الاثنين 18 ذو الحجة 1440 - 19 أغسطس 2019

ليس للإنسان حياة خاصة وحياة عامة

الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 1096

ليس للإنسان حياة خاصة وحياة عامة

للأستاذ عبد الفتاح أبو غدة

إنَّ من أشد ما يضر بالمجتمع ويفتك بالأمة ويعجل بنهايتها أن تخطئ في فهم الحقائق وتضل في إدراك المقاييس الصحيحة، فينقلب لديها الحق باطلا والباطل حقاً ، وذلك أدهى المصائب وأعظم الكوارث في حياة الأمم والأفراد.

والإسلام الحنيف دين الله إلى الناس جميعاًَ، جاء يدعو إلى حقائق ثابتة، ومفاهيم واضحة، لا يختلف في حكمها بين فرد وآخر ومجتمع ومجتمع، فما حكم به أنه حق وفضيلة، فهو حق وفضيلة في كل عصر ومصر، وبالنظر إلى كل فرد من الناس، وما حكم أنه باطل ورذيلة، فهو باطل ورذيلة في كل زمان ومكان، وبالنظر إلى كل إنسان من البشر، وبهذا المقياس العدل المستقيم وحدَّ الإسلام مفاهيم السلوك الصحيح بين الأفراد جميعاً، وأعلن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الدستور بقوله: "الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى أو عمل صالح"، وأصبح الحكم للشخص بالأفضلية على غيره تابعاً لقوة تقواه وكثرة عمله الصالح ومتانة دينه، فمن كان أقوى ديناً وأكثر صلاحاً كان أرضى لله وأكرم عند الناس.

وعلى هذا فعماد التفاضل ومقياسه الحق هو الدين والعمل الصالح، وكلما قوي الدين في النفس حسن سلوكها، واستقامت تصرُّفاتها، وتضاعف خيرها على الفرد والمجتمع، ويشهد بهذا أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها قوله:"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لأهله"، ( رواه أبو داود والترمذي واللفظ له).

وقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله من الصحابة فقال: يا رسول الله الحياء من الدين؟ فقال صلى الله عليه وسلم:" بل هو الدين كله" ( رواه الطبراني كما في الترغيب للمنذري).

ومن أغرب ما أصيب به المجتمع اليوم: أن انتشرت بين كثير من شبابنا المتعلم آراء خاطئة، ونزعات إلحادية هادمة، تناقض كل دين، وتحارب كل عقيدة تؤمن بالله، وإن آخر ما سمعناه من هذا فلسفة جديدة ترمي إلى أن الدين أمر شخصي لا صلة له بحياة الإنسان العامة، وأن العمل بالدين يجب أن لا يتجاوز أعتاب المساجد والمعابد.

وإنه لمن المؤلم المحزن أن تنشر مثل هذه الآراء على الناس باسم العلم، وأن تنطلق بينهم باسم الحرية، ويقع في شباكها من يقع من شبابنا البرآء الاغرار.

إن مبدأ الفصل بين حياة خاصة وحياة عامة للإنسان هو مبدأ خاطئ في الدين وفي غير الدين، إذ لا يستسيغ العقل المجرَّد أن يتقبل أن يكون للإنسان حياة خاصة يستبيح فيها كل أمر، ويحلل نفسه فيها من كل قيد فيما بينه وبين نفسه وخلطائه، وحياة عامة يجب أن يستكمل فيها كل فضل. ويتصنع فيها أنواع النزاهة والاستقامة، ويتكلف ضروب النبل والشرف.

إن هذا المبدأ قائم على تجزئة الشخصية في الإنسان، وهي تجزئة باطلة ما يقرها الشرع ولا العقل أبداً، ذلك أن الإنسان هو الإنسان أينما كان، وأن النفس هي النفس حيثما وجدت، وإن من خطل الرأي وفساد المنطق أن نشطر المرء شطرين، وأن نوزع سلوكه على حياتين، فإن الفرد الذي لا يؤمن جانبه في حياته الخاصة ليس بخليق أن يوثق به في حياته العامة، وإن الخلق الضعيف يعلن عن نفسه في كل مكان وفي كل تصرُّف أينما كان صاحبه، في المنزل أو المدرسة أو المكتب أو المعمل أو المتجر، وإن جميع أعمال الإنسان تصدر عن النفس، وإنَّ النفس وحدة لا تتجزأ، والإنسان حينما يضعف إيمانه، وتضطرب عقيدته يفقد ذلك الشعاع الروحي الذي يكون له أطيب الأثر في أعماله كلها أيا كانت تجارية أو صناعية أو علمية أو دفاعية خاصَّة كانت أو عامة، لأن الدين من الحياة بمنزلة الشمس للدنيا والعافية للناس، وهو مصدر القوة والأمل، وإن الأديان السماوية الكريمة ترمي فيما ترمي إليه إلى الإيثار والمحبة والعدالة والإخلاص والنزاهة وحُسن التعاون وطيب المعاملة والرفق والإحسان حتى إلى الحيوان، فإذا ذهب هذا كله من حياة الإنسان الخاصة، فماذا يبقى لحياته العامة من مزايا وفضائل.

وعلى هذا فزعم أن للإنسان حياتين متميزتين، وأن الدين يجب أن يكون مقصوراً على الحياة الخاصة لا يتناول الحياة العامة، إنما هو زعم باطل ودعوى ضالة.

ولقد أعجبني ما كنت قرأته في كتاب لبعض رؤساء المعاهد العليا في بلادنا، إذ يقول فيه:" كان من عادة بعض ذوي الأعمال في انكلترا أنه كلما أراد أن يستخدم رجلاً في عمل عني فيما يعني به بمعرفة مبلغ استمساك ذلك الرجل بدينه وعقيدته".

ثم يقول في ذلك الكتاب:" إن انكلترا على رقيها المادي ومدنيتها وتقديسها للحرية الشخصية، ما زالت شديدة الحرص على عقيدتها وتقاليدها الدينية، إنها تفرض على أصحاب الحانات إقفالها في أوقات الصلاة من أيام الأحد، إنك لتجد الكنائس قد غصت بكبار القوم وعليتهم، على عكس ما ترى في بلادنا، إن كثيراً من الكيات والجامعات يقضي شطراً من يوم الأحد في إقامة محافل دينية يفرض على جميع الطلبة حضورها، وإن مدارس الأحد للأطفال جزء من النظام التهذيبي العام، وإن كثيراً من الأسر ولا سيما الراقية تفرض على أطفالها وشبابها الصلوات والدعوات قبل النوم وبعده، وقبيل كل طعام".

فيا أيها الناس إذا كان هؤلاء القوم مع ما أحرزوا من مدنية باهرة، وأوتوا من رقي مادي مشهود، وأطلقوا لأنفسهم من حرية واسعة عريضة، يحرصون هذا الحرص على شعائر الدين، ويربطون بين الدين والحياة في بلادهم، فكيف بنا نحن وقد آتانا الله ديناً قيماً جمع كل ألوان الخير للناس، وربط بين حياة الإنسان في بيته ومسجده ودكانه وإمارته، وما سمح له أن تختلف حياته في حال عن حال منها.

إنه لمن الواضح جداً أن هذا الدين الحنيف يمنع كل المنع أن يتخذ الإنسان لنفسه حياة خاصة يحلل فيها لنفسه ما يحرمه عليها في حياته العامة، ثم يتظاهر في حياته العامة بالأمانة والاستقامة واللطف والدماثة.

ويحضرني في هذا المقام حادثة وقعت في زمن سيدنا عمر رضي الله عنه، وفيها الحكم الواضح على فساد الحياة التي تقوم على مبدأ حياة خاصة وحياة عامة، وتلك الحادثة هي: أن عمر رضي الله عنه كان قد عهد لرجل بولاية على بعض البلدان ولاه عليها، فبينما الكاتب يكتب للرجل كتاب التولية، جاء صبي من صبيان عمر فجلس في حجر عمر رضي الله عنه، فجعل عمر يلاطفه ويداعبه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين لي عشرة أولاد مثله، ما دنا منهم أحد مني، فقال عمر: فما ذنبي إن كان الله عز وجل قد نزع الرحمة من قلبك، ثم قال للكاتب: مزق الكتاب فمزقه، ثم قال عمر: إذا لم يرحم الرجل أولاده فكيف يرحم رعيته؟.

وجاء في صحيح البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحسن بن علي رضي الله عنه وعنده الأقرع بن حابس، فقال له الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة زجر وإنكار ثم قال :" من لا يرحم لا يرحم".

فيا أيها الناس وحِّدوا حياتكم على الخير والتقوى، وحكموا سلوك المسجد في المتجر والمصنع والمدرسة والثكنة والمحكمة والبيت، واربطوا بين داخل المسجد وخارجه دائماً لتكونوا من الذين آمنوا واتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين.

مجلة ( حضارة الإسلام) العدد الأول

من السنة الخامسة(1384هـ ـ 1964م).


للتحميل اضغط هنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا