الثلاثاء 24 صفر 1441 - 22 أكتوبر 2019

الدكتور محمد خير الحلواني

الأربعاء 15 رمضان 1439 - 30 مايو 2018 1338 كاتب الترجمة : د.سعدالدين المصطفى

مِن أَعلامِ نُحاةِ بلادِ الشَّامِ

إنَّهُ الأُستاذُ الدَّكتُور محمَّد خير بن عُمر الحلوانيُّ، رَحِمَهُ الله تعالى وغَفَرَ لَهُ

 كَانَتْ رِحلَةُ حَياتِهِ حافِلةً بِالتَّعلِيمِ والتَّألِيفِ والعَمَلِ والإِبداعِ، وتَنفَرِدُ شَخصِيَّتُهُ بِوصفِهِ مُبدِعًا وَكَاتبًا انمازَ بِفِكرِهِ النَّيِّر،  وأَدبِهِ الجَمِّ،  وَتَواضُعِهِ الكَبِيرِ، وَإخلاصِهِ لِوَطنِهِ ودِينِهِ وَعَائِلتِهِ وَشُيُوخِهِ…

 وفِي رِحابِ العربيَّةِ الفَصِيحةِ، لُغةِ القُرآنِ الكَريمِ، نَحنُ وإيَّاكُم مَعَ نَحويٍّ مِن نُحاةِ بِلادِ الشَّام حَمَلَ مِشعَلَ عُلومِها، ودَافَعَ عنها، وزادَ عن حيَاضِهَا، عَشِقَ العَربِيَّةَ حتَّى النُّخاعِ، وأحبَّها تَدرِيساً وتَأليفاً وتوجِيهاً وإرشاداً، وجالَ مِن أجلِ تَحقيقِ أهدافِهِ النَّبيلةِ هذِهِ، عددًا من  البلدانِ العربيَّة، درّس في جُلِّ جامِعاتِها، اشتُهرَ بِغَزارةِ العلم،  و سَعةِ المَعرفَةِ؛ إذ ألّف كتباً كَثيرةً ومُتنوِّعةً شكلاً وَمَضمُوناً، وحقَّقَ الكَثيرَ مِنها، ولم يَقتَصِرْ انشغاله  على علم واحد فحسب،  أو على نهج معين، بل تَعدَّدَتْ مشارِبُهُ العِلمِيَّةُ، كما تَدلُّ علَى ذلِكَ مُصَنَّفاتُهُ الكثيرة، وما شَهِدَ لَهُ بِهِ العُلمَاءُ والأُدَباءُ فِي دراساتِهم عن إنتاجِاتِهِ العِلمِيَّةِ،  وَأَصالَتِهِ الفِكرِيَّة، وعُمقِ فِكرِهِ التَّحلِيليِّ…

 إنَّهُ الأُستاذُ الدَّكتُور محمَّد خير عمر الحلوانيُّ، رَحِمَهُ الله تعالى وغَفَرَ لَهُ

 وُلِدَ فِي حَلَبَ الشَّهباءَ عامَ 1933- 1987م -1352هـ-1407هـ - وهِيَ مَنبَعُ العُلماءِ، ومَوئِلِ الأدباءِ، وَمُلتَقَى أهلِ الفَصاحةِ والبَيانِ، ومَهوَى أهلِ الفِقهِ والأُصُولِ والفَهمِ.

 تَلقَّى تَعلِيمَهُ الأوَّليَّ فِي مدارِسِ حَلَبَ، ثُمَّ تَابَعَ دِراسَتَهُ بِدِمشقَ، وتخرَّجَ فِي قِسمِ اللُّغةِ العربيَّةِ بِجامِعةِ دِمشقَ، نِهاية الخَمسِينياتِ من القرنِ المُنصَرِمِ.

 مارَسَ التدرِيسَ في مدارِسِ حلَبَ وثانوِياتِها ومَعاهِدِها العالِيةِ، فَتَرَكَ أثراً طيِّباً في كلِّ مكانٍ شُرُفَ بِهِ، فَبَعدَ أكثرَ من رُبعِ قرنٍ  مَضَى على تدريسِهِ فِيهَا، كانَ أَساتِذةُ ثانويّة المعرِيِّ يذكرونَهُ بِخيرٍ، وقَد سأَلُونِي عَنهُ مِراراً وتَكراراً،  كانَ ذلِكَ عام 2000م.

نَهَلَ مِن مَعينِ علماءِ العربيَّةِ الشَّام فِي جامعةِ دِمشقَ، ومِنهُم الأستاذ الشَّهيد الدُّكتور صبحِي الصالح، والأستاذ سعيد الأفغاني الَّذي كانَ درّسُهُ النَّحوَ وعلومَ العربِيَّةِ، وقد وَجَّهَهُ إلَى تَخصُّصِهِ الَّذِي نَبَغَ فِيهِ، وكذلِكَ علَّامةُ الشَّام أحمد راتب النَّفاخ، ولا غرابَةَ أنَّ العلَّامةَ المرحوم رمضان عبدالتوَّاب قد قالَ لَهُ فِي مناقَشَةِ رسالتِهِ في الدكتوراه:  " أنتَ السُّورِيُّ العَالِمُ ولا تَقِلُّ شَأناً عن أستاذِكَ الدَّقِيقِ أحمد راتب النفَّاخ ".  تَغمَّدَ اللهُ الجميعَ بِواسِعِ رَحمتِهِ.  

 حَصَلَ علَى درجةِ المَاجِستير مِن جَامِعةِ بغداد وأستاذه العلَّامة الدكتور مهدي المخزومي، كما حَصَلَ علَى دَرجةَ الدُّكتوراه مِن جَامعةِ عين شمس بِالقاهرة 1974م.

 عَمِلَ مدرِّساً في -جامعةِ تِشرين- باللاذقية مُنذُ تأسيسِها، عام 1973م، إلى عام 1979م، وكانَ عميداً لِكليَّة الآدابِ والعُلُومِ الإنسانيَّة، ومُنظِّماً لِقِسمِ اللُّغةِ العربيَّة، وقَد تَعرَّضَ لِلمضَايَقاتِ كثيراً.

ودرَّسَ أيضاً في المملكة المغرِبِيَّة- جامعة محمد الأول بوجدة أستاذاً للنَّحو العربِيِّ  بين 1979م-1982م، والإمارات العربِيَّة المُتَّحِدةِ جامعةِ العَين، وفي جامعة القصِيم بِالمَملَكةِ العَربيَّة السُّعوديَّة، ثُمَّ عَادَ إلَى حَلَبَ محاضِراً للأسفِ، وغادَرَهَا ثانِيةً إلَى الإماراتِ، فَما أَشبَهَ حياتَهُ بِحياةِ سيبويهِ، لكن لم يَستطِعْ أحدٌ أنْ يناظرَهُ أو يَتقدَّمَ علَيهِ، ومِمَّن ناظَرُوهُ الأستاذ المرحوم عبدالوهاب الصَّابُوني الَّذِي تَميَّزَ بِعَصَبِيَّةٍ حادَّةٍ، وذلِكَ مُنتَصفُ السَّبعِينيَّات علَى صَفَحاتِ صَحِيفَةِ الجماهِيرِ.

 أَنجَزَ العَديدَ مِن الدِّراساتِ القَيِّمةِ فِي مُختَلَفِ المَجَالاتِ الأَدَبِيَّةِ واللُّغويَّةِ، إلَى جانِبِ عَمَلِهِ الدَّؤوبِ فِي تَحقِيقِ عَددٍ مِن النُّصوصِ التُّراثِيَّةِ المَرمُوقَةِ، نَذكُرُ مِنهَا :

 1-المفصل في تاريخ النحو العربي  قبل سيبويه ،ج1، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، دار الفرقان للنشر والتوزيع، سنة 1979.

2-الواضح في علم الصرف ، من مطبوعات دار المأمون للتراث، سنة 1987.

تحدَّث الكتاب عن علمي النَّحو والصَّرف, وأوضح اختصاص كل منهما في الدراسات اللغوية المتشعبة. فالنحو هو العلم بأصول يعرف بها أحوال أواخر الكلمات العربية من بناء وإعراب وما إلى ذلك..أمَّا علمُ الصَّرفِ فهو العِلم الذي يبحث فِي أبنيةِ الكلِمةِ العربيَّةِ وصِيغِها ، وبيانِ حُروفِها من أصالةٍ أو زيادةٍ أو حذفٍ أو صحَّةٍ أو إعلالٍ أو إبدال…فهو يبحث في أحوال الكلمات التي ليست بإعراب ولا بناء.

3- النحو الميسر ، الناشر: دار المأمون للتراث بسورية ، سنة 1997م،

وهو كتاب أثنى وأطرى عليه عدد من العلماء والباحثين في علوم اللغة العربية ، وذكروا له محاسن ومناقب جمّة.

 4- المنجد في الإعراب والبلاغة والإملاء، تطبيقات وقاعدات ، تأليف : محمد خير حلواني وبدر الدين حاضري، الطبعة الرابعة ، دار الشرق العربي ،بيروت.

 5-سحيم عبد بني الحسحاس، مكتبة دار الشروق، سنة 1972.

6-المختار من أبواب النحو : بحوث في الجمل وأشباهها وبعض أبواب النحو وأادواتها ، مكتبة الشروق، سنة 1395هـ.

 7- تحقيق كتاب : مسائل خلافية في النحو، لمؤلفه : عبد الله بن الحسين العكبري، المتوفى سنة 616هـ، عن دار المأمون للتراث، سنة 1350هـ.

8-تحقيق شرح لامية العرب ، لمؤلفه : عبد الله بن الحسين العكبري، عن دار الآفاق الجديدة.

 9- المنهل من علوم العربية : اثنان وأربعون نصًّا شعريًّا ونثريًّا مدروسة دراسة لغويَّة ونحويَّة وصرفيَّة، المكتبة العربية ، سنة 1388هـ.

 10- المغني الجديد في علم الصرف، دار الشرق العربي بحلب.

11- الواضح في علم الصرف، دار المأمون للتراث سورية ، سنة 2011م.

12- الواضح في النحو، دار المأمون للتراث، سنة 2000م.

كلمة حقّ وشهادة أُودِعُها أهل اللغة والنحو:

يُعَدُّ الدكتور محمد خير الحلواني  رَائِداً مِن رُوَّادِ تَجدِيدِ النَّحو العربِيِّ، وعلمًا مِن أعلامِ تيسير النَّحو العربِيِّ لدى النَّاشِئة؛ لأنّ ما أَتَى بِهِ فِي عِلمِ النَّحو عُدَّ مُتميِّزاً عن غَيرِهِ مَضمُونًا ومَنهجًا، وَقَد عنوَّن الأستاذ الدكتور شوقِي المَعرِيُّ مقالته بـ ” الدكتور محمد خير الحلواني رائِدٌ في تَجدِيدِ النَّحو العربِيِّ “، اعترافًا مِنهُ بأنَّهُ رائدُ التيسير النَّحويّ ؛ لأنَّهُ مارَسَ التَّدريسَ فِي مراحِلِهِ العِلميَّةِ كُلِّها، ومَنْ يَعمَلْ بِالتَّدريسِ يَكتشِفْ حقائِقَ وَاقِعيَّةً مَلمُوسَةً قد تَكُونُ خَفِيَّةً علَى الطَّالبِ أو المُتعلِّم، فهو يريد أن يقربها من ذهن الطالب الذي صعُب عليه اصطلاح القدامى مرة،  ومفهومه الاصطلاح المبثوث في آرائهم النحوية مرات عديدة، فكان هدف الحلواني أن يُقدِّم المادَّة النحويَّة التطبيقيَّة الوظيفيَّة تقديماً فِيهِ اختِصارٌ دَقِيقٌ غيرُ مُخلّ بِالمادَّةِ النَّحويَّة،  وتَقديمٌ سهلٌ شائِقٌ مَشفُوعٌ بِالشَّواهِدِ التَّوضِيحيَّةِ السِّياقيَّةِ الطَّبيعيَّةِ غَيرِ المُصطَنَعةِ، وتَقديمٌ يُركِّزُ علَى فَهمِ المَعنَى العامِّ لِلجُملةِ العَربِيَّة؛  لأنَّ الإعرابَ فَهمُ المَعنَى أولاً وأخِيرًا…

 عُرِفَ بِتَفانيهِ وإخلاصِهِ فِي عملِهِ، وبِسِيرتِهِ العطِرةِ،  وبِحرصِهِ علَى العِلمِ والتَّعليمِ؛  فكانَ مَوضِعَ احترامِ الجَميعِ، وتقديرِ عامَّة النَّاسِ وعُلمَائِهِم، وقَدْ تمَثَّلَ الإحسانَ فِي عِلمِهِ وخُلُقِهِ، كما كانَ دَرسًا فِي اللِّينِ والرِّفقِ والتَسامُحِ، إِضافةً إلَى نُبلِهِ وَرِفعَةِ أَخلاقِه، فعلى الرغم من أنَّ التُّراثَ النَّحويَّ كانَ  طَيِّعاً  بَينَ أصابِعِهِ إلاّ أنَّه كانَ مُتَواضِعًا، مُعتَنِيًا بِطَلَبَتِهِ  مُوصِيًا بِهِم.

 أَشرَفَ علَى العَديدِ مِن البُحُوثِ الجَامِعِيَّةِ فِي تَخُصُّصِ اللُّغةِ والنَّحو، وَكانَتْ فُرصَةً سَانِحةً لِطَلَبَتِهِ كَي يَنهَلُوا مِن مَعِينِ عِلمِهِ الصَّافِي، وَيَتشَبَّعُوا مِن مَنهَجِهِ المُتَمَيِّزِ فِي البَحثِ والتَّدقيقِ والتَّنقِيبِ، وأنْ يَتَعرَّفُوا عن كثبٍ علَى مُمَيزاتِ شَخصِيَّتِهِ البَحاَّثة، فَوَجَدُوهُ إنسانًا عالمًا، يُقدِّم لطلبتِهِ المثالَ الأعلَى فِي حبِّ العَربِيَّةِ، والدِّفاعِ عَنهَا، والمُحافَظَةِ علَيهَا.

أَوصَى- رَحِمَهُ اللهُ-  أنْ يُكتَبَ علَى قبَرِهِ:

أَمِنْ  بَعْدِ ما  طَوَّفْتُ شَرْقاً ومَغْرِباً      وَجُبْتُ فَيافي الفِكْرِ في السَهْل وَالوَعْرِ

 أَموتُ  فلا تبكي علــيَّ    قصـيدةٌ      وَلا عابرٌ في الدَرْبِ يَسْأَلُ عَنْ قَبْـري

 وَلَمْ يُبْقِ لي صَـرْفُ المَماتِ مَفاخراً    أَتِيهُ    بِها    غَيْرَ    التَعَبُدِ    وَالذِّكْرِ 

 وأخيراً أردِّدُ  ما قالَهُ الدكتور طه حسين -رحمه الله-  وهو عميد الأدب العربي في أوائل السبعينات من القرن المنصرم ، حين قال وهو يرثي صديق عمره الأديب عباس محمود العقاد :

 " ومثالُكَ تَمُوتُ أجسامُهُم، لأنَّ الموتَ حقٌّ علَى الأحياءِ جميعاً، ولكنَّ  ذكرَهُم لا يموتُ لأنَّهم فَرَضُوا أنفسَهُم علَى الزَّمانِ، وعلَى النَّاسِ فرضًا ، وَسَيُوارى شخصُكَ الكريمُ فِي أطباقِ الثَّرى، ولكنَّ  القبرَ الَّذِي سيحتوي شخصَكَ، لنْ يَستَأثِرَ بِكَ؛ لأنَّك فِي قُلوبِ الَّذِينَ يُحبُّونَك، وَالَّذِينَ يَنتَفِعُونَ بِأدبِكَ وَعِلمِكَ، حبُّك لن يَمُوتَ، ولكنَّهُم لن يَستَأثِرُوا بِذكرِكَ وَعلمِكَ، 

 سَتُشارِكُهُم فِيهِ الأَجيالُ الَّتِي تَبقَى بَقَاءَ الدَّهرِ". 

رَحِمَ الله أستاذنا الأستاذ الدكتور  محمد خير الحلواني وأسكنه فسيح جناته وجزاه عن النحو العربي وطلابه خير الجزاء.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا