الجمعة 7 ذو القعدة 1439 - 20 يوليو 2018

الذكرى الخمسون لوفاة والدي الشيخ محمد جميل العقاد رحمه الله تعالى.

الأحد 8 رجب 1439 - 25 مارس 2018 319 كاتب الترجمة : الأستاذ محمد رائد عقاد 
الذكرى الخمسون لوفاة والدي الشيخ محمد جميل العقاد رحمه الله تعالى.

في مثل هذه الايام وقبل خمسين عاما وفي يوم الاثنين الموافق /١٩/ ذي الحجه عام /١٣٨٧هجري/الموافق /٢١/ اذار عام /١٩٦٨ ميلادي/ أفل نجم من نجوم الدعوة إلى الله وعلم من أعلام الهداية والإرشاد في حلب الشهباء، فلقد غيب الثرى الشيخ محمد جميل العقادعن عمر يناهز السبعين عاما قضاها في الدعوة والهداية والوعظ والإرشاد وها أنذا أعيد بعضا من النقاط الهامة في حياته رحمه الله لتكون نبراساً لطلاب العلم يستضيؤون به بعد انوار الرسول الاعظم حيث العلماء هم ورثة الانبياء.

لقد نشأ والدي في بيت علم وتقى ودين فقد كان والده الشيخ محمد ياسين العقاد اماماً وخطيباً معينا بموجب براءة سلطانية من قبل السلطان الغازي عبد المجيد ، فنهل من والده الكثير من الاداب والعلوم الشرعية واللغوية مما خوله ليكون معلماً في المدرسة الفاروقية في حلب والتي تخرج منها كبار وجهاء حلب فيما بعد وقد زامل فيها الشيخ المؤرخ الحلبي راغب الطباخ كونهما معلمين في مدرسة واحدة.

ثم غادر حلب متوجهاً الى الازهر الشريف في مصر عام/١٩٢٢/ليكمل علومه ويغترف من نبع الازهر الكثير من العلوم والمعارف، ومكث في مصر اربعة عشر عاما متواصلة صبغته بالصبغة المصرية علما ونطقا وخفة دم 

كان فيها طالباً في الازهر وداعيا الى الله في القرى والارياف المصرية وفتح الله عليه ابواب هداية العشرات من الاقباط الذين كانو يتابعون محاضراته ومناقشاته في الجوامع والجمعيات فاعتنق الاسلام على يديه سبع وعشرون قبطياً كان اولهم شماساً في الكنيسة واخرهم قساً راهباً قبطياً وكان اغلبهم من مديرية الفيوم المصرية، مما اثار سخط بعض القيادات القبطية فاحتجوا لدى وزير الداخلية مطالبين بترحيل الشيخ العقاد الى بلده حلب فسألهم الوزير عدة اسئلة حول طريقة اقناعه فاجابوا بانه لم يستخدم معهم اياً من اساليب الدجل والاغراء اوالضغط فاقتنعوا وخرجوا صاغرين.

لقد تتلمذ والدي في الازهر الشريف على ايادي ثلة من كبار الاساتذة وشيوخ الازهر امثال :

الشيخ الخضر الحسين ، الشيخ محمد بخيت المطيعي ، الشيخ احمد مصطفى المراغي ، الشيخ عبد الخالق عمر ، الشيخ محمد عبد المطلب ، الشيخ عيسى منون ، الشيخ عيسى سلامه ، الشيخ عبد السلام شرف ، الشيخ محمود مصطفى رحمهم الله ونال من الازهر الشريف الشهادات التالية :

١) شهادة الاهليه للغرباء عام /١٣٤٥ هجري و ١٩٢٧ ميلادي.

٢) شهادة العالميه للغرباء عام / ١٣٤٧-١٩٢٩.

٣) شهادة الاستماع بقسم التخصص شعبة البلاغة عام /١٣٤٩ - ١٩٣٠ 

وهذه الشهادات في الاختصاصات التاليه :

الفقه ، اصول الفقه ، التفسير ، الحديث ، مصطلح الحديث ، التوحيد ،النحو ، الصرف ،المعاني ، البديع ، المنطق ،البلاغه. 

وقد ترافقت فترة دراسته فترة ظهور شذوذ الاديب طه حسين فقاد والدي رحمه الله المظاهرات المطالبة باقالته ومحاكمته واحراق كتبه الملحدة وقد استمرت معاداته له حتى بعد عودة والدي الى حلب وقد نظم بحقه قصيدة هجاء ومعاداة له موجودة في ديوانه المطبوع.

وفي عام /١٩٣٦/عاد الى وطنه سوريا فعين مدرساً في ثانويات حلب وخطيباً في الجامع الاموي الكبير في حلب واستمر في ذلك حتى وفاته رحمه الله.

كان صاحب مدرسة خاصة في الوعظ والارشاد يخطب ارتجالاً بدون ورق او قلم تستغرق خطبته خمس عشرة دقيقة تشتمل على اية واحدة فقط وحديث واحد فقط يكررهما ثلاثاً ليسهل حفظها حتى على الاميين بعد شرحهما واستنتاج النتائج منهما ثم يطلب نشرها وتوزيعهاكلّ في مكانه وعمله ويقول: بلغوا عني ولو ايه وربّ مبلغ اوعى من سامع ويقول: دخل خطيب واحد فليخرج كل منكم خطيب

كان يتناوب الخطبة في الجامع الكبير مع الشيخ محمد الحكيم رحمه الله مفتي حلب السابق 

كان يتجول خطابة ووعظاً وتدريساً لوجه الله في جميع جوامع ومساجد ومصليات حلب وفي كل الاوقات.

كان اول من دخل السجون والاصلاحيات بقصد الوعظ والارشاد وهداية المساجين.

كان يتجول وعظا وارشاداً في الارياف والقرى ومصلحاً اجتماعياً.

كان يستغل المناسبات الاجتماعية والدينية والوطنية للوعظ والارشاد

كانت له موهبة شعرية فريدة فنظم القصائدفي كل المناسبات الدينية والوطنية والاجتماعية وقد جمعت قصائده في ديوان شعري يضم قرابة خمسة الاف بيت من الشعر متعددة الاغراض والاتجاهات وقد قام الاستاذ محمد عدنان كاتبي بتحقيقه وشرحه والتعريف باعلامه وقام الدكتور عصام قصبجي بدراسة عروضه في كتاب عنوانه:

"ديوان العلامة الشيخ محمد جميل العقاد"

وهو من اصدار مكتبة فصلت بحلب 

ثم اصدرت انا كتاباً عن سيرته وحياته ومواقف متعددة في حياته بعنوان:

الشيخ محمد جميل العقاد. -سيرة ومواقف

وهو من اصدار مطبعة الريان للسيد عبد الغفور كرزون.

ضمنته تفصيلاً لحياته ومواقفاً من حياته وشهادات للعديد من طلابه الذين تخرجوا من بين يديه حيث كتب كل منهم صلاته بالوالد وذكرياته معه اذكر منهم :

الاستاذ الدكتور الشيخ فوزي فيض الله الاستاذ في كليات الشريعه.

الاستاذ الدكتور عبد الرحمن عطبه المفكر العربي.

الاستاذ الدكتور عمر دقاق عميد كلية اللغة العربية. 

الاستاذ الدكتور عادل عاقل عميد كلية الاقتصاد بحلب والخبير لدى الامم المتحدة.

الاستاذ الاديب فاضل السباعي.

الاستاذ الدكتور عبد الله عبد الدايم الوزير السابق.

الدكتور احمد الخراط المستشار بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

الاستاذ الاديب محمد جهاد الكاتب. 

الاستاذ الدكتور محمد خير الدين مسكون. 

الاستاذ المستشار محمد شهير ارسلان. وشقيقه الاستاذ المحامي فاتح ارسلان. 

الاستاذ المستشار امين مزيد.

الاستاذ الدكتور الاديب عبد السلام العجيلي الوزير السابق كما ورد في كتابه المقامات.

الاستاذ نهاد الهبراوي المدير السابق للجمارك.

الاستاذ الدكتور عبد الوهاب حومد الوزير السابق.

الاستاذ توفيق ازرق المدير القانوني لبلدية حلب. 

الاستاذ الشيخ عبد الفتاح ابوغده كما ذكر ذلك زميله الدكتور فوزي فيض الله.

الاستاذ الشيخ عبد الهادي بدله.

والعديد العديد من وجوه حلب وعلمائها ومفكريها

لم يؤلف رحمه الله كتباً توضع على الرفوف بل انشأ عوضا عنها اشخاصاً ككتب تمشي بين الناس تعظ وترشد. 

كان يركز على تحفيظ الحضور الايات والاحاديث والحكم والاشعار ثم يطلب تقلها للناس على كافة المستويات فترى المثقف والامي والعامل والجامعي والاستاذ كلهم ينقلون مواعظه للناس

والان ساذكر بعض المواقف من حياته رحمه الله:

الوفاة :

عند وفاته رحمه الله. توجهت الى مكتب دفن الموتى بحلب لاعلمهم بوفاته واطلب منهم ان يهيؤوا له الافضل فقال لي الموظف المختص: ااقبل توصيتك ام توصيته هو. قلت: ومن هو؟ قال : لقد جاءني والدك الشيخ قبل ايام وقال لي: يا سيد انا متوفىً بعد ايام واولادي لا يعرفون بامور الجنازه فارجوك ان تهتم بي وان ترسل لي الافضل.

وقد اكد هذا الامر طبيبه الخاص الدكتور عبد الغني طباخ رحمه الله فقال لي : لقد جاءني والدك واخبرني بما فعله في مكتب دفن الموتى.

الجنازة:

عند وصول الجثمان الى الجامع الاموي الكبير بحلب رأيت ان حرم الجامع وباحته واروقته والشوارع المؤدية له قد اكتظت بالمصلين ثم رأيت المشيعين ممتدين سيرا على الاقدام من الجامع الكبير الى مقبرة الصالحين حيث ووري الثرى وقد قام بتلقينه الشيخ المرحوم محمد النبهاني ثم وقف مع افراد الاسرة لتلقي التعازي رحمهما الله تعالى كما رثاه العديد من تلامذته واصدقائه.

مع شيخه في الازهر الشيخ محد الخضر الحسين:

في فترة الوحدة بين سوريا و مصر بين عامي ١٩٥٨ و ١٩٦١ زار حلب استاذه في الازهر الشيخ محمد الخضر الحسين وحضر صلاة الجمعة في الجامع الكبير دون اعلام والدي بحضوره وما ان ارتقى والدي المنبر ولمح شيخه بين المصلين حتى نزل وقبّل يد استاذه ودعاه الى الخطبة فاعتذر لكبر سنه وقبل ان يؤم المصلين فقط ، ثم قام والدي بواجب الضيافة نحو استاذه وشيخه كما نظم قصيدة ترحيب به موجودة في ديوانه.

جوامع حلب :

كانت حلب تضم بين جنباتها ثلاث مئة وستين بين جامع ومسجد ومصلى وقد قام والدي بزيارتها جميعا وادى واجبه في كل منها بين خطابة ودرس وصلاة جماعه

جلسة الاربعاء :

كان له جلسة في منزله بعد العشاء كل يوم اربعاء يحضرهاتلامذته واصدقاؤه ووجوه حلب ومفكروها يلقي عليهم درسا تتخلله الاناشيد الدينية والفكاهات وشرب الشاي ثم يستعرض العلماء الحاضرون بعضا من دراساتهم ونشاطاتهم.

تجوله في الاسواق :

كان رحمه الله يتجول في الاسواق لا لبيع وشراء انما ليكون قريباً من الناس في تعاملاتهم اليومية فهذا يسأله وذاك يستشيره واخر يطلب مساعدته فيلبي حاجة الجميع مطبقا الحديث :من سعى في حاجة اخيه قضيت ام لم تقض غفر الله له ذنبه

المقبرة:

قبل وفاته بايام توفي احد اقاربنا من اسرة العقاد فكان والدي على رأس المشيعين الى مقبرة الصالحين وبعد الانتهاء من مراسم الدفن توجه الى قبره الذي كان اعده سابقا لنفسه وطلب من المسؤول عن المقبرة ان يفتح له القبر ثم نزل فيه وتلى سورتي ياسين والملك ثم غادر وقد كانت وفاته بعد ذلك بايام

مسجد الفاتحه: 

في احدى جولاته في الارياف حكمه وقت صلاة في طريق السفر فسأل عن الجامع فقيل له: انه بعيد فدخل دكان حلاق على الطريق العام وفرش حزامه على الارض وصلى وقته حاضراً ثم طلب من الحضور ان يتلو سورة الفاتحة بنية ان يهيأ الله من يبني مسجداً في هذا الطريق ثم اكمل سفره وهنا اقسم الوالد انه بعد عام من تلك الزيارة مر بنفس الطريق فوجد ان دكان الحلاق وما حولها قد اصبحت مسجداً سمي مسجد الفاتحه.

صلاة العشاء : 

يوم وفاته تعب بشكل زائد وقبل اذان العشاء بثلث ساعة قال لنا: قوموا لنؤد صلاة العشاء فقلت له: ان هناك ثلث ساعة للاذان فقال : يا بني ان اذان العشاء يحين في بعض المذاهب قبل الاذان الحالي بثلث ساعه وقم يا محمد رائد فلتؤمنا بالصلاة لان قراءتك تعجبني ولم اكن ادري انها آخر صلاة له ثم صلى السنة والوتر مستلقيا على الفراش ومع اذان العشاء اسلم روحه لباريها عندها تذكرت مقولته التي كان يرددها : انا يا بني منذ وعيت لم أؤد صلاتي الا حاضراً ولم اقض صلاة في حياتي فعرفت عندها انه قد رحل للرفيق الاعلى وقد ادى صلاة العشاء حاضراً.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا