الخميس 18 رمضان 1440 - 23 مايو 2019

أفعال لا حرج فيها

الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 1301

أفعال لا حرج فيها

للأستاذ عبد الفتاح أبو غدة

يقع للإنسان في كثير من الأحيان تصرفات يكون له فيها بعض الأحيان تصرفات يكون له فيها بعض التدبير من مثل التظاهر بالممانعة وهو يضمر الموافقة، ومن مثل إظهار التمسك بالشيء وهو يعزم البذل والسخاء به، أو من مثل الأمر لغيره بالكتمان لشيء إذا سئل عنه أو تحدث، أو من مثل قوله لآخر أو تظاهره هو: بأن يفعل مالا يجوز فعله ولا تحصيله وهو إنما يريد بذلك القول أو الأمر: اختبار الآخر، أو من أشباه هذه التصرفات التي يقصد بها دفع الأذى، أو تحصيل السلامة، أو إيصال الخير إلى الغير، أو جلب المصلحة، أو دفع المفسدة.

ويكون للمرء في تحصيل ذلك الأمر تدبير قولي أو فعلي، يحقق الغاية التي يبتغيها، وتكون الغاية مشروعة في ذاتها، والطريق التي يسلكها إليها من التلطف أو الحيلة، أو التدبير، أو حسن التأتي أو نحو ذلك، لا تجلب ظلماً على أحد، ولا تضيع حقاً خاصاً أو عاماً.

ويكون غاية ما في الأمر أنه أحسن السبيل إلى غايته المشروعة، أو تلطف بدفع الشر والأذى، وتجنبهما بوسيلته وحسن كياسته.

فهل مثل هذه التصرفات يجوز للإنسان سلوكها، إذا خلت عن ضرر أو إضرار؟ وما دليل جوازها إن كانت جائزة؟

هذا ما أردت بحثه في هذه السطور، وهو موضوع جديد بالنظر لمعرفتي، لم أره مجموعاً قبل في كتاب، ولا وقفت عليه مقعَّداً فيما بحثه فقهاؤنا رحمهم الله تعالى، فرأيت أن أجمع شواهده وأدلته من السنة المطهرة، لتكون هي الحكم والدليل، ومن الله أستمد السداد والرشاد، وهو سبحانه ولي التوفيق.

1 ـ روى مسلم في صحيحه في كتاب السلام(16/167) عن ابن أبي مليكة، أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما،قالت: كنت أخدم الزبير ـ زوجها ـ خدمة البيت، وكان له فرس، وكنت أسوسه، فلم يكن من الخدمة شيء أشدَّ عليَّ من سياسة الفرس، كنت أحتش له، وأقوم عليه، وأسوسه، قال: ثم إنها أصابت خادما،ً جاء النبي صلى الله عليه وسلم سَبْي فأعطاها خادماً. قالت: كفتني سياسة الفرس، فألقت عني مؤنته.

فجاءني رجل فقال: يا أم عبد الله إني رجل فقير، أردت أن أبيع في ظل دارك، قالت: إني إن رخصت لك أبى ذلك الزبير، فتعالى فاطلب إليَّ والزبير شاهد.

فجاء فقال: يا أم عبد الله إني رجل فقير أردت أن أبيع في ظل دارك،فقالت: مالك بالمدينة إلا داري؟ فقال لها الزبير: مالك أن تمنعي رجلاً فقيراً يبيع؟! فكان يبيع إلى أن كسب، فبعته الجارية، فدخل عليَّ الزبير وثمنها في حجري، فقال: هبيها لي، قالت: إني قد تصدقت بها".

قال النووي في شرح صحيح مسلم(16/167):" قولها في الفقير الذي استأذنها في أن يبيع في ظل دارها، وذكرت الحيلة في استرضاء الزبير. هذا فيه حسن الملاطفة في تحصيل المصالح، ومداراة أخلاق الناس في تتميم ذلك".

2 ـ وجاء في "صحيح مسلم" أيضاً، في كتاب الزكاة، في باب فضل النفقة على الأقربين والزوج ..(7/86ـ87):" عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تصدقن يا معشر النساء ولو من حُليكُنَّ، قالت: فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان ذلك يجزي عني، وإلا صرفتها إلى غيركم، قالت: فقال لي عبد الله: بل ائتيه أنتِ، قالت: فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتي حاجتها.

قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة، فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائْت رسول الله فأخبره، أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن.

فدخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هما ؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الزيانب؟ قال: امرأة عبد الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لهما أجران: أجر القرابة ،وأجر الصدقة.

قال النووي في شرح صحيح مسلم(7/87) :"قوله: ولا تخبر من نحن، ثم أخبر بهما، قد يقال: إنه إخلاف للوعد، وإفشاء للسر.

وجوابه: أنه عارض في ذلك جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجوابه واجب محتم لا يجوز تأخيره ولا يقدم عليه غيره، وقد تقرر أنه إذا تعارضت المصالح بدئ بأهمها".

3ـ وجاء في "مجمع الزوائد" للحافظ الهيثمي في كتاب المناقب في باب ما جاء في أبي موسى الأشعري رضي الله عنه(9/360) عن أنس قال: قعد أبو موسى في بيته، واجتمع إليه ناس، فأنشأ يقرأ عليهم القرآن، قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال: يا رسول الله ألا أعجبك من أبي موسى قعَدَ في بيت واجتمع إليه ناس، فأنشأ يقرأ عليهم القرآن.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتستطيع أن تقعدني حيث لا يراني أحد منهم؟.

قال : نعم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأقعده الرجل حيث لا يراه منهم أحد، فسمع قراءة أبي موسى فقال: إنه يقرأ على مزمار من مزامير آل داود، رواه أبو يعلى، وإسناده حسن.

4ـ وجاء في صحيح مسلم في كتاب الزهد في باب قصة أصحاب الأخدود(8/130) من حديث صهيب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليَّ غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر مَرَّ بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه.

فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني ـ أي: أخَّرني ـ أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر..." الحديث.

والشاهد منه: إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لما حكاه من تعليم الراهب للغلام أن يقوله في دفع غضب الساحر عليه، ودفع غضب أهله، لتأخره عن كل منهما، فدل على جواز ذلك، والله أعلم.

5ـ وروى البخاري في صحيحه في كتاب المناقب، في باب قصة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه(6/400)، وفي باب قصة زمزم(6/400) أيضاً، وفي باب إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه (7/132) وروى مسلم في صحيحه أيضاً في فضائل أبي ذر رضي الله عنه (16/32) واللفظ له:" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، قال لأخيه ـ أنيس ـ: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم ائتني.

فانطلق ـ أنيس ـ حتى قدم مكة وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يقول كلاماً ما هو بالشعر، فقال أبو ذر: ما شَفَيْتني فيما أردت.

فتزوَّد أبو ذر، وحمل شنة له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه الليل فاضطجع، فرآه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فعرف أنه غريب، ـ ودعاه إلى منزله ـ فتبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح.

ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم، ولا يرى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه فمرَّ به علي، فقال: ما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه فذهب به معه، ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان يوم الثالث فَعل مثل ذلك، فأقامه علي معه، ثم قال له: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لترشدني فعلت، ففعل فأخبره، فقال علي: فإنه حق، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أصحبت فاتبعني، فإن رأيت شيئاً أخاف عليك قمت كأني أريق الماءـ يعني كأنه يبول ـ فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي، ففعل، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه..." الحديث.

وجاء في رواية ثانية رواها البخاري (6/401):" قال له علي رضي الله عنه.... فاتبعني، أدخل حيث أدخل فإني إن رأيت أحداً أخافه علي، قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامض أنت...".

6 ـ وروى البخاري في صحيحه أيضاً في كتاب المناقب في باب قول الله تعالى:{ ووهبنا لداود سليمان نعْمَ العبد إنه أواب}، (6/334) وفي كتاب الفرائض في باب إذا ادَّعت المرأة ابناً (12/47)،ومسلم في صحيحه في كتاب الأقضية في باب اختلاف المجتهدين(12/18)،والنسائي في سننه في كتاب آداب القضاء، في باب السعة للحاكم في أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أفعل، ليستبين الحق(8/236) واللفظ له:

" عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: خرجت امرأتان معهما صبيان لهما، فعدا الذئب على إحداهما فأخذ ولدها، فأصبحتا تختصمان في الصبي الباقي إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى منهما، فمرتا على سليمان فقال: كيف أمركما؟ فقصَّتا عليه، فقال: ائتوني بالسكين أشق الغلام بينكما،

فقالت الصغرى، أتشقه؟ قال: نعم.

فقالت: لا تفعل، حظي منه لها، قال: هو ابنك فقضى به لها".

قال النووي في شرح صحيح مسلم(12/18) :"وسليمان عليه السلام توصَّل بطريق من الحيلة والملاطفة إلى معرفة باطن القضية، فأوهمهما أنه يريد قطعه، ليعرف من يشق عليه قطعه، فتكون هي أمه، فلما أرادت الكبرى قطعه عرف أنها ليست أمه.

فلما قالت الصغرى: ما قالت عرف أنها أمه، ولم يكن مراده أنه يقطعه حقيقة، وإنما أراد اختبار شفقتهما لتتميز له الأم، فلما تميزت بما ذكرت عرفها، ولعله استقر الكبرى فأقرت بعد ذلك به للصغرى، فحكم للصغرى بالإقرار لا بمجرَّد الشفقة المذكورة. قال العلماء: ومثل هذا يفعله الحكام ليتوصلوا به إلى حقيقة الصواب، بحيث إذا انفرد ذلك لم يتعلق به حكم".

7ـ وجاء في "زاد المعاد" لابن القيم(3/56) وهو يتحدث عن قدوم وفود العرب على النبي صلى الله عليه وسلم، وعن قدوم وفد ثقيف إليه، فقال ما ملخصه:

" قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يومئذ ستة، وفيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رأسهم، فأنزلهم في المسجد وبنى لهم خياماً، لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا، فمكثوا يختلفون إلى رسول الله وهو يدعوهم إلى الإسلام، فأسلموا وكاتبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أمرهم به ونهاهم عنه، ومنه: ترك الزنا، والربا، والخمر، وهدم اللات و العزى.

ولما رجعوا إلى قومهم أكرمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحباهم، فلما مضوا في طريقهم، قال كنانة لمن معه من الوفد: أنا أعلم الناس بثقيف فاكتموا القصة، وخوِّفوهم الحرب والقتال، وأخبروهم أن محمد سألنا أموراً أبيناها عليه، سألنا: أن نهدم اللات والعزى، وأن نحرم الخمر والزنا، وأن نبطل أموالنا في الربا.

فخرجت ثقيف حين دنا منهم الوفد يتلقونهم، فلما رأوهم قد ساروا العَنَق، وقطروا الإبل، وتغشَّوا ثيابهم كهيأة القوم قد حزنوا وكربوا ولم يرجعوا بخير، قال بعضهم لبعض: ما جاء وفدكم بخير، ولا رجعوا به، وترجَّل الوفد، وقصدوا اللات والعزى، كعادتهم قبل الإسلام، ثم رجع كلٌّ منهم إلى أهله.

وجاء كلاً منهم خاصَّته من ثقيف فسألوهم: ماذا جئتم به؟ وماذا رجعتم به؟ قالو: أتينا رجلاً فظاً غليظاً، يأخذ من أمره ما يشاء، قد ظهر بالسيف، وداخ له العرب ودان له الناس، فعرض علينا أموراً شداداً: هدم اللات والعزى، وترك الأموال في الربا، إلا رؤوس أموالكم، وحرَّم الخمر والزنا، فقالت ثقيف: والله لا نقبل هذا أبداً، فقال الوفد: أصلحوا السلاح، وتهيئوا للقتال، وتعبئوا له، ورمُّوا حصنكم.

فمكثت ثقيف بذلك يومين أو ثلاثة، يريدون القتال، ثم ألقى الله عز وجل في قلوبهم الرعب، وقالوا: والله ما لنا به طاقة، وقد داخ له العرب كلها، فارجعوا إليه فأعطوه ما سأل وصالحوه، فلما رأى الوفد أنهم قد رغبوا واختاروا الأمان على الخوف والحرب، قالوا: فإنا قد قاضيناه وأعطيناه ما أحببنا، وشرطنا ما أردنا، ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم، وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه عليه، فاقبلوا عافية الله، فقالت ثقيف: فلم كتمتمونا هذا الحديث وغممتمونا أشد الغم؟ قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان فأسلموا مكانهم...".

8ـ وقال نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما: خرجت مع عبد الله بن عمر في بعض نواحي المدينة، ومعه أصحاب له، فوضعوا سفرة لهم، فمرَّ بهم راعي غنم وهو عبدٌ أسود صغير السن، فقال عبد الله: هلم يا راعي فأصب من هذه السفرة، فقال: أنا صائم، فقال عبد الله: في مثل هذا اليوم الشديد حره؟ وأنت بين الشعاب والجبال في آثار هذه الغنم ترعى وأنت صائم؟.

فقال الراعي: نعم، أغتنم الأيام الفائتة للأيام الباقية، فتعجَّب ابن عمر، وقال: هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك نذبحها ونعطيك ثمنها؟ قال: إنها ليست لي، إنها لمولاي، فقال: إذا سألك مولاك عنها قل له: أكلها الذئب ( يختبر ابن عمر أمانته ) فمضى الراعي وهو يقول رافعاً إصبعه إلى السماء: فأين الله؟!!!.

فلم يزل ابن عمر يقول: فأين الله؟!!! ورجع ابن عمر إلى المدينة فبعث إلى سيده، فاشترى الراعي والغنم، وأعتق الراعي ووهب له الغنم. انتهى من "أخبار عبد الله بن عمر" المطبوع في آخر "أخبار عمر" للأستاذين علي الطنطاوي وناجي الطنطاوي ص 575، نقلاً عن "روض الأزهار".

9 ـ وجاء في "حلية الأولياء" لأبي نعيم الأصبهاني في ترجمة الإمام سفيان الثوري(7/8) قوله: حدثنا أبي، حدثنا القاسم ابن منده، حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا داود بن يحيى بن يمان، عن أبيه، عن سفيان الثوري قال: اصحب من شئت، ثم أغضبه، ثم دسَّ إليه من يسأله عنك".

فهذه النصوص وأمثالها دليل على جواز ما قدمت ذكره وبيانه، والله تعالى أعلم.

مجلة أضواء الشريعة

العدد الثالث المحرم سنة 1392


للتحميل اضغط هنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا