الأحد 18 ربيع الثاني 1441 - 15 ديسمبر 2019

الشيخ محمد عوض - عالم عامل

الاثنين 21 محرم 1440 - 1 أكتوبر 2018 1680 كاتب الترجمة : مأمون الجويجاتي
الشيخ محمد عوض - عالم عامل

الشيخ محمد عوض رحمه الله تعالى

أخلاقه ومزاياه

كلمات ودروس مرئية للشيخ محمد عوض
ليس من شأن هذه الكلمات كتابة سيرة للشيخ محمد أو ترجمة له كما قد يتبادر إلى الذهن , إنها تسلط الضوء على مجموعة من الخصائص كان يحملها والتي أعطت لشخصيته نكهة مميزة يصعب أن نقيسها على شخصية أخرى ممن نعرفهم أو سمعنا بهم .
الشيخ محمد بالنسبة لعامة من كانوا يستمعون إلى دروسه أحد المشايخ ذوي الكلمة النافذة في المجتمع المتدين وأحد مشاهير المشايخ عند من يشتغلون في هذا الحقل هواية أو احترافاً أعني من يعمل بدافع ذاتي أو بحكم كونه من أرباب الشعائر ، وهو في الحقيقة عينة عن نظام عفوي لصعود أي إنسان يحب الدين إلى مواقع الريادة فيه بناءً على اجتهاد منه ومحبة صادقة .
إذ ليس هناك رجل دين بالمعنى المتعارف عليه في إسلامنا ،لا توجد هيئة كهنوت لها رسوم وقواعد التحاق وشهادات موصفة وملابس محددة .
إن الأشكال عندما تغدو البدائل للأفعال تعني تحول الأفكار الحيوية إلى روتينات جامدة وإلى طقوس مكررة وإلى إحساس خادع بأن كل شيء على ما يرام في حين أن المضمون فارغ من المحتوى والأمور في تراجع مستمر , وإذ بالبنيان الشامخ ينهار فجأة لأول هزة طارئة .
بدأ الشيخ حياته مجرد فرد أمّي أو شبه أمي يعمل منذ سن الطفولة في معمل نسيج كي يسهم في إعالة أسرته لينتهي به المطاف في مكانة اجتماعية مرموقة , يرعى منها مئات الأسر ويقدم النصح والمشورة لمئات المشايخ , يتكلم في المجلس بفكرة فتتجاوب معه مئات الممولين .
أليس هذا بالبينة الصادقة عن نظام شعبية الدين الإسلامي الذي لا ينحصر في طبقة معينة ولا يجعل السيادة حكراً على من ينتمي لقوم معينين وسلالة خاصة أو أسرة خاصة أو أصحاب ثروة عالية .
ولك أن تعقد مقارنة ولو للاستئناس بخلافة المسلمين التي تعاقب عليها في أنحاء العالم الإسلامي وأزمنته المختلفة أناس من كافة الأعراق والقوميات وحتى في ظل أنظمة ملكية أرستقراطية كانت مقاليد الأمور في أيدي آخرين غير أفراد الأسر الحاكمة من وزير ارتقى بالكفاءة إلى أعلى المناصب واستبد بالأمر من دون الملك ليصبح هو الحاكم الفعلي أو من قائد أهلته موهبته القيادية ليحتكر القوة في جانبه فيتغلب على السلطنة وربما كان في أول أمره مملوكاً من طبقة الأرقاء أو كان أسيراً دخل منذ صغره في الدين ليصبح سلطاناً أو صدراً أعظم كما كان يسمى رئيس الوزراء في الدولة العثمانية.
إن هذه الميزة في مجتمعنا المبني على قواعد إسلامية مثل : [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ] {الحجرات:13} ) ومثل : [وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى] {النَّجم:39} ومثل : [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ] {الزُّمر:9} تجعل القمم منه متفاعلة مع القواعد , منسجمة معها , متحسسة لقضاياه بحيث لا يسهل تفكيك المجتمع وإغراء بعض عناصره ببعض .
لقد كانت شخصية الشيخ محمد عوض مركبة من مركبتين رئيسيتين : الدين والخلق ،وليس عبثاً أن الرسول الأعظم قد جعلهما عنصرين مطلوبين في الشخص المرشح ليكون عضواً وافداً على أسرتك عندما يتزوج ابنتك , ولا يغني واحد عن الآخر برغم ما يبدو من تناغمهما وتساويهما , فلنشرع في بيان كل مسار من هذين المسارين .
المميزات الدينية عند الشيخ محمد عوض
أما في المسار الديني فقد امتاز الشيخ محمد عوض بما يلي :
أ - تأكيده على أهمية الدعاء :
في تحصيل ما تريد تحصيله في هذه الحياة على المدى القصير أو الطويل وينبع ذلك من عقيدة متينة بأن الله - كما أخبر عن نفسه – قريب مجيب الدعاء , وأنه كريم يحب العطاء .
ويضرب الشيخ محمد الأمثلة العلمية والقصص الواقعية التي استقاها من خلال مسيرته المتنوعة في الحياة ليبرهن لك بالأدلة الملموسة عن استجابة الله لدعاء من دعاه بصدق وإخلاص .
ولا يخجل من التصريح بأنه انتقل من أدنى المستويات الاجتماعية ومن أحلك الصعوبات المادية إلى مستويات وأوضاع جيدة بفضل الدعاء ، وهو يرفع همة الذي قصده لحاجة مادية ألا يعلق قلبه بإنسان قد يرفض إعطاءه ما يطلب أو يعجز عن ذلك أو لا ينشرح للعطاء بل يعلّق قلبه بالله القادر على كل شيء الغني الكريم ، إنها نفحة تربوية ينبغي ألا يغفل عنها كل طالب علم أو عامل في الحقل الديني , لأن اليد السفلى الآخذة تجعله في موضع الضعف والضعة وهو أمر لا يليق به ويركز الشيخ على موضوع الصدق في الدعاء , وعلى الاستمرار في ذلك وخلال مختلف الظروف وتحري الأوقات الفاضلة لذلك ويؤكد لك أنك لا بد واصلٌ إلى مطلوبك ولسنا في حاجة لبيان أصول هذه الأفكار من النصوص الإسلامية , إنها نمت في ذهن الشيخ من خلال تربية على يد المشايخ وخاصة شيخه الشيخ عبد الكريم الرفاعي الذي يحتل عنده المرتبة الأولى والذي يعتز الشيخ محمد بالانتساب له علمياً وتربوياً وبجدارته بذلك .
ب - تأكيده على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:
كان الشيخ محمد رحمه الله تعالى شغوفاً بالصلاة على سيدنا محمد فلها مكان الصدارة بين سائر الأذكار ويراها جسراً لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وترسيخاً لها في قلب وفؤاد المرء بل وانعكاساً لمدى الأهمية التي ينبغي للمسلم أن يبديها لمكانة النبي الذي هو المبلِّغ عن ربه والذي هو الأسوة الحسنة التي ينبغي على الأمة الاقتداء بها , ولا يخلو مجلس من مجالسه من هذا الذكر , ولا الجلسات التي تعقد يمكن أن تخلو من هذا الذكر .
ويؤكد الشيخ محمد عوض على دور الصلاة والسلام على سيدنا محمد في نيل المؤمن أيضاً لمطالبه كما الدعاء , لأن الرسول الأعظم رؤوف رحيم بأمته وتعرض أعمالها عليه , فما رأى من تقصير استغفر لها وما رأى من خير حمد الله عليه , فالرسول يعيش معنا في عالمه البرزخي , وكلما صلينا وسلمنا عليه نقل الملائكة ذلك إليه فيرد السلام ويسأل الله لنا الخير .
وينصح الشيخ - كعادة المشايخ الذين أخذ عنهم – بصيغ للصلاة مناسبة لحال المرء وظرفه الذي يمر به والذي يجد الراحة في إذهاب صعوبته من خلال الصلاة على النبي وكثيراً ما يردد الحديث الذي طالما ردده الشيخ عبد الكريم عن الصحابي الجليل أبي بن كعب الذي جعل نافلته في الصلاة على النبي سائر الوقت : إذن تكفي همك ويغفر ذنبك .
ولقد كانت صلة الشيخ محمد بنبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قوية وعندما كان يزور المدينة المنورة كانت زيارته للسلام عليه في ضريحه متميزة , ودعا ذات يوم أن يكون إلى جواره في أخريات حياته واستجيب له وفي الفترة التي هاجر فيها إلى المدينة , كانت ملازمته للحرم النبوي وسلامه اليومي على النبي أمراً كالغذاء والهواء بالنسبة له .
فالصلاة والسلام على النبي في ممارسته سبب للمحبة له ونتيجة عن الإيمان به ودافع حثيث للمسلم على التأسي بنبيه واتباع سنته .
جـ - التوكل على الله :
من الأمور التي يعرفها من يخالط الشيخ محمد اللجوء إلى الله تعالى في كل الأمور فمِن تعسر بعض الحوائج مادياً إلى وجود بعض التهديدات من ذوي النفوذ إلى صعوبة تحقيق غرض ما لوجود معارضة مهمة لم يكن الشيخ يصيبه القنوط , كان الأمل بالله يجعله مقداماً ولا يجعله متراجعاً أمام العوائق ولا منحنياً أمام الضغوط , لقد تعرض الشيخ محمد من خلال عمله في الحقل الإسلامي لحمل مهمات ثقيلة وكان بعضها يواجه عقبات محسوسة , إلا أن وضوح الهدف وسلامته ونبل الغاية المرجوة , تهون تلك العقبات فيتصدى لها بهمة وإلحاح دون أن يستعمل العنف ولا الاستعجال بل يسلك الطرق المشروعة ويقابل الأشخاص المعارضين ويحاورهم ويقرب إلى أذهانهم ما يجول في ذهنه , وإذا بالعسير يصبح يسيراً وإذا بالعقد تنحل وإذا بما توهم عائقاً يغدو مساعداً , ومن خلال كل عقبة تخطاها يستمد دليلاً إضافياً على فائدة التوكل يسوقه للقانط كي يفتح أمامه الأمل الواسع ويبدد المخاوف والتوهمات .
د – علو الهمة والاعتداد بموقع المتدين :
كان الشيخ ومن يركن إلى رأيه من المتدينين يرى أن الذي يحمل شرف الدعوة إلى الله وشرف العلم الشرعي لا ينبغي أن يضع نفسه بموضع دون , ولا يقبل أن يضعه الآخرون حيثما رفعه الله .
وكأنه ينظر إلى الأثر : " من تضعضع لغني لأجل غناه ذهب ثلثا دينه "
علو الهمة خلق يبدأ من الفرد ذاته إذ أنه بفعله يضع نفسه في الموضع الصحيح أو الخاطئ .
عندما ينـزه الفرد نفسه عن الطمع ويزهد فيما عند الناس يجله الناس , ويعرفون أنه ليس بضاعة للاشتراء ولا ساذجاً للاستمالة .
لقد تخيل بعض أصحاب الجاه أو السلطان أو المال أن عقد صلات مع المشايخ واستمالتهم ببعض المكاسب يحوّلهم إلى أدوات نافعة لترسيخ نفوذهم في المجتمع اعتماداً على كلمة المشايخ المسموعة , فكانوا يفاجؤون بأنهم ليسوا "بذلك الوارد" .
يذكر الشيخ محمد عن أحد الوجهاء وأنه دعي وشيخه لمائدة عامرة عنده , فلم يأكل الشيخ إلا لقيمات قليلة , وأخذ بتوجيه الجمع إلى أمور عليا وجعلت الداعي هو في موقف الإكبار للشيخ , ويذكر الشيخ عن شيخه وشيخ شيخه الشيخ علي الدقر أن السياسيين أثناء الانتخابات كانوا يحومون حولهم طمعاً في أخذ أصواتهم وأصوات من يلوذون بهم , لكن عبثاً , فما لم يكن المرشح على استعداد خدمة حقيقية للدين أو للصالح العام ويكون ماضيه يوحي بذلك فما كان ليطمع بأي دعم أو حتى رضى عنه .
لم تكن مقابلة مع أحد أولئك المهمين تسمح بالتنازل عن شيء من أمور الدين ولو تأجيل الصلاة خيف فواتها نتيجة تلك المقابلة أو المناسبة الخاصة بالمهمين .
ولا وجود منكر في المجلس بحائل أمام إنكار الشيخ على ذلك المنكر مهما كان عائداً لهؤلاء المهمين أو غير رائق لهم ذلك الإنكار ويغدو الانسحاب هو الرد العملي على عدم التجاوب مهما كانت عاقبته وهذا مدخل للخصلة التالية وهي .
هـ - تعظيم شعائر الله :
فإن تعظيمنا لها يبين المكانة الحقيقية للدين في نفوسنا , فالصلاة مثلاً يجب أن تكون في وقتها مهما تكن الظروف أو تكون جماعة كلما تيسر ذلك الأمر , وهل ننسى تأكيده على صلاة الفجر في الجماعة وحثه على البكور لتحصيل ذلك و بدهي أن الأمور الهامة في الشرع يجب أن تكون هامة عند المنتسب للشرع وأن تكون أهم إليه من مكاسبه أو مصالحه
الدنيوية ولكن إضافة إلى ذلك كان الشيخ محمد يهتم بالأمور التفصيلية طالما لم يكن هناك منافس شرعي لها فصلاة السنة حيث لا عذر شرعي لا ينبغي التهاون بها بل أي سنة فهي عند الشيخ موضوع مهم
ومن الأمور التي كانت موضع تساهل من قبل بعض المشتغلين بالشؤون الدينية موضوع التصوير , كان الشيخ يرى حرمته مستدلاً بالأحاديث الواردة في التصوير والصور وذم المصورين , ولم يكن الشيخ يشجع أحدا من الطلاب على الاحتفاظ بصورة أحد آخر حتى لو كانت صورته أو صورة شيخه أو أحد من الآخرين , بل كثيراً ما حذرنا أن تقع صورة صديق لنا في أيدي نساء من نسائنا , ويرى ذلك من أبواب الفتنة التي يمكن أن تفتح باباً للشر .
كذلك موقفه مع الغناء والموسيقى , ولا ننسى تأكيده على موضوع الاختلاط : اختلاط الرجال بالنساء في الأسر وفي المجتمع وفي الجامعة , حيث كان يتخذ من ذلك مواضيع لدروسه ويحذر كل التحذير من عواقب الاختلاط وفي أية قضية كانت من قضايا الدين فالشيخ محمد عوض يرى نفسه كأنه المكلف شخصياً بها , يهتم لها , ويغضب لأجلها ويبذل الجهود حتى تحل الحل اللائق .
و – تعظيم العلماء :
وقد يتبع بعضهم ذلك إلى البند السابق لكنه له بعض الاختلاف , رغم أن المبدء هو تعظيم شعائر الله , لقد كان الشيخ يرى أن كل من يحمل صفة العلم أو هيئة أهل العلم , يجب أن يكرم , فلا يليق إلا أن يكون متصدراً للمجلس ولا أن يعامل إلا بأدب واحترام وهذا الأدب مع العلماء حببه وحبب طلابه إليهم .
كان العالم الذي يزوره أو يزور مجلسه يخرج وعنده انطباع جيد وارتفاع في المعنويات , وكذلك طلابهم , إذ يرون الشيخ يكرم شيخهم يحبون الشيخ وطلابه وهذه اللفتة لها أثر في توحيد صفوف العاملين في الحقل الإسلامي , ومن تعظيم العلماء إجابة دعوتهم والمشاركة في مناسباتهم وعلى سبيل المثال ساهم الشيخ وطلابه في تشييع جنازات بعض كبار العلماء وبذلوا المجهود كي تخرج تلك الجنازات بمظهر لائق ومهيب يوحي بالاحترام الذي يكنه الناس لهم ولأمثالهم , ومن نتيجة هذه الخصلة سعى الشيخ إلى عدم تعريض العلماء للامتهان لأجل نيل حوائج تخصهم ولا بد لهم منها فيحاول إقناع بعض الناس العاديين لقضاء تلك الحوائج وتجنيب العلماء مدافعة الناس أو التعرض للظروف القاسية مما لا يليق بحامل هذا الشعار , ويرى قضيتهم في ذلك كأنها له .
ز – سد الذرائع :
أخذ الشيخ عن مشايخه هذا المبدأ والذي يتصل بالاحتياط بالدين ويتصل بالورع وهو أن يترك الإنسان ما لا بأس به حذراً مما به بأس .
فكم من أمور استبعدها خوفاً من نتائجها وما يترتب عليها أخذاً من دروس مرّ بها أو مرّ بها أحد مشايخه .
كان يقص علينا قصة أحد الدعاة الذي نصب له أعداؤه مكيدة بإرسال امرأة لطيفة سائلة عن مسألة وأنه لم يحترس في استقبالها فالتقطت له صورة بعد أن نزعت حجابها واستخدمت تلك الصورة في تشويه سمعته واتهامه بما هو بريء منه .
فكان رحمه الله إذا دعي إلى دعوة أو مؤتمر أو ندوة أو حفلة ينظر أول ما ينظر إلى العواقب المحذورة قبل الفوائد المرجوة ولا يقتنع بالمشاركة إلا إذا رجحت الفوائد رجحاناً بيّناً مع أخذ كافة الاحتياطات لتوقي العواقب المحذورة .
وسد الذرائع كما نعلم من الأصول التي تفاوت علماء الفقه في اعتبارها في اشتقاق الأحكام لكنها على الجملة مرعية لدى جمهورهم .
إن سمعة العالم يجب أن تبقى فوق الشبهات , وكل شيء يمكن أن يسيء إليه فينبغي تجنبه , وما أيسر هذا الأمر علينا طالما كان في أيدينا أما إذا خرج فمن العسير تدارك نتائجه وإزالة آثاره من النفوس ويستغرق ذلك الوقت الطويل .
ح – العمل بالسنن والفضائل :
كان الشيخ متشوقاً للعمل بذلك فكلما مر عليه خلال الدروس سنن وفضائل أعمال يحثه ذلك على العمل بها وعلى وصية الطلاب بالعمل بها .
وبالرغم من باعه الطويل في العلم لم يكن ليأنف إذا سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمرٍ لم يكن قد سمعه , أن يستوقف القائل ويستثبت من صحة النقل , وأن يبادر إلى العمل به والامتثال لفحواه وهذه خصلة تشهد له بالاتباع التام - دون تحفظ – لما يأتي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما جلّ أو دقّ من الأمور , حتى ولو كان أمر فضيلة كما عنونّا , ففضائل الأعمال بالنسبة لكثير من الناس ليست موضوع إلزام مما يعني بالنسبة لهم أنه ليست موضع اهتمام أما الشيخ فكان يرى نفسه مكلفاً بالذات فيما يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ويبادر للسعي لتطبيقه والاستفادة منه إما بنفسه أو بواسطة طلابه .

المميزات الخلقية عند الشيخ محمد عوض
ا - الوفاء :
كان الشيخ محمد وفياً مع الأشخاص الذي صاحبهم وانتفع بهم حتى ولو كانوا أدنى منه أو صاروا أدنى منه فيما بعد فالأشخاص الذين كانوا في المعمل الذي عمل به صغيراً لا ينفك يثني عليهم ويمدحهم , وقد استعان به بعضهم عندما علا نجمه واتسع جاهه فما تأخر عن تلبية طلبه وهو يضخم معروف من أحسن إليه ولو بشيء يسير حتى تظن أنه شيء عظيم , ولعمري هذا من كرم الأخلاق ومثله من يستصغر من أعطى .
فلو أن الذي ساهم بنفعه ولو مساهمة يسيرة آب بهذا الثناء الضخم لكان كافياً في جزائه ولكنه كان يرفق ذلك بأن يضع نفسه تحت تصرفه ويسعى جهده لتحقيق طلباته .
ولما كان الشيخ عبد الكريم صاحب الأثر الأقوى في حياته فإنه لا ينفك يذكر الشيخ ويثني عليه وينسب إليه كامل الفضل في ارتقائه , خاصة أمام أولاده وأقربائه , يوحي بذلك إليهم أنهم ذووا حق واجب عليه وأن لهم أن يطلبوا مساعدته فما هذا إلا بعض المكافأة لما أسداه الشيخ إليه وهكذا في مشايخ شيخه كآل الدقر , فإن الشيخ علياً الدقر كان الموجه الأساسي للشيخ عبد الكريم في دعوته فكان يسارع إلى زيارة الكبار منهم والترحيب بالصغار مع ذكر أفضال الشيخ علي وأسرته .
وكذلك يظهر ذلك في بره بوالديه , فكان يبالغ في ذلك كل المبالغة لدرجة أنه كان يحمل نعلي والده إذا خلعهما وذلك حتى يلبسه إياهما لاحقاً مما جعل الدعوات الحارة له منهما تصعد من أعماقهما وكذلك يحث طلابه على فعل الشيء نفسه .
وكان يعيد الفضل في التوفيق الذي يحفّه لدعواتهما , وطبق الحديث الشريف الذي وجه الصحابي الذي سأله عما بقي من بر والديه بعد موتهما فأعلمه أن ذلك يكون بإنفاذ عهدهما والصلاة عليهما والاستغفار لهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا من خلالهما وإكرام صديقهما.
فكانت صلته لأرحامه واضحة لا يتمارى فيها أحد وقل مثل ذلك في علماء البلد المخلصين , كان وفاؤه معهم ليس لإحسان مباشر صدر منهم إليه لكنه يعتبرهم محسنين إلى الأمة وهو فرد منها ويرى إكرامهم واجباً على الجميع وهو في طليعتهم ، ويمكن قياس ذلك على كل من كان له أيادي على البلد أونفع عام للناس , فهو يرى أن عليه الوفاء له يبتدئ من شكر الجنان ثم شكر اللسان ثم العمل على مكافأة ذلك الشخص وتسهيل أموره ومساعدته على شؤونه بمعونة مباشرة كعطاء ونحوه أو غير مباشرة كعمل يدوي أو شفاعة أو دلالة .
ب – الشكر :
كان الشيخ محمد شاكراً لله حامداً له فهو المتفضل الحقيقي وكان يذكر مجالسيه دائماً بنعم الله ويحثهم على شكر نعم الله وأنهم - وهو معهم – مهما فعلوا وما ذكروا فإنهم عاجزون عن الشكر ثم بعد ذلك هو شاكر لكل من أسدى إليه معروفاً ولو صغر , لا يأنف من ذلك ولا يمل منه , وهذه الخصلة متصلة بالخصلة السابقة إذ أن الوفاء هو تعبير عملي عن الشكر والشكر هو طريقة لتنمية الإيجابيات , فالذي يعمل خيراً يجب أن يعلم ذلك وأن يشجع عليه وبهذه الطريقة تتسع دائرة الخير والعطاء ويندفع الفاعل للمزيد من العطاء , وبالعكس فإن مقابلة الإحسان بالإساءة أو بالتجاهل يثبط المرء عن تكرار الإحسان أو يجعله نادماً عليه وفي هذا ما فيه من عاقبة الجحود .
جـ - الإحساس بشعور الآخرين :
لا ندري هل يأتي ذلك الإحساس من مرور الإنسان بتجربة مماثلة ومعاناته متاعب الحياة ومكابدة المشاق , كما حصل مع الشيخ في بداياته ؟ إن ذلك ممكن ولكن لا يتم هذا الأمر إلا إذا صاحبه تذكر إرادي فكثير من الناس يتناسون ماضيهم إذا ارتفع شأنهم وهذا ما تقصه علينا قصة الأعمى والأقرع والأبرص في الحديث الشريف فإن الأول أجاب السائل الذي قال له كأني أعرفك ألم تكن أعمى فعافاك الله وفقيراً فأغناك الله فاعترف الأعمى بذلك وخُير السائل أن يأخذ من أمواله ما يشاء ثم هو بعد ذلك غير منازع له فيما يأخذ أو يترك , أما الأبرص والأقرع فكان جوابهما التنكر وزعما أنهما ورثا المال كابراً عن كابر .
فالإرادة تتدخل هنا في التذكر أو حجبه وبالتالي الإحساس بالآخرين أو تجاهل معاناتهم .
والشيخ كما مر معنا في الخصال السابقة لم يكن بالذي يمكنه التجاهل والتظاهر بعدم الإحساس كان يردد قصة عن الشيخ علي الدقر , إذ مر بالشتاء بطالب من طلابه لا يلبس جورباً , فقال : إني أحس ببرد ذلك الطالب في فؤادي ثم يسرع حتى يؤمن له الجوارب .
وهكذا إذا اتفق أن دخل الشيخ بيتاً لأناس بائسين يلاحظ بسرعة بؤس فراشهم وضعف إمكانياتهم ويحث نفسه ومن معه على تأمين أثاث لهم .
وربما يأتيه طالب حاجة فيستحيي منه , فيقرأ الشيخ ذلك في عينيه ولا يزال يسأله عن حاله حتى يستخرج حاجته , فإن كان عنده استعداد لقضائها أو بقربه من يعمل على قضائها باشر ذلك وإلا جعل ذلك في باله حتى يتاح له قضاؤها , فعند ذلك ينفذ ذلك ويقضيها وفي بعض الحالات يلفت نظر الطالب إلى أمور تقتضيها سنن الحياة لمن يطلب تلك الحاجة فيحثه على استكمالها وعلى أخذ زمام المبادرة .
وهكذا كان ديدنه مع العلماء , فهو يلاحظ من طريقة لباسهم وتدبيرهم شؤونهم مدى ضعف إمكاناتهم فيسعى إلى رفعها وتقويتها بما لا يعرضهم لذل السؤال أو إراقة ماء الوجه أمام الآخرين , فكانت قلوب هؤلاء العلماء تنبعث له بالشكر والدعاء .
ألا يذكرنا ذلك بجمع الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار عقب توزيع غنائم حنين وسؤاله لهم عن مشاعرهم قائلاً : أما إنكم لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقّتم ..... , فتكلم عليه الصلاة والسلام بما لم تنطق به ألسنتهم ولكن كانت تقوله نفوسهم .
وهكذا الشأن في القضايا الاجتماعية التي كان يزاولها وفي قضايا الطلاب الذين كان يرعاهم , كان يقدر مشاعر الأطراف وتحسين عرضها ويوجّه إلى كيفية التعامل معها , بحيث يكون الطرح أقرب ما يكون إلى الواقعية , وبعيداً عن المثالية التي لا تجدها في واقع المجتمع .
ومن تمام وصف هذه الخصلة أن نسميها بالاستباقية فهو عنده تصور مسبق بما سيكون عليه شعور شخص ما عندما يطلب منه أمر ما أو يخبر بشيء ما ولذلك يستطيع تقدير رد فعله ويحسن التعامل مع ذلك بجواب مناسب أو تصرف ملائم وهذا يفسر زاوية من زوايا النجاح الاجتماعي الذي حققه والقبول الذي حصل عليه .
د – الإحسان :
كان الشيخ محمد إذا عمل عملاً أحب أن يتقنه وكان إذا عمل طالب له عمله وجهه كذلك أن يتقنه وإذا أعطى شيئاً كان يعطي شيئاً له غَنَاء وإذا انتقى شيئاً لشخصٍ انتقاه من خيرة الأشياء وإذا أراد أن يقدم ضيافة قدم أفضل ما عنده أو أرفق ذلك بالاعتذار وهكذا كان يريد من طلابه إذا كانوا في المدرسة أن يحوزوا أفضل الدرجات وإن كانوا في السوق أن يكون لهم أفضل السمعة , وإذا أرسل شخصاً في سفارة أن يحسن العرض لأنه إذ يمثله فكأنه هو , وهو لا يرغب أن يكون إلا في رتبة الإحسان .
ومن ذلك إذا توضأ أو صلى فكانت أفعاله على هذا المنوال , لا يأتي تلك العبادات بسرعة فائقة بل يترسل فيها ويأتي بالأذكار الواردة .
وكان أيضاً يتابع الإحسان للشخص مع حواشيه فإذا حضر ضيف لم يكتفي بإكرامه بل بادر إلى إكرام مرافقه كسائقه مثلاً أو خادمه أو طالبه فيترك في ذاكرة من التقاه انطباعاً حسناً وكان في لقائه مع البسطاء متذللاً لهم , يسائلهم عن أسمائهم وكناهم محاولاً حفظها كي يدعوهم إذا لقبهم بأحب أسمائهم إليهم , وربما سألهم عن شخص من نفس الأسرة أو من نفس السوق الذي يعملون به أو المدرسة التي يكونون منها وهذا بدوره يعين على حفظ أسمائهم أو أوضاعهم ويكون محفوراً في الذاكرة إذا أراد استدعاء تلك المعلومات منها عند الحاجة إليها .
هـ - الجدية :
كان الشيخ محمد يحب أخذ الأمور بحزم ويتناولها بعزم فلا يحب أن يستهين الإنسان في تصرفه بالأعباء ولا أن يتسرع في تناولها دون إيفاء , وإذا عرفنا أن الجد ضد الهزل فينبغي تلقائياً أن الشيخ محمد لم يكن يحب الهزل ولم يُر مرة هازلاً أو لاعباً .
إنه بذلك يحذو حذو مشايخه الذي أخذ عنهم كالشيخ عبد الكريم رحمه الله وشيخه الشيخ بدر الدين الحسني الذي كان يضرب المثل في جديته وحرصه على وقته وإقلال كلامه وبالجملة كان المشايخ في دمشق قديماً يحبون من السالك التحلي بهذا الخلق ويكرهون له ما يمكن أن يفسر بالميوعة أو عدم الجدية , وهذا طبيعي إذا لاحظنا أن الشيخ مرجع للوسط المحيط به , ولنتصور مستفتياً يسألك عن أمر يهمه وأنت تجيبه مازحاً بما يفزعه أو يفاجئه فتنعدم ثقته بكلامك ويصبح على حذر من تقبله ناهيك عما يتسرب له من الشعور بأنك تستهزئ به وأنك تستصغره أو تحتقره فذاك أبعد عن قبوله لك .
ومن مستلزمات هذا الخلق عدم التكلم بأي شيء مما يوحي بالاستهزاء في حق أي شخص ويصبح ذلك أعظم والشيخ له أشد إنكاراً إن كان فيه هزؤ بشخص له قدر أو فضل , حتى لو لم يكن أدنى احتمال أن يبلغ هذا الكلام المتكلَّم عنه , إنه يرى أن الاحترام الداخلي يجب أن يحجزنا عن الخوض في هذا الكلام والنزول إلى ذاك المستوى وكان ديدنه الإعراض عن مثل ذلك الكلام إشعاراً لكراهيته له ثم ينتقل ذلك الإعراض إلى النهي فإن لم يجد ذلك تجاوزه إلى الزجر والإنكار الشديد .
وكذلك لم يكن الشيخ محمد يحب المزاح بين الإخوان ولئن كان يغضي أحياناً عنه فإن ذلك مقيد بما إذا كان عارضاً أو خفيفاً , فإذا زاد العيار كما يقولون أو تمادى الشخص فيه حتى استغرق وقتاً ذا بال , أوقفه بحزم , وكان يذكر بجدية الشيخ عبد الكريم وبجدية مشايخه من خلال أمثلة يضربها أو تؤثر عنهم كي يعزز نهيه بالمثال الحي والحوادث الواقعية .
ومن جديته , أن يباشر الإنسان المقدمات فور تقلده العمل ويتعاطى الأسباب التي تقوده إلى تنفيذ ذلك العمل ويحث على ذلك طلابه ومستنصحيه , فلا يريد أن يرى شخصاً عيّن له موعد امتحان وقد أخذ بالتلهي عن مراجعة المواد التي سيمتحن بها أو طلب الكتب المعينة على ذلك .
ومن جديته حرصه على المواعيد , فإن كان عنده لقاء كان أول من يصل إلى مكان اللقاء , وإذا كان ثمة صلاة , يكون أول من يؤمها , وإن كان قيام , يكون أول من يستيقظ , هذا إذا نام , فإنه ربما يخشى ألا يستيقظ فيبيت ساهراً , وهذا كان ديدن الشيخ عبد الكريم الذي كان في مثل ذلك الظرف لا ينام بل يشتغل بذكر أو تلاوة حتى يحين وقت القيام .
ومن لوازم اتصاف الشيخ محمد بالجدية أنه كان يحب أن تلخص ثمرة لقاء ما أو مناقشة أو حتى درس من الدروس وأن تسجل بفقرات متسلسلة بحيث يمكن للمرء الشروع في تنفيذ ما تم التوصل إليه دون أن يترك ذلك للذاكرة , بما تتعرض له من تشوش أو نسيان .
ومن سمات جدية الشيخ إصراره على إمضاء ما قرره وربما كان بعض من لم يدركوا سر ذلك الإصرار يعده نوعاً من التفرد , وحقاً إنه تفرد الجد عن التردد وعن التراخي ومصداقه قوله تعالى : [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ] {آل عمران:159}
وهكذا إذا قرر إعطاء شيء لم يبارح مجلسه حتى يتم إعطاؤه وإذا تقرر إيفاد شخص لم يبارح حتى يتم إيفاده فلا يرضى بالتأجيل والتسويف فيما استحق الأداء ولا يقنع بوعود أو إحالات على من لا يراهم ماثلين لتلبية النداء , وترى انعكاس استنجاد من يستنجد به مباشراً أو حاضراً , ويرى ذلك من لوازم المروءة ومقتضيات الشهامة , وخلاف ذلك من العجز وعدم الحرص على ما ينفعنا ومن اتباع الأماني .
وقد يقول قائل : أليس ما تذكره مبالغة ؟ والجواب أن هذا ما علمناه وزرعه في أنفسنا وحثنا عليه فجزاه الله عنا خيراً في ذلك .
د – اللباقة والتحبب :
قد يظن من قرأ وصف الشيخ بالجدية , إذا لم يكن خالطه , أن الشيخ صارم المحيا , عابس النظرات ولكن كلا , لم يكن الشيخ بذلك المظهر , كان الشيخ دائم الابتسام للكبير والصغير ولمن هو أعلى منه أو أدنى منه , وقولنا أعلى منه مجاز وبحسب تصنيف المجتمع .
ورتبة العلم أعلى الرتب فربما التقى برئيس مجلس الوزراء . وكان الموضوع الذي يبحثه معه غاية في الجدية . وتكون وجهات النظر مختلفة كل الاختلاف , فلا يمنعه ذلك من الابتسام له ولا من اختيار ألطف الكلمات في التعبير عن المقصود , وفي إدارة الحديث بالطريقة الحسنى التي تؤلف القلوب ولا تنفرها .
وهذا الذي قلناه ينطبق أيضاً على معاملته من دونه ولا يكاد يستثنى منه إلا حالة واحدة عندما يكون الطرف الآخر في وضع الإساءة , ولاجاً فيها بعد أن بين له خطؤه , وإذّاك فإن الشيخ لا يتساهل معه , وربما زجره , وأغلظ له ولهذا نظير في توجيهه سبحانه وتعالى لرسوله في معاملة المنافقين : [أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا] {النساء:63} , وقوله تعالى : [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] {التوبة:73}.
وباللباقة كان الشيخ يفتح قلوباً غلفاً ويذلل أناساً صعبي الانقياد , ويحل مشاكل متعصية على الحل.
ح - الأسلوب الدعابي والتبسم :
ذكرنا أمر التبسم لدى تكلمنا عن الجدية , إلا أننا هنا نتناوله من وجه آخر وهو الأسلوب الدعابي ذلك أن الشيخ كما أسلفنا وبالرغم من جديته إلا أنه في مواعظه يسلك سبيل المداعبة ليلين جو الحديث ويجدد نشاط السامعين ويعيد اندماج من لاحظ شروده عن المجلس , ولم يكن بدعابته ليفاجئ شخصاً لم تسبق له به معرفة كي لا يفاجأ بذلك إذ لم تسبق له معرفة بذلك الأسلوب بل يقوم بذلك مع أناس يعرفونه ويتجاوبون معه .
فكان يقول للذي يجادل بغير علم ولا هدى : بلا فلسفة , وهذه الكلمة ترادف في المعنى الحقيقي السفسطة .
وربما يوجه سؤالاً لبعضهم على سبيل المداعبة ليلفت انتباهه , ويغير من أسلوب التقرير وبادئ ذي بدء يجيب الشخص عن السؤال ثم يفطن إلى النقطة التي تدور حولها الدعابة,فيستدرك الإجابة الرادة .
وربما يصوغ حواراً بين شخصين وينطقهما ببعض العبارات المتداولة بين العامة ثم يتبع ذلك بالبيان الشرعي لتتضح المفارقة وكثيراً ما يستخدم عبارات شائعة على سبيل التحبب في معاتبة شخص أو فكرة كقوله : ( ياعيب الشوم ) , وهو بهذا يتجنب التنبيه المباشر والذي قد يكون له وقع سيء , إذا قصد بذلك ذم تصرفه أو لومه ويضرب لك المثل أحياناً بممارسات ثم يجري المقارنة بينها وبين الحكم الشرعي ليبين كم نحن غافلون عن معاني الشرع فعلى سبيل المثال , يطرح الاستفتاء التالي : لو قالوا لك إن فلاناً من الناس يوزع الشيء النفيس الفلاني اعتباراً من انبلاج الفجر ودون مقابل ألا تستيقظ قبل الفجر بنصف ساعة وتسارع إلى الصف وعندما يجيبه الآخر : بلى , يعود الشيخ ويذكره بأن الله سبحانه وتعالى يعطيه على صلاة الفجر في الجماعة كذا وكذا من الأجر والثواب ثم بعد ذلك يتكاسلون , كل ذلك يأتي به في جو من المرح غير المتكلف وربما يقرنها باستحلاف المسؤول بقوله : بالله عليك ؟ , أو بتأكيد منه قائلاً له : أكيد ؟ فيجيب الشخص بنعم وعند ذلك يطرح الشيخ رؤيته بعدما حولها إلى دراما مصغرة ومما عهد عنه أنه يتبع العبارة الفصيحة بمرادف لها بالعامية , ليقرب من فهم العوام من جهة وليؤكدها ولكن بغير التكرار الممل , كل ذلك مع انفعالات بالوجه تتلاءم مع نوع الخطاب كإظهار دهشة أو توسل وبالجملة كان حديثه قريباً من النفوس بخلاف خطبته التي يسمع صوته مدوياً كمنذر جيش يقول صبحّكم ومسّاكم ومن أسلوبه المعهود أن يغير الجو الرتيب بنداء السامعين كي يصلوا على النبي , فيرددون لفظ الصلاة والسلام على سيدنا محمد فيعود ويسألهم المزيد مرة أو مرتين .
أو يلجؤ إلى طريقة مشاركة المتلقي بأن يطرح المقدمات ثم يسأله النتيجة المضمرة في ذهنه وفي كثير من الأحيان يحصل على الجواب الذي يريده من المتلقي فيكون أوقع مما لو أتى به تقريراً , وحتى في الحالات التي يكون الجواب مغايراً فإن الشيخ يناقشه حتى يقر .
ي – عدم النسيان :
ولا أعني بذلك الذاكرة الحادة التي هي من خصائص بعض الناس في ميعة صباهم والتي تنحدر بالضرورة عند الكبر , كلا فإن الشيخ من هذا المنطلق صار ينسى في أواخر حياته وكان يستعين بأولاده أو إخوانه في تثبيت المواعيد .
إنما أعني بذلك الذاكرة الإرادية التي ترتبط بخاصة الوفاء والتي عرجنا على معناها بعض التعريج لدى كلامنا عن تلك الخصلة .
فلتكن مرادفة الوفاء في بعض المعاني , إلا أننا نضيف إلى ذلك أن الشيخ قد يعجز عن النفع في ظرف من الظروف إذا طلب منه , لكنه يبقى متذكراً للأمر حتى تأتي الفرصة المواتية , ويزول العجز فيبادر إلى قضاء تلك الحاجة وقد كان الشيخ في المدينة المنورة وابتعد عن دمشق والمجتمع الذي كان يحيط به لمدة طويلة , لكنه كان يرسل من يستفسر له عن حاجة من يظن به حاجة من أجل أن يقضيها له .
وكان إذا زاره أحد من دمشق رحب به واحتفى به ولو كان الخيط الذي يصله به واهياً أو معدوماً وربما سأل زواره عمن يعرفونهم ممن يعرفهم ليطمئن على أحوالهم ويتتبع أخبارهم .
وإذا ظن الشخص الزائر به حاجة قضاها له أو وصله بهدية أو عطية تحسباً لحاجة خجل من إبدائها أو استحيا من عرضها .
ك - نشاطه في المجتمع :
لقد قدمنا أن الشيخ لم يكن نظري المعالجة للمسائل بل يجنح إلى العملية وقد كان دائماً يتعرض لشؤون المعيشة التي يعاني منها عموم الناس بالاهتمام والتعاطف والبحث عن الحلول .
فقد أرقته مسألة زواج الشباب والعقبات التي تقف في وجهه وأشدها العقبات المادية فكان ديدنه تذليل العقبات بمختلف الوسائل وقد خطر بباله في فترة سابقة أن يطلب من تجار البناء إقامة مشاريع واسعة لتأمين سكن بسعر قريب من إمكانيات الشباب مع تقسيط مريح , وهذه الدعوة وإن لم تتحقق بصورة كاملة . لكنها أثرت فيمن كان يحيط به منهم وحققوا جزءاً منها بصورة أو بأخرى , وكان يبسط أمر ذلك لدى طالب الستر بأن ينفخ فيه روح الأمل بالله ويحثه على إحضار دفعة بدائية وقد يساعده في تأمينها , ثم يساعده في وضع جدول لوفاء الأقساط وربما ساعده في ذلك مطمئناً إلى أن الموضوع سيسير ذاتياً حتى النهاية , كان كثيراُ ما يعلن أنه لا يمكن القضاء على الحرام إلا إذا سهلنا الزواج , ويحث الآباء على التساهل في المهر ويحذرهم من أن مشاعر الفتاة ولو أخفتها أمام أبيها , هي أن تتزوج وتصبح لها أسرة وأولاد , وأن على الأب أن يجد الطريق المشروع لتحقيق هذه الرغبة ليكون باراً بابنته .
وكم سعى في زيجات لإخوانه في طلب العلم مع رقة حالهم المادي موقناً كل اليقين بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ثلاثة حق على الله عونهم : الناكح يريد العفاف ..... , ويستشهد بكثير من الأمثلة العملية على شباب انطلقوا من مستوى متدنٍ مادياً ثم بعد الزواج تحسن مستواهم جداً وكثيراً ما كان يؤكد لدى مناقشة أيا من المشاكل العامة على تقصي الأسباب والمعالجة انطلاقاً منها كي تكون المعالجة جذرية وعملية .
وكانت المعالجة في كثير من الأحوال تستدعي البذل وطلب البذل أمر قد يصعب على كثير من العلماء لكراهية الإنسان عموماً للعطاء وحبه للأخذ . إلا أن الشيخ محمد لم يكن يستصعب شيئاً من ذلك كان - كما قلنا – أمله بالله كبيرا وكان الله يلين له القلوب , فينتهز فرصة كلمة له في مجمع من الناس المقتدرين , وما زال يحرضهم على البذل في ذلك السبيل حتى يقبلوا على العطاء بطيب نفس وحتى يتحقق جميع المبلغ المطلوب لتلك القضية وما مشاريع المساجد التي بنيت بمعونته أو باللجنة التي كان يرؤسها كلجنة جامع مصعب بن عمير إلا مثال على هذا الاهتمام بالشأن العام كما كانت الجمعيات الخيرية تقصده في حالات أزمات التمويل لتجد منه كل مساعدة وعون وبما كان له من أسلوب , كان يؤمن لهم المطلوب , ولقد تابع محبوه نشاطهم الخيري بعد سفره إلى المدينة بل وأسسوا مزيداً من الأنشطة الخيرية وكان من بُعدٍ يدعمهم وينشطهم ويؤمن لهم بعض التبرعات , جعل الله ذلك في صحائف عمله طالما بقيت هذه الأعمال قائمة مستمرة .
وفاتـه
لقد توفي الشيخ في المدينة المنورة يوم الأثنين 25 / 5 / 2009 الموافق للأول من جمادى الآخرة عام 1430 عن عمر يناهز الثمانية والسبعين عاماً ولم يكن من غرض هذا المقال تتبع مراحل حياته وتأريخها على أننا نوجز ذلك في أنه لم يكمل دراسته الابتدائية عندما زج في معمل للنسيج فأكمل محو الأمية أثناء الدراسة ثم لازم طلب العلم الشرعي وحثه الشيخ عبد الكريم الرفاعي على التفرغ لذلك ثم تقدم بصفته طالباً حراً لامتحانات الثانوية الشرعية ثم التحق بجامعة دمشق كلية الشريعة ليتخرج منها عام 1962 ويعين مدرساً للديانة في الثانويات وكانت تلك فرصة إضافية لتوسيع نشاطه لدى الطلاب إضافة لنشاطه بصفته إماماً وخطيباً ومدرساً , ثم حصل على الماجستير ثم الدكتوراة من الأزهر في علوم تفسيرالقرآن الكريم عام 1976 ، وقد كان الطالب البارز الأول عند الشيخ عبد الكريم الرفاعي الذي توفي عام 1972 ليختاره الطلاب من بعده خليفة له , ثم تفرغ كلياً للإرشاد الديني , ولما حصلت الأزمة في البلاد التي سببت توقف نشاطاته الدعوية هاجر إلى المدينة المنورة من عام 1981 وبقي هناك حتى وفاته . وإن كان أخذ يتردد على سورية في أخريات حياته ويستغل زياراته في كل ما يعود بالنفع على دينه وأبناء وطنه , وخلف أبناء صالحين أبرزهم الدكتور فايز الذي تخصص بالعلم الشرعي بينما سائر أولاده عبد الفتاح وعبد الرحمن وعبد الكريم في الأشغال المختلفة .
رحم الله الشيخ محمد عوض وأسكنه فسيح جنانه و الصلاة والسلام على سدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
............................................................

بقلم الأستاذ مأمون الجويجاتي موقع صدى زيد



‏29‏/09‏/2009

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا