الثلاثاء 16 شوال 1440 - 18 يونيو 2019

الأديبة المربية والعابدة الزاهدة ملَك الحافظ (1)

الخميس 21 ربيع الأول 1440 - 29 نوفمبر 2018 2295 كاتب الترجمة : أيمـن بن أحمد ذو الغـنى

الأستاذة ملَك الحافظ: أديبة مبدعة، وقاصَّة كاتبة، ومربية داعية، وعصاميَّة وفيَّة، وعابدة زاهدة. هائمة في حبِّ الله، مُستَهتَرة بمناجاته، سابحة في بحور التأمُّل والإمعان في مَلَكُوته، والتفكُّر في جميل صُنعه وبديع خَلقه. 

ذات نفسٍ شَفيفة أثيريَّة، رقيقةُ الحاشية، سَمحةُ الخُلُق، سريعة العَبْرة. 

يتميَّز أدبُها بتوهُّج العاطفة وصدقها، ونُبل المقاصِد والغايات.

وهي مَلَك بنت محمَّد فهمي، بن مصطفى، من أسرة الحافظ الدمشقيَّة العتيقة، وُلدت سنة (1359هـ/ 1940م) بمنطقة (حمَّام سامي) في حيِّ العَمارة العريق بدمشق، وشاء الله أن يفرِّق الطلاقُ بين والدَيها وهي طفلةٌ صغيرة، فضمَّها جدَّاها لأمِّها إلى كنَفِهما، وتولَّيا تربيتَها ورعايتَها، فعاشت معهما في ظروف صعبة، وذاقت من شَظَف العيش ومَرارة الحِرمان، ما صَقَل شخصيَّتها، وأنضَج فكرَها، وفتَّق موهبتَها، في وقت مبكِّر.

وخلَّف جدَّاها الصالحان العابدان في نفسها عميقَ الأثر، حتى إنها لتعُدُّ جدَّها أوَّلَ معلِّم ومربٍّ لها، وقد وصفَتهُ بقولها: ((كان جدِّي لأمِّي عبد العزيز الشلبي رحمه الله أميًّا، لكنه فتح عينيَّ على نور القرآن وأنا طفلةٌ ما زلت أتهجَّى الأحرُف، ونقل إليَّ بقراءته روحَ القرآن, كان يبكي حين يقرأ قوله تعالى: {والتفَّتِ السَّاقُ بالسَّاق  إلى رَبِّكَ يومَئذٍ المَساق}، فأشربُ منه تلك الصورةَ الطاهرة التي نقَّت وِجداني من عَلائق الأرض، ووَصَلَتها بعَلائق السماء. وكان زاهدًا في الدنيا يردِّد قولَ الله تعالى: {وما الحياةُ الدُّنيا إلا مَتاعُ الغُرور}، فخرَجتُ إلى الحياة لا يُعشي بصَري بَريقُ الدنيا ولا بَهارجُها، وبقيَتِ الدنيا في يدي وليست في قلبي. وكان يردِّد نشيدًا يقول فيه: (واتَّخِذ بيتًا خَفيفًا مثلَ بيتِ العَنكبوت). هذه المقولةُ جعلت السماءَ في عينيَّ أوسعَ من الأرض، وجعلت مَن في السماء هو شُغلي الشاغل ومَثوى روحي الهائمة فيما وراء الكون)) (2).

انتسبَت إلى قسم اللغة العربيَّة وآدابها بكليَّة الآداب في جامعة دمشق، وحصلَت على الإجازة الجامعيَّة منها بتفوُّق سنة 1974م. ثم خاضت مَيدان التربية والتعليم فدرَّست اللغةَ العربيَّة في ثانويات دمشقَ ودور المعلِّمين والمعاهد المتوسِّطة فيها مدَّة ثلاثةَ عشرَ عامًا، وكانت مدرِّسةً موهوبة متميِّزة، ناجحةً في اجتذاب الطالبات إليها، وتحبيب العربيَّة إليهنَّ، وتعزيز القِيَم الإسلاميَّة لديهنَّ، وحثِّهِنَّ على التمسُّك بأهداب الفضيلة، وتشجيعهنَّ على الكتابة والتعبير عن هَمَسات النفس وخَواطر الروح. واضطُرَّت مُكرهةً إلى استعجال الاستقالة؛ إيثارًا لحقِّ زوجها المريض المُقعَد والقيام على خِدمته.

بدأت بنشر القِصَص والمقالات الأدبيَّة في صُحُف دمشقَ ومجلاتها في صِباها ولمَّا تتجاوز السادسةَ عشرة، وكانت أوَّل قصَّة تُنشَر لها في سنة 1956م. 

نشرَت في صحيفة (العَلَم) التي أخرجها الأستاذ عزَّت حُصريَّة، وفي صحيفة (الأيام) التي رأس تحريرَها الأستاذ عارف النَّكَدي، وفي مجلَّة (الدنيا) لصاحبها الأستاذ عبد الغني العِطري الذي كان مُعجبًا بموهبتها الفتيَّة حينئذ(3)، وفي مجلَّة (الثقافة) الأسبوعيَّة، وصحيفة (الأسبوع الرياضي)، ومجلَّة (صَدى الإيمان).

شاركَت في بعض المسابقات الأدبيَّة، ففازت بعددٍ من الجوائز، منها: سنة 1980م حصَلَت على الجائزة الأولى في القصَّة القصيرة، من مجلَّة (الثقافة) الأسبوعيَّة، عن قصَّتها: (بائعة الصبَّار). وعلى الجائزة الأولى في مسابقة المقالة بنقابة المعلِّمين بدمشق، سنة 1993م، عن مقالتها: (الهديَّة). 

عملت مدقِّقةً لغويَّة في دار الرشيد بدمشق، ومجلَّة (صدى الإيمان) السُّوريَّة سنوات. 

وكانت عملت في الإذاعة السُّوريَّة سنة 1957م، مع الشاعر الفلسطينيِّ الكبير عبد الكريم الكَرمي (أبو سلمى).

صدر لها عشَرة كتُب هي: 

(المرأة في ظلال الإسلام)، و(رأيتُ الله) (4) ، و(نظراتٌ في السِّيرة النبوية الشريفة) قدَّم له مفتي الجمهورية السورية الشيخ أحمد كفتارو، و(رسائلُ حب) إلهيَّات، و(شمسٌ لا تَغيب) (5)مجموعة قصصيَّة، و(قلبٌ من ذهب) مجموعة قصصيَّة، و(وَمَضات) خواطرُ وقصصٌ قصيرة جدًّا، و(لكَ قلبي) شعر، و(الإعجاز في القرآن الكريم)، ومجموعة كتُب للأطفال بعنوان: (الذكاء يتكلَّم) بالاشتراك مع الأستاذ محيي الدِّين سَليمة. 

ولها كتبٌ أخرى كثيرةٌ مخطوطة، جُلُّها في الإلهيَّات.

 

 

 

الأستاذة الأديبة ملَك الحافظ ومعها كاتب الترجمة

في دمشق، بعد أمسيَّة شعريَّة لها بتاريخ 7 من جُمادى الأولى 1425 هـ

الأستاذة الأديبة ملَك الحافظ ومعها كاتب الترجمة

إهداء بخطِّ الأستاذة الأديبة ملَك الحافظ إلى كاتب الترجمة

على نسخة من كتابها (لك قلبي)

=======

(1) اعتمدتُّ في إعداد هذه الترجمة على مُشافهاتٍ مع الأستاذة الفاضلة، ومُراسلاتٍ كتابيَّة معها، وعلى نتاج قلمها، وانطباعاتي الشخصيَّة عنها. 

(2) من رسالة منها إليَّ بتاريخ 26 من ربيع الأول 1430هـ. 

(3) كنت ذكرتُ للأستاذ الكبير عبد الغني العطريِّ في 19 جُمادى الآخِرة 1423 الأديبةَ الكاتبة ملَك الحافظ، فتذكَّرها، وقال لي: ((أعرفها يوم كانت طالبةً في مطلع المرحلة الثانوية، زارتني في مكتبي بمجلَّة الدنيا، فرأيت فيها أديبةً واعدة، وكانت نشيطةً متحمِّسة، ونشرتُ لها بعضَ القصص والمقالات)). ثم طلبَ مني أن أجمعَه بها، وفي نيَّته أن يكتبَ عن تجرِبتها الأدبيَّة، ولكن الحقَّ سبحانه قضى بحكمته أن يتوفَّاه في إثر حادثِ سير في 22 من ذي الحِجَّة 1423، قبل أن يكونَ اللقاء. والحمد لله على كلِّ حال، وأسبغَ عليه ربُّنا من رحَماته.

(4) اطَّلع الشيخ د. محمد سعيد رمضان البوطي على كتابها (رأيتُ الله)، فقال: هذا هو الأدب الإسلاميُّ الراقي الذي نبحث عنه، ونتشوَّف إليه. 

(5) قصدَت بالشمس التي لا تغيب أستاذَها وأستاذَ الأجيال الأديبَ الكبير المحقِّق شكري فيصل رحمه الله. 

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا