم تبتغون من فضله، ولعلكم تشكرون!

أما الكافرون والمنافقون فَأَنَّى لهم الإحاطة بعقد الإيمان، أو فقه سنن الديان في الكون والإنسان، بل إنهم في ريبهم يترددون؛ ذلك أنهم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18]، {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40]!