الجمعة 24 ربيع الأول 1441 - 22 نوفمبر 2019

مطوية عوامل السلامة من التفرق

السبت 11 ربيع الأول 1441 - 9 نوفمبر 2019 105 المؤلف : د.عبد القادر إدريس
مطوية عوامل السلامة من التفرق

إن الأمة الإسلامية تملك أسسا مشتركة تستطيع بها أن تجمع شتاتها وتوحد كلمتها.. فالغاية التي من أجلها خلق الله تعالى الإنسان واحدة، وهي: "عبادة الله عز وجل"، والقيادة التي توصلنا إلى تحقيق هذه الغاية واحدة، وهي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، والشريعة التي يحكم بها القائد ليتوصل بها لتحقيق الغاية واحدة، وهي شريعة الإسلام.

وإذا ما اتضحت هذه الحقيقة وتقررت في أذهان المسلمين فإنه يمكن أن تتحد كلمتهم وتجتمع صفوفهم. وتصبح الشعوب الإسلامية أمة واحدة تذوب فيها جميع الأجناس والتجمعات شعارها: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.

وفيما يلي بيان تفصيلي لعوامل الاجتماع والسلامة من التفرق المنبثقة من هذه الأصول.

أولاً: الاعتصام بالكتاب والسنة وما أجمع عليه علماء الأمة

يقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ وهذه الآية تضمنت أساليب بلاغية متعددة في الأمر بالاجتماع والنهي عن التفرق..

- فهي ابتدأت بالأمر بالتمسك بحبل الله مستخدمة أقوى صيغ التمسك وهي (الاعتصام) التي تفيد معنى التعلق بالشيء والتمسك به بقصد الاحتماء به عن المكاره وحصول النجاة من الأذى.

- وبيَّنت الجامع الذي تجتمع به الأمة وتتوحد عليه كلمتها، وهو كتاب الله، واصفة إياه بـ(الحبل) لأنه يوصل إلى المقصود بسير مستقيم لا اعوجاج فيه. قال صلى الله عليه وآله وسلم في حديث زيد بن أرقم: «أَلَا وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، هُوَ حَبْلُ اللهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ» [أخرجه مسلم في صحيحه (2408)]. فكأن الله تعالى يمد الحبل من عنده لينقذ الناس من ظلمات الجهل والكفر والفرقة إلى نور التوحيد والوحدة(1).

- ثم بيَّنت صفة مهمة في هذا الاعتصام، وهو أن يكون مع اجتماع واتحاد، فليس المقصود الأمر باعتصام كل مسلم منفردًا، ولذلك قال: (جميعًا) أي: تجتمعون عليه كلكم، ولا يتخلف منكم أحد.

- ثم زادت في المبالغة بهذا الأمر بالنهي عن ضده في قوله سبحانه: (ولا تفرقوا).

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: « إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا؛ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلاَّهُ اللهُ أَمْرَكُمْ» [أخرجه مالك في الموطأ (3632)، ومسلم في صحيحه (1715)].

ويتحقق الاعتصام بالكتاب والسنة في المعالم التالية:

- توحيد لله سبحانه وعبادته وحده لا شريك، ونبذ جميع مظاهر الشرك والتعلق.

- اعتبارهما المصدر الوحيد لتلقي التشريع ووضع القوانين، وبناء الاجتهادات البشرية وفق قواعدهما وأصولهما الكلية.

- التحاكم إليهما عند الاختلاف، والرضا بما في الكتاب والسنة من حدود بين الحلال والحرام.

- إبطال مظاهر التعصب للأشخاص والجماعات والقبائل وغير ذلك، وتوحيد جهة واحدة للولاء والبراء وهي "الدين".

- إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي هي أقوى معالم الأخوة في الدين والتواصي على البر والتقوى، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

- الحرص على مظاهر الجماعة التي شرعها لنا الله تعالى ورسوله، فمن ذلك: 

o الصلاةُ التي تنوعت تشريعاتها لتحقق لاجتماع بين المسلمين، كل يوم، وكل أسبوع، وكل عام.

o الزكاة التي تُمثِّلُ التكافُل الاجتماعي، ومعاني التراحُم والتعاطُف.

o صيامُ رمضان الذي يُوحِّدُ الأمةَ بأعماله في ليلِه ونهارِه. 

o الحجُّ الذي بمثابة الالتقاء السنوي بين المسلمين من بُلدان عدَّة وأجناسٍ شتَّى.

ثانيًا: استشعار نعمة الله علينا بتحقيق دوافع الاتفاق

قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. ومقتضى هذا أمران: أحدهما: شكر لله تعالى على هذه النعمة، وقد وعد الله سبحانه بالمزيد على شكر النعم، والثاني: العمل على المحافظة والرعاية لهذه النعمة، وتجنيبها أسباب الزوال.

ولعظمة هذه النعمة أشار الله تعالى إلى صعوبة تحقيقها، وأنه لا يمكن أن ينجح أحد في تحقيق الاجتماع بين الناس والتأليف بينهم بغير معونة الله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ولذلك لما خطبَ النبي صلى الله عليه وسلم في الأنصار في غزوة حنين، يذكرهم بنعم الله عليهم مما هو أعظم مما فاتهم من الغنائم، فقال لهم: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي»، ولذلك كانوا يجبونه بقولهم: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. [متفق عليه، البخاري (4330) ومسلم (1061)].

ثالثًا: العمل على منع أسباب التفرق.

إن العمل على تلافي أسباب التفرق والتحرز منها من الأهمية بمكان؛ لأنه يعتبر وسيلة احترازية لحماية الجهود المبذولة في تحقيق الاجتماع والاتحاد، ومن قبيل الوقاية من الداء قبل نزوله، فمن ذلك:

1. الحذر والترقب لكيد الأعداء:

فاجتماع كلمة المسلمين وتوحد كلمتهم وقيامهم على صف واحد من أعظم ما يغيظ أعداء الله، ويورث الرهبة في قلوبهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾، وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور: "أَن شَاس بن قيس الْيَهُودِيّ -وَكَانَ عَظِيم الْكفْر شَدِيد الْعَدَاوَة للْمُسلمين- مرَّ يَوْمًا عَلَى نفر من الْأَنْصَار من الْأَوْس والخزرج فِي مجْلِس يتحدثون، فَغَاظَهُ ذَلِك حَيْثُ تآلفوا واجتمعوا بعد الْعَدَاوَة، فَأمر شَابًّا من الْيَهُود أَن يجلس إِلَيْهِم وَيذكِّرَهُمْ يَوْم بُعَاث، وينشدهم مَا قيل فِيهِ من الْأَشْعَار، وَكَانَ يَوْمًا اقْتتلَتْ فِيهِ الْأَوْس والخزرج، فَفعل فَتَشَاجَرَ الْقَوْم، وَتَنَازَعُوا، وَقَالُوا: السِّلَاح! السِّلَاح! فَبلغ النَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم فَخرج إِلَيْهِم فِيمَن مَعَه من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فَقَالَ: أَتَدعُونَ بدعوى الْجَاهِلِيَّة وَأَنا بَين أظْهركُم، بعد إِذْ أكْرمكُم الله بِالْإِسْلَامِ وَقطع بِهِ عَنْكُم أَمر الْجَاهِلِيَّة، وَألف بَيْنكُم! فَعرف الْقَوْم أَنه نَزغة من الشَّيْطَان وَكيد من عدوهم فَألْقوا السِّلَاح وَبكوا وَعَانَقَ بَعضهم بَعْضًا ثمَّ انصرفوا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وآله وسلم ".

2. نشر الوعي بأهمية الوحدة والاجتماع:

إن الإعلام اليوم هو الأداة الأولى للتأثير في العقول؛ لأنه يدخل كل بيت، ويصل إلى كل فرد، ولا تحول دونه الحوائل والموانع. 

فحينما تستثمر هذه الأداة لنشر ثقافة الوحدة والاجتماع فإنها تكوِّن في النفوس مناعة قوية ضد عوامل الهدم وخطط التفرق التي يُعِدها لنا الأعداء، وتُنشئ داخل نفوس المجتمع حصانة دون القيام بأي عمل من شأنه تفريق الكلمة وشق الصف.

وليست وسائل الإعلام هي الوسيلة الوحيدة لنشر الوعي، فهناك المجامع العلمية، من المدارس والجامعات والمعاهد، وهناك النوادي الثقافية، وخطب الجمع ودروس المساجد، والكتب، والمقالات الصحفية، وغيرها. وعلى الغيورين من النخب العلمية من العلماء والدعاة وأهل الفكر والإصلاح تقع المسؤولية في القيام بهذه التوعية، وتفقد الحصانة الفكرية في المجتمع تجاه الأفكار الهدامة.

3. إبطال مظاهر التفرقة وإلغاؤها

وذلك بالمنع من أي تقسيم مبني على أسس عرقية أو طائفية أو مذهبية، وأن أي اختلاف بين الناس في مذهبهم العقدي أو قبيلتهم أو جنسهم لا يسمح بأن يؤسس عليه أي نشاط عام، أو يقسم المجتمع بناء عليه، بحيث يكون هذا التقسيم مانعًا للغير من مشاركتهم فيه. وذلك لأن أي حق يشترك فيه الناس عامة بحكم وجودهم في البلد الواحد فلا يجوز احتكاره على طائفة معينة أو طبقة معينة من المجتمع.

ما لم يكن هذا الاجتماع أو النشاط الخاص يحقق الترابط بين أفراد هذا الصنف أو القبيلة فلا مانع منه.

4. إنشاء المؤسسات والروابط الجامعة

فلا بد من أجل المحافظة على مكتسبات اجتماعنا وتوحدنا أن ننشئ المؤسسات التي توثق هذا الاجتماع، وتظهره وتعلنه أمام المجتمع الذي سيكون شاهدًا عليه حاميا له من محاولات إفشاله التي سيكيدها أعداء المجتمع وعملاء الأعداء.

فمثلا.. يكون للعلماء رابطة وللأدباء رابطة ولأصحاب المهن رابطة، وهكذا.

ويجب أن يكون المقصد من هذه المؤسسات تكوين كيان يمثل فئة من المجتمع يجمعهم جامع معين على اتخاذ رأي واحد في أمور الأمة العامة بطريق التشاور والنظر الجماعي في المصالح والمفاسد، وهو بذلك يمنعهم من الوقوع في الزلل والخطأ بانفراد كل منهم برأيه دون الرجوع والاستعانة بإخوانه.

رابعًا: طاعة أولي الأمر ومن يُعيَّن قائدًا أو أميرا على جماعة:

لما كانت أعراف الناس مختلفة، وأفهامهم متباينة، ولما كانت آراؤهم متأثرة بمؤثرات متعددة فإن مظنة وقوع الاختلاف في كل مجتمع بشري كبيرة جدًا، ولذلك أخبر الله تعالى عن وقوع اختلاف الناس في أهم أمر، وهو العقيدة، فما بالك بغيره.

فإذا كان ذلك كذلك فمن الضروري لاستقامة أحوال الناس أن يعينوا أميرًا عليهم، يدينون له بالسمع والطاعة، ولذلك قرن الله تعالى طاعة ولي الأمر بطاعته وطاعة رسوله، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وجعل رد الأمر إلى ولاة الأمر سبيلاً للسلامة من التنازع والاختلاف، قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وذلك كله لما في عدم الائتمار بأمر الأمير والحاكم من إشاعة الفوضى وفساد الحال وضياع الحقوق وتسلط الأقوياء على الضعفاء وانتهاك الأعراض، وقد قال القائل:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا

خامسًا: التشاور:

تشاور الحاكم مع أهل الحل والعقد، وتشاور المدير العام مع رؤساء الأقسام في مؤسسته، وتشاور العاملين في الفريق الواحد، وهكذا متى كان القرار في هذه المجتمعات يصدر عن استطلاع للآراء والرؤى كان ذلك عصمة لهذه المؤسسة من الاختلاف، قال ابن عاشور في التحرير والتنوير: "النهي عن التنازع يقتضي الأمر بتحصيل أسباب ذلك: بالتفاهم والتشاور، ومراجعة بعضهم بعضا، حتى يصدروا عن رأي واحد، فإن تنازعوا في شيء رجعوا إلى أمرائهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾. وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾". 

وإنما كانت الشورى عصمة للمجتمع من التفرق والاختلاف لأنها تجعل مسؤولية القرار موزعة على الجميع دون أن يتحملها فرد استأثر القرار بنفسه دون مراجعة ومشاورة، فهي تحمِّل الجميع مسؤولية الإخلاص في النصح وإبداء الرأي، فضلاً عن كونها مفضية للوصول إلى الرأي السديد وموصلةً للحق. كما أنها تجعل المسلم يتميز بالحس البليغ المرهف على مصالح أمته ودينه ووطنه.

سادسًا: الاحتساب على من يسعى على تفريق الصف.

لا يعرف نعمة الجماعة والاجتماع من لم يتجرع مرارة التفرق والاختلاف، ولذلك ربما نجد من سفهاء المجتمع أو صغار العقول من لا يُقدِّر هذه النعمة، فيقع منهم ما يثير الفتن والنزعات، فيجب الأخذ على أيديهم بحزم وقوة، ومعاملتهم بما يقع به ردعهم وزجر غيرهم عن مثل هذا الفعل.

وقد روى أبو القاسم المصري: أن صبيغًا العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين، يريد بذلك إثارة الشبهات حوله ويفرق المسلمين المجتمعين عليه، فأحضره عمر، وأرسل إلى رطائب الجريد، فضربه بها حتى ترك ظهره دبرَه، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد لضربه، ثم تركه حتى برأ، ثم دعا به ليعود له، فقال صبيغ: يا أمير المؤمنين، إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برأت، فأذن له إلى أرضه. ثم صلح حاله بعد ذلك.


للتحميل اضغط هنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا