من مآثر الشيخ محمد الحامد الحموي رحمه الله

الاثنين 9 ذو الحجة 1439 - 20 أغسطس 2018

من مآثر الشيخ محمد الحامد الحموي رحمه الله

الثلاثاء 28 ربيع الثاني 1439 - 16 يناير 2018 477 كاتب الترجمة : د. خلدون مخلوطة
من مآثر الشيخ محمد الحامد الحموي رحمه الله

1- ولادته ونشأته :

ولد الشيخ العلامة محمد بن محمود الحامد في حي الفراية بمدينة حماة سنة (1328 هـ/ 1910 م وتوفي فيها سنة 1389 هـ/1969 م) .

نشأ يتيماً فلقد توفي والده الشيخ محمود الحامد ولحقت به والدته رحمهما الله وهو دون السادسة من عمره .

يتحدث الشيخ عن نفسه ويصف حالة اليتم التي مر بها فيقول :

"لو كان لليتيم لسان يبين به عن لوعاته وآلامه لأبكي الحجارة الصماء، مرت بنا أيام، كنا كثيراً ما نبقى في المدرسة في فرصة الغداء دون طعام، معظم التلاميذ يذهبون إلى بيوتهم، ونحن نبقى في المدرسة ، لأنه لم يكن لنا بيت ولا طعام، حتى إن أخي كان يبكي أحياناً من شدة الجوع، أما أنا فكنت أشغل نفسي باللعب عن آلام الجوع".

2- طلبه للعلم :

تولى أخوه الأستاذ الأديب الشاعر بدر الدين الحامد رحمه الله تربيته وتوجيهه للعلم ، ولم يغفل عن تعليم أخيه محمد حتى في أشد أيام البؤس، فقد أدخله المدرسة الابتدائية ، وهو ما يزال في الفترة التي كان يعيش فيها عند الأسر الفقيرة في أطراف البلد، وأيقظ فيه روح الجد، لما كان يرى فيه من مخايل الذكاء .

ثم تلقى العلوم الشرعيّة أولا على خاله الشيخ سعيد الجابي .

وعلى مفتي حماة الشيخ محمد سعيد النعساني وعلى رئيس جمعية العلماء فيها الشيخ توفيق الصباغ الشيرزاي والفقيه الحنفي المربي الشيخ أحمد سليم المراد الذي تزوج ابنته فيما بعد .

ثم التحق بدار العلوم الشرعيّة بحماه سنة 1342 /1924

ثم توجّه إلى المدرسة الخسرويّة الشرعيّة بحلب سنة 1346/1928 وتلقى فيها العلم على أشهر العلماء المحقّقين أمثال:

الأستاذ الفقيه الجليل الشيخ أحمد الزرقا، والشيخ أحمد الكردي مفتي الحنفية في حلب، والشيخ عيسى البيانوني، و العالم العامل التقي الورع الشيخ إبراهيم السلقيني، والشيخ محمد الناشد، والشيخ راغب الطباخ، والشيخ أحمد الشماع، والشيخ عبد المعطي، والمحقق في علمي التوحيد والمنطق الشيخ فيض الله الأيوبي الكردي، والشيخ محمد أسعد العبجي مفتي الشافعية في حلب والشيخ عبد الله حماد رحمهم الله جميعاً .

وأثناء إقامته في حلب تعرّف على الشيخ أبي النصر سليم خلف الحمصي أثناء زيارته لها، فتأثر به ولازمه وسلك عليه طريق التصوف والتزكية وعلم السلوك والارتقاء الروحي .

التحول المنهجي الذي طرأ على الشيخ محمد الحامد :

يقول الشيخ عبد الحميد طهماز رحمه الله : وكان سيدي الشيخ محمد الحامد رحمه الله تعالى ، على معرفة وثيقة بالشيخ أبي النصر خلَف ، وقد سبق أن تلقى منه الذكر ، إلا أن أفكار خاله كانت لا تزال متمكنة من قلبه ، راسخة في وجدانه ، وقد عرف بذلك بين أقرانه من طلاب المدرسة الخسروية الشرعية ، واشتهر بكثرة المناقشات التي كان يخوضها معهم.

وفي إحدى الليالي العامرة بالذكر ، التي كانت تشهدها حلب حين مجئ الشيخ إليها ، ذهب سيدي مع رفيق دراسته ، الشيخ أحمد الحصري - رحمه الله تعالى - وهو شيخ المعرة وعالمها - ذهب معه لرؤية الشيخ أبي النصر والسلام عليه ، لما عرف من وفاء سيدي وحفظه للمودة ، ولما دخل الدار ، خشي رفاقه في المدرسة من أتباع الشيخ أن يسبب لهم بعض المشاكل ، لما يعرفون عنه ، ولكن الشيخ أبا النصر - رحمه الله - ما إن وقع بصره عليه حتى استدعاه وأجلسه أمامه ، مع صاحبه الشيخ أحمد الحصري ، وأمر المنشد بالإنشاد ن وبدأ المنشد بقصيدة مطلعها :

كان لي ظل رسوم *** فاستوت شمسي فزالا

عشت بالمحبوب حقا *** بعد ان كنت خــــــيالا

أنا في مقعد صدق *** أجـتني مــنه وصالا

كل أوقاتي منه *** فـرحات تتوالــــــــى

هكذا العشق وإلا *** كان- والله - انفعالا

وأخذ الشيخ أبو النصر يتوجه بقلبه الكبير إلى سيدي الشيخ محمد الحامد - رحمه الله تعالى - وما مرت فترة حتى اشتعل القلب التقي النقي بالأحوال والمواجيد ، فطغت عليه ، وقام مأخوذا هو ورفيقه يصيحان ، وسيدي يردد اثناء ذلك : أشهد انك يا ابا النصر على حق .. ثم أكبا على حجر الشيخ ، فتلقاهما رحمه الله بهدوء وسرور ، كما تتلقى الأم أطفالها، وبعد أن سكنا وعادا إلى صحوهما ، آخى رحمه الله بينهما أخوة روحية ما زادتها الأيام بعد ذلك إلا قوة وإخلاصا وصفاء حتى إن سيدي رحمه الله تعالى كان يقول :

الشيخ أحمد الحصري هو الإنسان الأول في حياتي وهو أخي الروحي هذا اليوم من الأيام المشهودة في حياة سيدي ، وفيه حصل له التحول العظيم ، والانتقال الكبير ، ببركة شيخه ومرشده أبي النصر - رحمهما الله - وإلى هذا أشار بقوله : إنه الذي أخرجني الله تعالى به من ظلمات الغفلة والقسوة والشرود ، إلى نور الذكر والرقة والوقوف بباب الله سبحانه وتعالى ، في ذلة وضراعة لهذا الرب الكريم ) .

رحل إلى القاهرة سنة 1938 م لإكمال دراسته في الأزهر، ونال العالميّة في العلوم الشرعيّة .

وفيها التقى بالعالم الكبير التركي الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى، وتعرف على الرجل الصالح، والعالم العامل، فضيلة الشيخ مصطفى الحمامي رحمه الله تعالى . 

وبعد حصوله على العالمية أكما دراسته فتخصّص في القضاء بنفس الجامعة وتخرج فيها سنة 1362 هـ 1942 م .

3- الوظائف والمسؤوليات :

عمل الشيخ محمد الحامد أولا خطيباً ومدرساً في جامع الأشقر ، ثم جامع السلطان ، وقد كرس جل وقته للتعليم والوعظ إلى جانب الإصلاح الاجتماعي

بالإضافة لعمله في تدريس مادة التربية الإسلامية في ثانوية ابن رشد.

وصفه أحد تلامذته فقال:

"كان دائم التلاوة لكتاب الله، مداوماً على الذكر اليومي ؛ وكان غزير العبرة كثير البكاء، لم أر بين علماء المسلمين ممّن رأيت وقابلت من ينطبق عليه قول القرآن: (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سجّداً وبكيّاً) إلا شيخنا الحامد، ربّى تلامذته على التمسّك بالنصوص والفقه، وكان آية في التحقيق العلمي، وبحراً في العقائد، وفي الفقه، وفي التصوّف.

وفي الأصول، وفي التفسير والحديث والتاريخ ؛ وكان بحراً في العلوم كلّها لا تطرق باباً من العلم إلاّ وقد أخذ بذؤابته، ويعرف دخنه، وينبّه على الأخطاء المحتملة فيه ؛ وكان شاعراً فصيحاً إذا خطب لا تعدّ عليه خطأً، عف اللسان، متأدّباً مع العلماء، وكان لا يسكت على مخطئ يقول أمامه كلمة بل كان ينصح ويصحّح، وكما كان مع التزام أقوال المذاهب الأربعة المعتمدة مع البعد عن التعصب المذهبيّ ".

4- شغفه بالعلم منذ صغره فكان التحقيق العلمي والتوسع به دأبه وديدنه:

عشِقَ العلم من صغره فكان شغفه ولذته ، وهو القائل: (إني لأوثر العلم على اللذائذ المادية التي يقتتل الناس عليها ، ولو أني خيرت بين الملك والعلم ، لاخترت العلم على الملك والسلطان) .

وكم أثـَّرت فيه كملة أخيه شاعر حماة بدر الدين الحامد عندما ودعه مسافراً للأزهر لطلب العلم : (أعوذ بالله من نصف عالم)، فحفزته وضاعفت من همته، ثم تسخيره العلم لخدمة أمته ، وتفانيه في الدفاع عن قضاياها ، وحرصه على الرد والتصدي لكل الأفكار الهدامة ، والمعتقدات الباطلة.

5- الورع كان له سجية وفطرة دينية:

تحقيق التقوى في سلوكه ، ظهر جليا في ورعه ، فكان مظهرا بارزا في تعاملاته ، وهذا مشهد حي ينقله لنا الدكتور عبد الرزاق الكيلاني رحمه الله في كتابه "الشيخ عبد القادر الكيلاني الإمام الزاهد القدوة" يقول: (كنت موظفاً في المستشفى الوطني في مدينة حماة ، وكانت سيارة دائرة الصحة تأتي كل صباح لتحملني مع باقي الأطباء إلى المستشفى.

وفي أحد الأيام ، ونحن ذاهبون إلى المستشفى بالسيارة رأيت الشيخ محمد الحامد رحمه الله يسير في اتجاه سيرنا ، فطلبت من سائق السيارة أن يقف لنأخذ الشيخ معنا ، فوقف ، وفتحت باب السيارة وقلت للشيخ : تفضل يا أستاذ لنأخذك معنا فنحن نسير في اتجاه سيرك نفسه، فقال: هل السيارة لك ، قلت : لا ، إنها لدائرة الصحة ، قال : إذن لا أركب معكم ، قلت : لماذا ؟ إننا سائرون في اتجاه سيرك نفسه، قال: أليس لي وزن ؟ ، وإن وزني سيجعل السيارة تصرف كمية أكبر من البنزين ، لذلك لا أستطيع أن أركب معكم ، وشكرنا وسار في طريقه).

6- ورع في الحياة وبعد الممات :

موقف لهذا العالم الجليل يدل على ورعه وتقواه ، ودقة فيما يصدر عنه ، وبُعدٍ عن الدعوات العريضة، وتنزهٍ عن أن يوصف بما ليس فيه ، وتهذيب للنفس فقد تشعر بالراحة عندما تذكر بالمقامات العالية ، والهبات الجليلة ، لهذا كتب رحمه الله ليصحح ما كُتب عنه لرؤيا منامية نقلت عنه ، فيبقى شاهداً على ورعه في حياته وبعد مماته .

بين يديّ كتاب جميل للشيخ عيسى البيانوني الحلبي رحمه الله وهو من شيوخ العلامة الشيخ محمد الحامد رحمه الله عنوانه : (فتح المجيب في مدح الحبيب ) ، وفي آخره ملحق بعنوان : (غاية المطلوب في رؤيا المحب للمحبوب ) تحدث فيه الشيخ عيسى البيانوني بما منَّ الله به عليه من رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم ، وعظيم حبه له والتعلق به ، ثم أتبعه كذلك ولدُه الشيخ أحمد الصياد عز الدين رحمه الله في آخر الكتاب : ما أكرمه الله من مرائيه للنبي صلى الله عليه وسلم .

وهذا الكتاب أتت به زوجتي الكريمة أم عز الدين من مكتبة والدها أبي نجيب الحاج عبد الله المراد رحمه الله في حماة ، وكان والدها تربطه صلة قرابة بالشيخ محمد الحامد ، وأشرف على مكتبته بعد وفاته ، وعند قراءتي للكتابين ، وإذا بي أقف على تحفة أثرية من آثار الشيخ محمد الحامد رحمه الله ، بخط يده الشريفة مُعلقاً ومُصححاً ، تدل على قمة الورع ، والبعد عن الدعوى وحظ النفس ، والحرص على الدقة في النقل حتى لا يصفه الناس بما ليس فيه، وحذراً من أن يقع في وعيد النبي صلى الله عليه وسلم "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" متفق عليه .

مع أنه لم يدّعِ هذا لنفسه ، وادعاه غيره له ، فعقّٓـب عليه الشيخ بقلمه .

وإليكم الأصل وما علق عليه الشيخ محمد الحامد رحمه الله.

أ- يقول الشيخ أحمد الصياد عز الدين البيانوني :

( ورأى الأخ الحبيب في الله : الأستاذ الجليل الشيخ محمد الحامد عالم حماة وفقيهها – أكثر الله في المسلمين من أمثاله – رأى أن شيخنا – أي الشيخ أبا النصر خلف- رحمه الله تعالى دخل به ، وبمجموعة من إخوانه على النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يعرف منهم سوى أخيه الضعيف أحمد الصياد عز الدين البيانوني ) .

ب- وإذا بالشيخ محمد الحامد رحمه الله يضع تعليقاً بخطه المبارك فيقول :

(في هذا الخبر وهَم – يضع فتحة على الهاء – والذي عقلته من الرؤيا ، أن الشيخ عيسى - البيانوني – تناولني من شيخنا – أبو النصر خلف - ، في زمرة : منهم ولده الشيخ أحمد ، فأوقفنا على شباك ، وقع لي أنه شباك الحجرة النبوية ) .

ويضع توقيعه بجانبه : محمد الحامد .

فانظر إلى هذا الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم والتقوى، فهو لم يرٓ في المنام أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وإنما وقف على شباك الحجرة النبوية .

فبالوقوف عند الحدود عظم مقدارهم عند الله ، ورفع شأنهم بين عباده .

وبعدما نشرتُ هذه المقالة على صفحتي على الفيس وإذا ببعض المشايخ في حماة يرسلون لي صورة عن خط الشيخ محمد الحامد على نفس الكتاب تتوافق مع خط الشيخ في النسخة التي عندي من ذلك الكتاب ، فتبين لي أن الشيخ محمد الحامد صحح هذا الخطأ بخطه المبارك في كل نسخ الكتاب التي انتشرت في حماة في حياته .

7- جمعه بين الصوفية النقية ، والسلفية الحقة:

جمع رحمه الله بين الربانية في السلوك ، والانضباط بالشرع ، فكان شعاره (العلم أمير على التصوف )، وكان يقول : (السلفية الحقة مجتمعة مع الصوفية الصحيحة ، متى حسن الفهم ، وصح العزم ..، وإذا زخرفت الصوفية بالروحانية ، الغامرة، والرقة العميقة ، فليست بمنكرة على أختها السلفية تحريها تنقية الإسلام مما لابسه من الغرائب عنه ، كي يعود إلى صفائه).

8- قلبٌ حاضر في خشية وإخبات :

الكلمة المؤثرة تسري في كيانه ، وتفعل في نفسه الأفاعيل، حدثني أخي السيد عبد الرزاق قاقات وكان شابا يافعا ، ومنَّ الله علينا بمرائي عجيبة ، قال رأيت رؤيا فأتيت الشيخ محمد لأحدثه بها ، وكان ذلك في الصباح بعد شراء الشيخ الخبز من أحد المخابز، فاستأذنته لأقص عليه الرؤيا، فقال تفضل ، فقلت : رأيت كأن القيامة قد قامت، والنيران تستعر ويتقاذف حممها ، ثم رأيت سيدنا موسى عليه السلام في السماء السادسة ، وكأنه يتصبب عرقا، ثم قال لي: (بلغ سلامي للشيخ محمد الحامد)، يقول: فما أن سمع ذلك وكأن صاعقة وقعت على الشيخ ، وحال عجيب أصابه، فبدأ النحيب والبكاء، ووقع الخبز من يده، وسقط الشيخ على الأرض وغاب عن وعيه، فعندما رأيته على هذه الحال، هربت خشية أن أتهم أني آذيت الشيخ أو أسأت له.

وفي صباح اليوم التالي جاء الشيخ محمد إلى بيت الشيخ محمود الشقفة رحمه الله وقال: شاب رأيته عندكم اسمه عبد الرزاق أريد مقابلته، فأرسل الشيخ إلي، ثم بدأ الشيخ محمد يعتذر مني ، خشية أن يكون أفزعني، ثم قال لي : (يا بني كيف تحدثني بمثل هذه الرؤيا وأنا في الطريق ، لقد خشيت على نفسي أن تزهق).

9- أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ وَعَزِيمَةَ في الرُّشْدِ:

بيتان من الشعر لأحد العارفين كان كثيراً ما يرددهما الفقيه الورع علامة حماة الشيخ محمد الحامد رحمه الله تؤصل للثبات والوفاء بالعهد ، وترسخ الاستمرار على طريق الحق والتزام المنهج الرباني، وتدعو إلى التزام الجادة المستقيمة مهما كان الصعوبات والمغريات ، فيذكر البيتين وهو في نشوة واعتزاز :

لو تقطَّعتُ بوجدي إرباً *** قدمي عن نهجكم ما زَلَقا

وذراعي لو بسيفٍ قُُطعت *** كفُّها بابَ السوى ما طَرَقا.

10- كرامة ربانية واستجابة دعائه حتى بعد مماته :

كنت في السابعة من عمري وذلك سنة 1962 ، رأيت أبي رحمه الله خرج من البيت ليذهب مع أصدقائه لحضور جنازة الشيخ محمد الحامد والصلاة عليه ، ولكن الشيء الذي بقي عالقاً في مخيلتي أنه بعد ذهابهم كانت الشمس ساطعة في جو السماء ، وإذا بالأمطار تنهمر وتتساقط ، وبعدما كبرت علمت أن جنازة الشيخ عندما خرجت من جامع السلطان في يوم الثلاثاء الساعة الثالثة بعد الظهر ، في شهر أيار من شهور الصيف.

ووضعوا للشيخ على مكبرات الصوت شريطا مسجلا بصوته لخطبة له في صلاة الاستسقاء ويدعو: اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، فأجاب الله دعوته في حياته وبعد مماته ، فانهمر المطر على المشيعين ، وقد حدث مثل ذلك للحافظ أبي موسى المديني رحمه الله ، حيث أورد الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء 21/156 (أنه لما مات أبو موسى المديني لم يكادوا أن يفرغوا منه ، حتى جاء مطر عظيم في الحر الشديد ، وكان الماء قليلا بأصبهان فما انفصل أحد عن المكان مع كثرة الخلق إلا قليلا ، وكان قد ذكر في آخر إملاء أملاه : "أنه متى مات من له مَنْزِلة عند الله فإن الله يبعث سحابا يوم موته علامة للمغفرة له ، ولمن صلى عليه").

11- نماذج من شعره وقصائده :

منها قصيدته في حب النبي صلى الله عليه وسلم والشوق إليه ، يقول فيها :

ياحبيب الرحمن ياصفوة الخلـ = ــق ويامنيتي وراحة روحي

ياوليي وسيدي وإمامي = أنت لي خير مشفق ونصيح

لاأبي لاأخي ولاصدرَ أمي = لاولا ذو الإخاء خِدْن الروح

بلغوا شأوك العليّ ببر = أووفاء أو في الحنان الصحيح

يابنفسي لقاً ولو طرف عينٍ = وبأهلي وكل غالٍ ربيح

فنعيم اللقاء فيه حياتي = وهنائي وفيه تشفى جروحي

حب هذا النبي سر انقيادي = وأخو الحب مابه من جموح

والمحبون طائرون قلوباً= وبباب الحبيب كم من طريح

ملك الحب أمرهم فاستكانوا= لهواه أسرى إسارٍ مريح

ويخافون أن يكون انفكاك ٌ = أو براح يريح من تبريح

حبذا العيش والرضى عيش قوم= في غرام كم فيه من مستريح

وعليك الصلاة ممسىً ومغدىً = تتوالى مع السلام الرجيح

وعلى الآل والصحاب وأهل الــ = ــحب والمدح بالبيان الفصيح

وله ذكريات عذبة يحنّ فيها إلى حماة وعاصيها، يقول فيها :

يرحم الله عهدنا يوم كنا = إذ رشفنا من الكؤوس زلالا

كنت حول العاصي وبين جنانٍ= ألبستها يد الإله جمالا

مذ جرى الريح في الرياض عليلاً = وغدا الغصن زاهياً مختالا

وتجلت شمس السماء مليكاً = يملأ الكون هيبة وجلالا

ما ألذ المقام بين ربوع = قد حباها الجمال ربي تعالى

ياأهيل الوفاء إن فؤادي = من فراق الأحباب ذاق الوبالا

قد بعدتم وفي حشاي سعير= وهنائي قد غاب عني وزالا.

12- أشهر مؤلفاته :

نقد كتاب (اشتراكية الإسلام للسباعي) في كتابه (نظرات في اشتراكيّة الإسلام)

وألف: (ردود على أباطيل) في جزئين وهو مجموعة رسائل، ومقالات، ومجموعة أسئلة فقهيّة وأجوبتها

لزوم اتباع مذاهب الأئمة حسماً للفوضى الدينية 

و(التدارك المعتبر لبعض ما في كتاب القضاء والقدر)

و رسالة (حكم الإسلام في الغناء)

و(حكم اللحية في الإسلام)

و(القول في المسكرات)

و(حكم الإسلام في مصافحة المرأة الأجنبية) 

كلمات وأحاديث الجمعة

نكاح المتعة حرام في الإسلام

وفاته: 

توفي رحمه الله سنة 1389 هـ/1969 م، وقد صلي عليه في جامع السلطان ، ودفن بمقبرة باب البلد ، وبعد إزالتها نقل رفاته إلى المقبرة الخضراء على طريق سرحين ، وقبره فيها معروف.

رحمه الله رحمة واسعة ، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. ومن أحب التوسع في الاطلاع على حياة الشيخ فليقرأ كتاب "العلامة المجاهد الشيخ محمد الحامد" لمؤلفه: الشيخ عبد الحميد محمود طهماز رحمه الله.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا