الأحد 22 محرم 1441 - 22 سبتمبر 2019

مشكلات الأسرة السورية في ظل الهجرة والنزوح

السبت 7 محرم 1441 - 7 سبتمبر 2019 158 المؤلف : أحمد حوى بإشراف اللجنة العلمية العليا
مشكلات الأسرة السورية في ظل الهجرة والنزوح

بسم الله الرحمن الرحيم

مشكلات الأسرة السورية في ظل الهجرة و النزوح 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن المتابع لحال الثورة السورية المباركة نسأل الله أن يكللها بالنصر- يرى أن مسؤولية كل واعية وداعية أن يقلص من المشكلات التي ألمَّت بهذا الشعب المظلوم ما استطاع فالبحث عن الحلول من أوجب الواجبات ومن أنفس ما تقضى به الأوقات ونحن في هذه العجالة نحاول أن نعرض المشكلة ونحاول جاهدين أن نقترح حلولا ونصائح مناسبة لها، وقد تتكرر بعض الحلول تبعاً لتعدد المشكلة وتنوعها.

مشكلات الأسرة السورية في ظل الهجرة والنزوح

لاشك أن الثورة وما تبعها من نزوح وهجرة أفرزت الكثير من الأعباء والإشكالات في واقع الناس وحياتهم، وخصوصاً فيما يتصل بالجانب الأسري. 

وفيما يلي محاولة لاستقراء أهم الحالات والإشكالات التي رصدناها في واقع الأسرة السورية المهاجرة وخصوصاً في تركيا وكثير منها يتكرر في واقع المرأة المهاجرة إلى الدول الغربية. 

ونريد في هذه الورقة أن نقدم بعض النصائح والحلول والمقترحات لبعض الحالات والإشكالات لعل الله ينفع بها أو يدفع بعض المشكلات قبل وقوعها. وليس الغرض هو الدخول في تفصيلات الأقوال الفقهية إنما انتقاء ما يمكن الاستفادة منه من أقوال الفقهاء.

أهم المشكلات :

يمكن ذكر أهم المشكلات وما يناسبها من حلول في المحاور التالية: 

1- غياب التوثيق القانوني لكثير من واقعات الأسرة السورية: تجد الكثير من عقود الزواج لم توثق وحتى واقعات الولادة، وهذا يعني أن الزوجة لن تستطيع إثبات حقها أو الترافع في أي قضية خلافية إلى جهة قضائية، وربما يكون هذا سببا لتمادي الزوج في بعض الحالات في الظلم أو أكل الحقوق.

الحل المقترح: والذي ننصح به هو الحرص على التوثيق الشرعي ولو في أدنى صوره لحفظ الحقوق والأنساب، وقد يكون من الحلول أن تشترط الزوجة أن يفوض لها أمرها (وهذا المعروف عند الناس بأن تكون العصمة بيدها، وهذا لا يعني أن يفقد الزوج حقه في الطلاق) ويمكن أن يؤقَّت هذا الشرط إلى حين التوثيق الرسمي لعقد الزواج، أو إلى أي أجل يتفقان عليه ترى الزوجة أن لها مصلحة فيه. 

2- فقدان الوثائق وعدم القدرة على استصدارها بشكل رسمي: فقدان الأوراق الرسمية يعني عدم القدرة على توثيق الواقعات، وربما يزيد الأمر سوءاً وقوع الناس ضحية لألاعيب المزورين، فالوثائق المزورة غير مقبولة في الدوائر الرسمية فضلاً عن التبعات القانونية لاستخدام وثائق مزورة.

الحل المقترح: وهنا ننصح بالتوثيق الشرعي ولو في حده الأدنى، وننصح بأن تسجل الأم مولودها في تركيا والبلاد الغربية ولو لم تملك وثيقة عقد الزواج، وللأب أن يسجل أنه والد لهذا الولد في تركيا وفي البلاد الغربية عموما حتى لو لم يُحضرِ الزوجان وثيقة عقد الزواج فالقانون يسجل الأولاد إذا اتفق الأبوان على أنه ابنهما.

3- اختلاف الجنسية بين الزوجين: قد يحصل عقد زواج بين زوجين أحدهما من سوريا والآخر من تركيا، وقد لاحظنا حدوث عدة إشكالات بين الزوجين لاختلاف العادات والتقاليد حتى مع تديُّن الزوجين، ولاحظنا بعض الإشكالات بسبب اتّباع العواطف والغفلة عن التبعات القانونية للزواج والطلاق في تركيا.

الحل المقترح:

- ننصح بألا يتم هذا الزواج الا بعد معرفة كل من الطرفين للآخر ولعاداته والتأكد من سلامة دينه.

- وننصح بالاطلاع على الآثار القانونية للزواج والطلاق في تركيا.

- وننصح بعمل اتفاق مالي مسبق عند كاتب العدل قبل الزواج؛ لحفظ الحقوق والوعود والالتزامات؛ ولبيان التبعات المالية من حيث النفقة حال قيام الزوجية أو في حال حصول الطلاق لا سمح الله.

- وننصح باستشارة بعض القانونيين المطَّلعين على القانون التركي. 

- نؤكد على ضرورة توثيق الزواج بشكل رسمي. وننبه أن العقد الرسمي قد لا يحقق متطلبات العقد الشرعي، لذا نؤكد على ضرورة إجراء عقد الزواج الشرعي، وإن كانت هناك خشية من تضييع الحقوق ننصح أن يكون عقد الزواج الشرعي بعد العقد الرسمي، أي بعد أن يتم التوثيق الذي يحفظ الحقوق من الناحية القانونية.

4- زواج القاصرات: لسنا مع من ذهب إلى جواز تزويج الصغيرة، ولكننا نعالج مشكلة واقعية فهناك حالات كثيرة تتزوج فيها الفتاة البالغة التي لم تصل بعد إلى السن القانوني المطلوب في البلاد الغربية وفي تركيا، ويترتب على هذا مشكلة ومسؤولية قانونية على الزوج والولي، وقد تكون المشكلة أهون إن تم إثبات أن الزواج كان في سوريا، ولكن المشكلة ستكون كبيرة إن تم الزواج في تركيا فعلاً.

الحل المقترح: ننصح بعدم تزويج الفتيات دون السن القانوني المطلوب في تركيا والبلاد الغربية إلا لضرورة على أن تتخذ الإجراءات اللازمة لحفظ الحقوق، ويمكن لمن أراد أن يتزوج بفتاة دون السنّ القانوني أن يسافر بإجازة إلى سورية ويتزوج هناك في المناطق المحررة، وننصح هنا بتأخير الحمل إلى حين بلوغ السن القانوني. 

5- الزواج الثاني في تركيا: نقصد بالزواج الثاني: الزواج الذي تتحقق فيه الشروط الشرعية لا الزواج العرفي الذي يفتقد الى الشروط الشرعية، فإذا علمنا هذا فإن كثيراً من البلاد الغربية تمنع الزواج الثاني ولا تسجله، وهذا يعني ضياع الحقوق؛ لعدم التوثيق، ومن المشكلات التي رصدناها في باب الزواج الثاني حرص الزوج على كتمان الزواج الثاني وهذا سيعني بالضرورة ضياع الحقوق وضعف المرأة عن المطالبة بحقوقها أو حتى إثباتها، وخصوصاً إن كانت هي قد كتمت عن أهلها هذا الزواج (وقول الحنفية في جواز تزويج الفتاة البالغة نفسها لا نفتي به إلا لضرورة).

الحل المقترح: وننصح هنا باشتراط العصمة بيد الزوجة؛ لأنها قد تضطر للفراق ولا يسعفها القضاء، وننصح بالحرص على تسجيل المواليد حتى لا تضيع حقوقهم ولإثبات نسبهم، كما نقترح على من أراد الزواج الثاني أن ينزل بإجازة ويتزوج داخل الأراضي السورية فقد منحت السلطات التركية هوية لاجئ (كملك) لمن كان لديهم أكثر من زوجة. وفي الجملة فإن موضوع الزواج الثاني يحتاج إلى مزيد من التأني والتبصر بالعواقب كما يحتاج إلى مزيد من التوعية لضمان الحقوق والالتزامات المالية وغيرها. وفي حال كتمان الزواج لضرورة ما (بما لا يخل بالشروط الشرعية) ننصح إضافة لما سبق في مثل هذه الحالة أن تشترط الزوجة بقاء العصمة بيدها لتستطيع الفكاك إن اضطرت. 

6- غيبة الزوج الطويلة أو الفقد: وهذه الحالات قد تجد لها سبيلاً عند القضاء الشرعي في بلادنا، و هذا لا يتحقق في البلاد التي تعمل بالقوانين الوضعية وخصوصاً عند فقد الوثائق التي تثبت الزواج.

الحل المقترح: قد يكون الحل الوحيد في مثل هذه الحالة اللجوء إلى توكيل من يتولى القضية في الداخل السوري، وفي كل حال ننصح بمراجعة مراكز الإصلاح الأسري التي ترعاها رابطتنا في مراكزها الدعوية في بعض المناطق في تركية. 

7- عدم وجود قضاء شرعي في تركيا وعموم البلاد الغربية: هناك حالات عديدة تحتاج إلى القضاء الشرعي كحالات التعليق أو العَضْل أو الامتناع عن النفقة أو العنف أو الايذاء وغيره مما يحتاج إلى القضاء لدفع الضرر.

الحل المقترح: وهنا ننصح باللجوء إلى مراكز الإصلاح الأسري، أو إلى تحكيم الحَكَمَيْنِ كما شرعه الله تعالى، ولا ننصح باللجوء إلى القضاء الوضعي إلا للضرورة أو لتحصيل حق تعذر تحصيله إلا باللجوء إليه وبشرط ألا نأخذ أكثر من حقنا، وعلى أن نرجع للحكم الشرعي بعد الحكم القضائي، ويمكن الاطلاع على فتوى المجلس الإسلامي السوري على موقع المجلس في الانترنت – قسم الفتاوى – فتوى "التقاضي لمحاكم غير إسلامية في قضايا الطلاق".

وفي جميع هذه الحالات ننصح الأزواج ألا يدَعوا الأمور لتصل إلى القضاء وليفتشوا عن حل يرضي الله تعالى ويعصم من الوقوع في الحرام. 

8- وجود المحتالين والمنتفعين بغير حق: لقد وجدنا الكثيرين ممن يدَّعون أنهم يُطَلِّقون ويُزوِّجون ويزعمون أنهم مخوَّلون بهذا، ووجدنا الكثير من الفتاوى الباطلة.

الحل المقترح: نؤكد على ضرورة الرجوع إلى الثِّقات من أهل العلم، وأن يقوم أهل العلم بدورهم في التوعية والتحذير من المحتالين والمدَّعين وبيان أن ما يصدر عن غير سلطة مخولة شرعاً بالقضاء والافتاء قد يكون باطلاً وأنه لا يُحل حراماً، و لنتذكر جميعاً أن مسائل الفروج والأبضاع والأنساب هي من أخطر المسائل وحفظها من الضروريات الخمس التي أجمعت على وجوب حفظها الأديان فضلاً عن إجماع المسلمين بجميع مذاهبهم وطوائفهم.

9- طول مدة الخطوبة والعقد وتأخر الزواج: نجد كثيراً من الحالات التي تطول بها مدّة الخطوبة أو اجتماع الزوجين تحت سقف واحد بعد عقد القران إما لتعذر الاجتماع في بلد واحد أو لعدم المقدرة المادِّية للزوج أو لغير ذلك من الأسباب؛ فيترتب على ذلك مفاسد كثيرة.

الحل المقترح: ننصح أن لا يتم العقد عند الخوف من وجود هذا الاحتمال إلا مع شرط بقاء العصمة في يد الفتاة إلى حين التئام الشمل.

10- الجهل بالحكم الشرعي: لقد عمَّ الجهل بين المسلمين في أحكام الطلاق وأيمان الطلاق بل إن مسائله تشكل على بعض أهل العلم وطلبته فضلاً عن العوام.

الحل المقترح: نؤكد هنا أن الواجب الشرعي يملي على كل من الزوجين التفقه في هذه الأحكام والرجوع إلى أهل العلم الثقات عند كل نازلة وعدم الاستهانة بكلام أو يمين قد يجعل العلاقة محرمة بين الزوجين، ويمنع ثبوت نسب الأولاد للزوج، وننصح بعدم السعي وراء المنتفعين الذين يأخذون مبلغاً مالياً مقابل إرجاع الزوجين بعد أي طلاق، بل ونحذر من هؤلاء، فقد ثبت أن بعض المحتالين تقمّصوا قميص الشرع للتكسب بالدين وإن فتياهم الباطلة لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً فينبغي التثبت من الأشخاص ويستحسن أن يكون المفتي تابعا لمؤسسة معروفة.

[تنبيه مهم]

ومما يلحق بمحور الجهل بالحكم الشرعي نظرة المجتمع إلى المرأة التي ابتليت واغتصبت قهراً وجبراً عنها، فهذه المرأة مبتلاه وتحتاج إلى الرعاية والحماية ولا يجوز الاعتداء عليها بالقتل أو التعزير أو الإساءة، كما لا يجوز إسقاط جنينها من غير عذر معتبر إذا تخلق في بطنها وخصوصاً بعد نفخ الروح، وننصح بالرجوع إلى أهل العلم الثقات لتفصيل المسألة. 

11- ضياع الأولاد: قد يضيع الأولاد بسبب الفراق أو الغيبة أو عدم وجود الأب وهذا قد يكون اختياريًّا وقد يكون قسريًّا.

الحل المقترح: إننا نؤكد على الآباء أن يتقوا الله في أولادهم، وأن يعلموا أنهم مسؤولون عنهم وعن تربيتهم وحمايتهم، وحتى لو اضطر الزوجان للفراق لسبب أو لآخر فعليهم أن يرتبوا الظروف التي تحفظ سلامة نفسية الأولاد وسلامة دينهم، ومن ابتليت بزوج غائب أو لا مبال فعليها أن تحفظ أولادها من خلال التواصل مع مراكز الرعاية الموثوقة والمراكز الدينية التي يقوم عليها الثقات الأمناء فقد ثبت لدينا من خلال التجربة أن كثيراً من الأبناء الذين تربَّو بالمحاضن التربوية قد اكتسبوا من الخلق والدين والأدب والعلم أكثر من كثير من ذوي الآباء الذين لا يبالون بتربية أبنائهم.

وأخيراً نسأل الله تعالى الحفظ لأهلنا والفرج لشعبنا إنه نعم المولى ونعم النصير وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين.


للتحميل اضغط هنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا