السبت 13 ربيع الثاني 1442 - 28 نوفمبر 2020

الشيخ محمد جنيد - العالم القارئ المجاور

الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 2758
الشيخ محمد جنيد - العالم القارئ المجاور
الشيخ محمد الجنيد

1318ـ1411

بقلم : الشيخ ممدوح بن محمد الجنيد



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فهذه نبذة مختصرة عن حياة والدي فضيلة الشيخ محمد جنيد رحمه الله تعالى.

ولادته:

ولد رحمه الله تعالى في حمص في حدود عام 1318 هـ.

والده:

العالم الزاهد الورع جُنيد كعكة،كان يأكل من كسب يده، ربّى أولاده الثلاثة: محمد و محمود و أحمد على التقوى والزهد والعفة وما مد يده ولا عينه لما عند الآخرين، ونشأ أولاده في مسجد الحي (مسجد الشيخ مسعود) ، حيث كان هو يشرف عليه، ويصلي فيه إماماً ويؤذن فيه ويخدمه، وعلَّم أولاده فيه القرآن الكريم.

كان رحمه الله تعالى كثير تلاوة القرآن الكريم، كثير الذكر، محافظاً على الجماعة لم يلتفت إلى الدنيا.

وكان رحمه الله تعالى يحبُّ الجهاد، وقد ذهب إلى حرب اليمن المعروفة باسم [سفر برلك] مجبراً ، لأن الدولة العثمانية ألزمته فكان يودّ لو يقاتل الكفرة، فعاد من اليمن ووجَّهته الدولة إلى روسيا فقال : هذا جهاد أذهب وانا مرتاح، وباعتبار أنَّ أولاده صغار وهو إمام مسجد يمكن أن يُعفى من هذه المهمة ، لكنه مع ذلك رفض من خاله واسطته حيث كان وجيهاً في البلد، ويمكن أن يفكه من العسكرية، وأصرَّ على السفر إلى روسيا للجهاد تاركاً صغاره الثلاثة : محمد ومحمود وأحمد ، واستشهد رحمه الله تعالى هناك .

نشأة الإخوة الثلاثة:

ترك أولاده الثلاثة:( محمد ومحمود وأحمد) صغاراً لا كسب لهم ولا مال، ولم يترك لهم إلا بيتاً متواضعاً وطحنة قمح، وقال لزوجته: هذا الدقيق وعندك تنور تخبزين لهم من هذا الدقيق كل يوم، ويذهب محمد يبيع هذا الخبز، وكسبكم من هذا الخبز هو النخالة، فقال الوالد رحمه الله: فأخذني جدك يا ممدوح إلى الشيخ حسن الخوجه والد الشيخ عبد القادر رحمه الله، وقال له : هذا ولدي محمد يأتي بالخبز يبيعه بجوارك وبحمايتك، لأن الوقت وقت جوع شديد، فتعمل معروف و تعطي بالك له، وتزن له الخبز بميزانك .

وكان الوالد صغيراً لا يتجاوز العاشرة، فكان رحمه الله يبيع الخبز ويربح النخالة ، فكانوا يأكلون خبز النخالة ، وقد نشأ أولاد جنيد هذه النشأة قلةً في الدنيا، وزهداً يفوق حد الزاهدين ، وتحت كنف العلماء ، حيث حفظوا القرآن الكريم وهم صغار تحت أنظار والدتهم التي رضيت في حياة زوجها بهذا المستوى من المعيشة ، والتي احتسبت عملها في بيتها عند الله عزَّ وجل ، ومن هنا نقول : إنَّ تلك الأجيال نساءً ورجالاً رجالُ ونساء تربيةٍ حقيقية لأنهم استطاعوا أن يوجدوا أعلاماً ومنارات لهذا المجتمع.

ونشأ أولاد جنيد الثلاثة أيتاماً ، وضاعت كنيتهم الرسميَّة [كعكه] وعُرفوا بكنية جُنيد، فأصبح اسم الجد كنيتهم، فصاروا يُعرفون بين الناس بيت (جنيد) ، وإن قلة من الناس تعرف أنهم من عائلة (الكعكه).

عناية الشيخ محمد الياسين بالشيخ محمد الجنيد:

نشأ الشيخ محمد جنيد يتيماً _ كما ذكرت _ على قلة من ذات اليد تحت رعاية علماء حمص خصوصاً الشيخ (محمد الياسين عبد السلام بسمار) ، والد الشيخ (أبو السعود) رحمه الله، وحفظ القرآن الكريم تحت رعايته ، وكان الشيخ محمد الياسين قد خصَّص لولده الشيخ أبو السعود ولوالدي دروساً في مسجد (وحشي وثوبان) ، وقد اعتنى بهما عناية خاصةً فقهاً ولغة ، وسلوكاً ، وكان يحرص على أن لا يضيع عليهما درس ، فكان الشيخ محمد الياسين يذهب بدعوة من أهالي بعض قرى حمص _ (تِيْر مَعْلَه) و (الغَنْطُو) _ كل سنة في الربيع عدَّة أيام نزهةً ونشاطاً، فكان ولده الشيخ أبو السعود ووالدي يذهبان من باب الدريب شرقي المدينة إلى (تير معله) مشياً كل يوم لطلب العلم وحضور الدروس المقررة عند الشيخ ، ثم يعودان مشياً ، كل ذلك حرصا منهما علة أن لا ينقطعوا عن الدروس وطلب العلم أيام نزهة شيخهم !.



ترفُّع الشيخ محمد الياسين عن مساعدة تلميذه في إجراء عملية جراحية له:

مرض الشيخ (محمد الياسين) رحمه الله واحتاج إلى عملية جراحية في طرابلس ، وكان الشيخ فقير الحال ، فأراد والدي _ وهو تلميذه _ مساعدة شيخه ببضع ليرات ذهبية إدخرها توفيرا من كسبه ، وقال له : هذه لست بحاجة إليها الآن وأنت محتاج لعملية جراحية ، فقال له : يا محمد ، ما علَّمتك لآخذ منك أجره ، ولا من أجل دنيا ، إنما علَّمتك لله ، فرُدَّها على نفسك ، وأنا ييسر لي ربي قيمة العملية.

حفظ الشيخ (محمد جنيد) رحمه الله القرآن الكريم ، وصار يعلِّمه الناس ، وجمع القرءآت العشر على الشيخ (عبد المجيد الدروبي) إفرادا _ أي لكل قراءة ختمة كاملة _ في سنة 1349 هـ .



أعماله ووظائفه:

كان يعمل في خيط الحرير [شغل الملس] ويكسب منه ، وكان يعلم القرآن الكريم في جامع الشيخ مسعود ، ثم بعد ذلك اشتغل ببيع الدقيق لأن شغل الملس قلَّ طالبوه ، وضعف سوقه ، ثم بعد ذلك عُيِّن إماماً في مسجد (صَلِيبَة العُصَيَّاتِي، ثم إماما في مسجد (الحَمِيدِيَّة) المعروف بمسجد الدَّالاتي، وخطيباً في مسجد (سيدنا دِحْية الكلبي) في باب المَسْدُود.



الشيخ محمد جنيد في الحي:

عرفه الناس منذ طفولته بزهده وورعه وحبه لفعل الخير ، فكان منارةً في الحيِّ ، يعلم من يريد العلم قرآناً وفقهاً وحساباً وقراءة وكتابة ، ثم ازدادت صلة الناس به عندما صار إماماً في مسجد (الحميدية) _ الدالاتي _، فصارت له غرفة في (الجامع الكبير) في رواق المسجد الشمالي يستريح فيها بين الصلوات ، ويقرأ فيها القرآن ويدرِّس من أتاه القرآن الكريم ومتون الفقه الشافعي .

ثم لما تأسست مدرسة (الإقراء الشريف) بإدارة الشيخ (عبد العزيز عيون السود) رحمه الله صار فيها مدرساً للقرآن الكريم في مسجد (النخلة العمري) ، ثم في بيت الشيخ عبد العزيز في حي باب هود ، ثم في مسجد الشيخ عبد العزيز في منطقة معروفة الآن بـ [الملعب البلدي]، وكان محبوباً في تعليمه ، لأنه لا يأخذ الطلاب بالشدَّة ، وإنما يصبر عليهم وعلى أخطائهم ، فكانوا يحبون أن يكونوا في حلقته لصبره ولهدوئه ، ولحنوِّه على الطلاب.

الشيخ محمد جنيد الإمام والخطيب

حرصه على صلاة الجماعة:

بعد أن عُيِّن في مسجد (الحميدية) _ وبيته بعيد في (باب الدريب) _ حافَظَ على الجماعة كما كان يحافظ عليها لما كان قريباً من مسجده[صليبة العصياتي] فلم يكن لديه فرق في المحافظة على الإمامة والجماعة بين المسجد القريب والبعيد، وكان رحمه الله إذا ألمَّ به مرض يتحامل ويكلِّف نفسه فوق طاقتها ، ولا يتخلف عن الإمامة ، وقد عرف بين الناس بأنه محافظ على الإمامة والجماعة والمحراب ومن الطراز الأول ، وهذه شهادة جميع المشايخ والعلماء.



ذهابه إلى المسجد مع تراكم الثلج:

نزل الثلج مرة وصار ارتفاعه عن الأرض أكثر من نصف متر تقريباً ، ولما خرج قبل الآذان _كعادته _ وجد الثلج بهذا الكم الهائل ، قالت له الوالدة: صلِّ في البيت فلن تجد أحداً في المسجد ، فرفض وقال: لا بدَّ أن أذهب إلى المسجد ، فذهب فلم يجد أحداً ، والمسجد مغلق ، حتى إن المؤذن _ أيضا _لم يحضر في ذلك اليوم ، فذهب إلى منزل الحاج (يوسف بَرْغُوث) رحمه الله تعالى وقرع عليه الباب ، وقال له : أنت معك مفتاح للمسجد تعال وكسِّبني الجماعة _ أي صلِّ معي لأحصل على ثواب الجماعة _ فذهب معه وصليا معاً ، ولا أدري إن حضر معهما أحد بعد ذلك أم لا .



أثر سير قدمه على الثلج:

مرة أخرى نزل الثلج مع الغروب فصلى المغرب في مسجد (الحميدية) ولم يخرج وانتظر العشاء ، فصلاها ثم خرج والثلج كثير ، وكنت معه وبالعادة يتجه إلى البيت ، ولكنه اتجه في ذلك اليوم إلى محل بيع الأحذية (الحاج ياسر الطَّيّبَاني) فقال له : عندك جزمة ساقها طويل. قال : لك أم لممدوح ؟ قال: لي. فقال : مازحاً هذه للبستاني _ وهي نسبة تطلق على من يعمل في إصلاح البساتين _ قال: أريد أن ألبسها وقت نزول الثلج حتى لا أتعطل عن صلاة الجماعة ، وفعلاً خرج قبل الفجر فوجد الثلج بغاية الكثافة فلبسها ، وقال من رآه خارجاً في ذلك الوقت : من بيت الشيخ إلى مسجد (الحميدية) لا يوجد أثر سير على الثلج إلا جزمة الشيخ محمد في تلك الساعة.



الساعة التي تُنَبِّه أهل الحي على صلاة الفجر:

كانت معه نحنحه دائمة لا تفارقه ليلاً ولانهاراً، ولا صيفاً ولا شتاء يقول: أهل الدور التي هي بطريق الشيخ من باب الدريب إلى مسجد (الحميديه) : إنَّ الساعة التي توقظنا لصلاة الفجر كل يوم بدون انقطاع هي نحنحة الشيخ محمد نسمعها من نوافذ بيوتنا قبل الفجر فنصحو ونصلي ونكسب الأجر _ أي نحصل على ثواب الصلاة في وقتها _ .



قَطْعُه المسافات الشاسعة في الذهاب إلى المسجد ومدرسة الإقراء:

دخل الشيخ رحمه الله في سن الشيخوخة ، وظلَّ يمشي من بيته إلى المسجد البعيد كل يوم ، ويَعْلَمُ الجميعُ شتاء حمص وتراكمَ الثلوج فيها ، وشدة عواصفها وأمطارها وبردها ، ومع ذلك فالشيخ لا ينقطع عن محرابه ، كان الشيخ يسير على قدميه من البيت كل يوم وبدون انقطاع إلى مسجده ، ثم ثمانية أشهر الشتاء بعد صلاة الفجر يمشي مسافة أخرى على قدميه من (الحميدية) إلى مسجد الشيخ عبد العزيز رحمه الله لأن الشيخ جعل مدرسة الإقراء الشريف هناك ، فكان رحمه الله يتحمَّل مشقة في هذا المشوار ، ومعلوم أنَّ الهواء في حمص شديد ، فكان يمشي إلى الغرب معاكساً الرياح العاتية حتى إنه كان يقع من شدَّتها وهو يصبر على كل هذا ابتغاء الأجر من الله عزَّ وجل ، ولأن حبَّ الجماعة والقرآن الكريم دخلا شغاف قلبه ما كان يعود إلى البيت نهاراً إلا في الصيف. أما تسعة أشهر العام الدراسي فكان يخرج من البيت فجراً ولا يعود إلا بعد صلاة العشاء ، لأن أوقات الصلاة متقاربة تمنعه من الحضور إلى البيت ، فكنت آخذ له طعام الغداء إلى المسجد الكبير ليتناوله منفردا أو أكون معه ، كل ذلك لأن صلاة الجماعة عنده لا يتقدَّم عليها شيء . فأين نحن من تلك الهمم والعزائم .



قلة مشاركته في المناسبات الاجتماعية:

كان يخطِّط حياته كلها وفق أوقات الصلاة فلا يسهر ولا يشارك في المناسبات التي يدعى إلى حضورها.

أما في الصيف فيأتي بعد العشاء مباشرة يأكل قطعة جبس أو عنب أو بِطيخ ولا يتعشى وينام فوراً ، يُدعَى إلى عقود زواج فلا يحضرها ، ويدعى إلى موالد وإلى مناسبات فلا يحضرها ويقول: أريد أن أحضر صلاة الفجر مع الجماعة ، لذلك كان قليل الحضور في المناسبات الاجتماعية لأنها تمنعه عن الاستيقاظ المبكر وعن أوراده الليلية.

وأما في الشتاء فكان يأتي بعد العشاء مباشرة ويجلس إلى الساعة الثامنة، ولما اشترينا الراديو صار يسهر إلى الثامنة والنصف لأن إذاعة مصر كانت الوحيدة التي فيها قرآن كريم بعد العشاء، وكان من الساعة 8 ـ 8.30 كل ليلة لقارئ من كبار القراء ، فكان يستمع هذه النصف ساعة ، ويصغي لها، فإذا قال المقرئ: صدق الله العظيم وضع الشيخ رأسه على الوسادة ، وانتهى السهر.



شدّة حرصه على صلاة الجماعة في المسجد:

كثير من أحبابه يدعونه إلى البساتين لتنزه في الصيف بعد الظهر فيقول لهم : أذهب بشرط أن تعيدوني العصر إلى مسجد (الحميدية). يقولون: يا شيخ الناس لا يحضرون ويتأخَّرون ، وَكِّلْ أحداً اليوم بصلاة العصر ، فيقول: إذن لا أستطيع ، فكان يمتنع عن مثل هذه النزهات إلا إذا تبرَّع أحد ممن يملك سيارة أن يعيده إلى صلاة العصر في مسجد (الحميدية) ، وأحياناً يتأخر الغداء فيعود قبل تناول الطعام ، فالأولويَّة عنده لصلاة الجماعة وفي المسجد ؛ لأنه إمام ويريد أن يتقاضى الراتب حلالاً صرفاً.

كثيراً ما حصل أن الشيخ يكون متعباً حيث كان به فتق كبير يتعبه ويرفض أن يجري له عملية جراحية وخطر الفتق كبير ، ومع هذا يتحامل ويُجهِد نفسه ليصل إلى مسجده .



تلاوته الخاشعة:

ذكر لي كثير من الناس أنهم يأتون من طريق الشام أو من طريق المياس ، إلى (الحميدية) ليصلوا عنده في المسجد نظراً لتلاوته الخاشعة في صلاة الفجر ، وكان صوته الهادئ مميزاً عند الحمصيين ، حتى إن بعضهم اعتبر في صوته كرامة له قال: إنَّ مدى صوت والدك لا يصل من المحراب إلى آخر المسجد ، ومع هذا فإن من يصلي وراءه أو في آخر المسجد أو يمينا أو شمالا فإنه يسمع نفس الصوت ، فصوته في المحراب وفي آخر المسجد وفي أطرافه لا يضعف ولا يختلف .



الشيخ محمد جنيد على المنبر:

لم يكن رحمه الله ذلك الخطيب المصقع ، وإنما كان يخطب في الجامع على قدر صوته وهو مسجد (سيدنا دحية الكلبي) ، وكان يصلي فيه مفتي حمص الشيخ (محمد توفيق الأتاسي) رحمه الله ، والشيخ (عبد العزيز عيون السود) أمين الفتوى رحمه الله ، وكان صوته هادئاً.

جلّ خطبه عن المواضيع الروحية التي تُهذِّب النفوس وتشق الطريق للسائرين إلى الله عزَّ وجل ، وكان لا يطيل الخطبة ، ويبكي كثيراً في خطبته.



صلاحه وزهده واهتماماته:

كانت له توجُّهات صوفية صادقة ، فهو الذي أخذ الطريق من الشيخ (أبي النصر خلف) رحمه الله تعالى ، وكان له أوراده ، وما عرف بتلك المشيخة الجماهيرية إنما جُل الناس يعتقد فيه الصلاح والصدق وطهارة النفس ، فكانوا يقصدونه من بعيد للقراءة على مرضاهم حيث يجدون لرقيته أثراً طيباً ومباشراً ، وكان له كثير من الأصدقاء الأغنياء فكان لا يَسْتشرف لما عندهم راضٍ بما قسم الله له ، بيتاً متواضعاً ، وكسباً قليلاً ، ولباساً رخيصاً ، ولم تكن الدنيا أحد همومه.



سقوط عمامته لقصر سقف الغرفة:

مرة أراد أن يبني لنفسه عُلَّيَّة تكون لأوراده ولتهجُّده حيث لا يوجد له إلا غرفة واحدة فيها الأولاد والزوجة ، وحتى لا يبذر ويُسرف بناها بنفسه من لبن وسَقَفَها بالخشب ، ولكنه لما سقفها حتى لا يتطاول في البنيان قاس نفسه بالمتر، وجعل السقف على طوله فقط ، وكان له عمامة نسي أن يضيفها إلى طوله ، فبعد أن بناها وانتهى دخل بالعمامة فسقطت؛ لأن السقف غير مرتفع بما يكفي طول العمامة ، فكان رحمه الله يضحك عند ذكر هذه القصة ، ويقول : نسينا أن نحسب حساباً للطربوش والعمامة.



تعديل عمارة البيت حسب عرض النعش وطوله:

لما صار عنده تسعة أولاد : ستة ذكور ، وثلاث بنات ، ولا توجد إلا غرفة ، حيث اقتسم البيت هو أخوه الشيخ محمود رحمه الله ، بنى مطبخاً وغرفة صغيرة تحت ، وغرفتين صغيرتين فوق كما ذكرت آنفاً ، ولكن لما بدأ بالعمارة العظيمة الفخمة ، وكان المعماري الحاج مصطفى من أهل اللِّحى والعمائم كذلك ، وبعد أن بنى مدماكاً أو مدماكين قال والدي _ وأنا طفل صغير _ : يا حاج مصطفى نسينا ، قال المعماري: وماذا ؟ قال : المكان ضيق والدهليز منعطِف ، والنعش ربما لا يمر إذا حصلت وفاة في البيت ، اصبر قليلاً، فذهب وقاس النعش في المسجد ، ورجع وعدَّل العمارة حسب طلبات عرض النعش وطوله وضيَّق بالغرفة الضيقة أصلاً ، فكان الموت والقبر والآخرة شغله الشاغل .



حفلة زواج ابنه البكر ممدوح:

لما زوَّجني عقد العقد في البيت ، ولم يدعُ له إلا المشايخ _ تقريباً _ والأرحام لأن ساحة المنزل ضيقة ، وكانت الضيافة رز بالحليب فقط، هذه حفلة بكره ممدوح ، ثم لما صارت ليلة الزفاف أخذني إلى بيت الشيخ أبي النصر خلف رحمه الله بعد العشاء من يوم الخميس ، حيث يقيمون المولد ، وكان الشيخ أبو النصر متوفى فحضرت المولد في بيت الشيخ ، وقال الوالد للموجودين: ادعوا لممدوح الليلة عرسه ، أحببتُ أن تكون حفلته في ديار الصالحين ، فلم يتكلَّف في عرسي كأس شاي ، هذه البساطة ، كنا مسرورين بتلك الحياة أكثر بكثير مما نحن فيه اليوم من وفرة النعم ، بل إننا اليوم يغلب علينا الخوف من الاستدراج: " اللهم لا تجعلها استدراجاًُ" اللهم اجعلها نعماً مشكورة موصولة بنعيم الجنة يا رب العالمين.



غرفة ابنه المتواضعة:

لما كثرت العائلة وتزوَّجتُ زوَّجني في غرفة لم تتَّسع إلا للسرير والخزانة فقط ، حيث أنه بنى لنا غرفتين صغيرتين فوق سقف منخفض ، زوَّجني في واحدة.

أراد إخواني وأصحابي أن يهدوني على العرس هدية [ثريا] قلت لهم : أولاً تعالوا انظروا ، فنطروا فإذا وضعوا الثريا تصل إلى المفرش لأن السقف منخفض جداً، وإذا أرادت زوجتي أن تصلي أقف على الباب حتى تنتهي من صلاتها لأن الباب لا يفتح إذا كانت تصلي ، وتدخل القطة الكبيرة من تحت الباب ؛ لأن الغرفة لا حاجز لها يمنع القطة من الدخول .

هذه عمارته هو ، وهذه هي اهتماماته بالدنيا ، وكان من أكثر الناس حمداً لله عزَّ وجل، وربى أولاده على أن يعتبروا أنهم في نعمة عظيمة ، ويقص علينا ويذكرنا بما قاسوه من أيام فقر حتى نعتبر أننا أغنياء ومترفون ، وأننا بألف ألف نعمة .



صبره ورضاه:

قدَّم رحمه الله أربعة من أبنائه أمامه ، وكانت كارثة لهذه الأسرة ، ولكن كنتَ تراه وكأنه لم يصب بأحد ، راضٍ بما قدَّره الله عزَّ وجل ، يصبِّر الوالدة الثكلى دائماً ، ويعطيها أعلى المعاني وأروع الدروس في الصبر على المصائب.



ذنوبي التي كسرت لك يدك:

حصل أن وقعت في المدرسة الابتدائية في السنة ثالثة ، فانكسرت يدي وجبَّروها في الحمام وهو لا يعلم ، فلما حضر وكنت نائماً من كثرة ما تعبت ، وإذا بي أصحو على نقطة ماء باردة على خدي، وإذا بالشيخ فوق رأسي يبكي ويقول : يا ممدوح هذه ذنوبي التي كسرت لك يدك. ربِّ اغفر لي ولوالديَّ، ربِّ ارحمهما كما ربَّياني صغيراً.



أخلاقه وصفاته:

كان رحمه الله تعالى محباً وكثير التلاوة للقرآن الكريم وتعليمه لا يملُّ من تلاوته ولا من تعليمه ، حياته كلها توكل على الله عزَّ وجل وحُسْن ظن به ، وثقة مطلقة به سبحانه وتعالى . إذا جلستَ معه تشعر كأنك جالس مع أسعد الناس . ما سمعتُه مرة يشكو صروف الدهر أو المرض أو غير ذلك ، ولا يتكلم أبداً بما لا يعنيه ، بل كان قليل الكلام ، محبته لكلِّ الناس فطرة فطره الله عليها ، وحبُّ الآخرين له أمر مجمع عليه .

فتاواه قليلة لأنه رحمه الله يرى أن غيره من العلماء أولى بها.

الوفاء مع من صنع معه معروفاً خلق من أخلاقه ، يعلم طلابه ومَنْ يقصده للتعلم برفق وحنو وعطف وأبوة ، لا يضرب تلميذه ، ولا ولده ، ولا يرفع صوته في البيت على زوجه أو ولد أو جار .

كرمه على قدر ذات يده .

إذا رأى عالماً عاملاً ذا همَّة ونشاط في دعوته وتدريسه واهتمامه بأمته ودينه وشبابه قال: اللهْ يغفرْ لي تقصيري ، ويدعو لهذا الداعية من شَغَاف قلبه ، ويعتبر نفسه أنه أحد المقصِّرين في الحقل الإسلامي .

يحبُّ العلماء كلهم خصوصاً منهم الدعاة الذين لا يكلُّون ولا يملون أو الذين امتحنوا في سبيل الله عزَّ وجل .

والحيُّ الذي نشأ فيه جلُّه من الفقراء ، فكان يغتنم علاقته مع بعض الأغنياء لسدِّ حاجة الفقراء ، وهذا أمر يعرفه الجميع.

قليل الطعام ، والذي يعرفه _ رحمه الله _ يعجب إذ كيف هو بهذه الهمة وراتبه الغذائي بهذه القلة .

وجَّه أولاده وغيرهم للتعليم الشرعي ، ولما أُجريت له عمليتان جراحيتان ووجد ذهاب الألم بسببهما وتعافى من فتقه وغيره قال : ليتني علَّمت أحد أولادي الطب نظراً لما للطبيب من معروف على مرضاه.



يقينه وطمأنينته:

وبمصافحتك له في أيِّ وقت تشعر أن برود كفه وحريريتها تُعلمك وتدلُّك على برودة يقينه بالله عزَّ وجل وطمأنينته فلا يعرف غليان الحسد في جسد الحاسد ، ولا غليان التسخط في جسم الذي لا يرضى بما قسمه الله عزَّ وجل ، ولا غليان الغضب في جسم الذين يغضبون لغير الله ، لذلك ما عرف مرض السكر ولا الضغط ولا مرضاً من هذه الأمراض التي أكثرها منشؤه عدم الرضا بما قسم الله أو إعلان الحرب على الآخرين من أجل دنيا.



الشيخ محمد جنيد وفريضة الحج:

إذا كانت رسالة عمِّي الشيخ محمود رحمه الله تعليم الناس وتدريسهم ، فكان جلُّ اهتمامه في الفقه ، فلقد كان أخوه الشيخ محمد رحمه الله مهتماً بعبادة الحج غاية الاهتمام.

يحبُّ هذه العبادة بشكل منقطع النظير فمع هلال شوال يبدأ يرتِّب أموره لهذه العبادة.

يحبُّ خدمة الحجاج ، وفي هذا الميدان لا يُبارى ولا يُجارى ، يخدمهم خدمة _ والله _ لا يخدمهم إياها أم ولا أب ، يستخرج لهم جوازاتهم ، ونصحهم ويشير عليهم برأيه في هذه الرحلة من حيث : موعدها ومؤونتها وجميع أمورها ، فكنتَ بعد رمضان تجد عنده في محراب الدالاتي الناس زرافات ووحداناً ، يستشيرونه ويرغبون أن يكونوا معه ، وهناك يحنو عليهم يخدمهم خدمة لانظير لها ، تفوق خدمة المطوفين وشركات السياحة ، وأنا ألصق الناس به ، وهو مع ذلك لا يبتغي إلا الأجر من الله عزَّ وجل ، ووقائع الحج مشهودة وكثيرة ، ويشهد كل من حجَّ معه أنه من الطراز الأول في التيسير على الناس ، والقيام على شؤونهم حتى يرجعوا إلى بلادهم ، ولهم معه قصص لا تنسى.

* حجَّ رحمه الله ماشياً على قدميه ، واستأجر الجمل للمتاع فقط ، سار على قدميه خمسة وأربعين يوماً إلى المدينة المنورة ، وعشرة أيام إلى مكة ، والعودة مثلها ، ثم حج على الجمل ، ثم حج بالباخرة وبالقطار والطائرة ، وعايش تطور الطيران ، فلقد ركب الطائرة الصغيرة 36 راكباً ، والطائرة الكبيرة 400 راكباً، وبلغت حجاته 46 حجة بزيادة واحدة أو نقص واحدة.

وفي كل هذه الحجج كان يعتبر نفسه مرشداً للحجاج الحمصيين خصوصاً وللحجاج عموماً ، يعمل كل ما من شأنه أن يخفِّف التعب عنهم ، ويشهد الله أني كنت معه في حجج متعدده فلا تراه نائماً مستغرقاً ، ويحذرني إذا جاءه أحدٌ يستفتيه في مناسك الحج أو العمرة أن أقول لهم: إنه نائم .

أعود فأقول : لقد كان الحج اختصاصاً من اختصاصاته ، انفرد تقريباً بعدم مشاركته الاجتماعية في الحفلات والسهرات والموالد ، ولكنه انفرد أيضاً بعمل دؤوب طيلة ثلاثة أشهر: شوال وذي القعدة وذي الحجة ، من كل عام مع الحجاج مع آمالهم وآلامهم وصحَّة عبادتهم وتوجيههم والحنو عليهم والقصص عن ذلك كثيرة وكثيرة .

حاله في المدينة المنورة :

بعد أداء الحج كل عام يذهب إلى المدينة المنورة ، حيث كان يتأخر في مكة المكرمة حتى يطمئن على جميع الحجاج الحمصيين أنهم سافروا ، ثم يسافر إلى المدينة المنورة ، والشيخ في المدينة المنورة رجل آخر مُحبٌّ للرسول صلى الله عليه وسلم ، من الطراز الأول يعود الناس كلهم إلى حمص وهو باق عند الحبيب صلى الله عليه وسلم ، يطيل الإقامة عنده محبةً به صلى الله عليه وسلم ، ولا يعود إلا في نهاية محرم أو أول صفر.

ولقد كتب لي مرة رسالة وأنا في سن الثانية عشرة : يا ولدي لا تقل كل الحجاج رجعوا إلا أباك ، أنا أعرف أنك تحب أن أعود إليكم ، ولكني يا ولدي لا أغادر المدينة إلا بإذن من الرسول صلى الله عليه وسلم . هكذا كان حاله وحبه وهيامه بالمدينة المنورة ، وعندما يأتي حمص ليس له حديث إلا المدينة المنورة وأنوارها وأهلها وفضلها ومشايخها ، وقال مرة للمشايخ وهم يستقبلونه بعد عودته : أنا أشعر أنَّ سلامكم عليَّ تعزية لي ، حيث فارقت الحبيب وبلده ، فأنتم تخففون عني مصابي ، فبكى ، وأبكى الحاضرين .

وكان يُصرُّ عليَّ أن تكون الضيافة حبه (كرميلا) فلا كلفة ولا إسراف علماً أن أكثر حججه بدل عن الغير ، والذين يوكلونه يقولون له : نعطيك نحن كلفة الاستقبال (النزلة) . فيقول: لا آخذ ولا أبذِّر ، علماً أنهم ميسورون جداً .



إقامته في المدينة المنورة:

سافر الشيخ من حمص عام 1980 في وقت عصيب إلى مكة المكرمة ، ثم بعد الحج وصل المدينة المنورة التي ما كان يحب مفارقتها ، وذهب يوماً وزار الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم عاد إلى البيت وقال: يا ممدوح لقد استأذنت النبي الكريم بالمجاورة وعدم العودة إلى حمص وهو يبكي بكاءً عظيماً فرحاً ، ومن ثَم أقام بها ولم يعد ولكن ماذا نعمل وكان شغوفاً بمحراب مسجد الحميدية (الدالاتي) ، وقرآن المدرسة القرآنية ، يدرسه للناس بحمص فأبدله الله بدل (الدالاتي) مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، وبدل المدرسة في حمص الحرم النبوي الشريف يدرس فيه القرآن الكريم لطلاب الجامعة المختصِّين بالقراءت ، وفي البيت يستمع القرآن الكريم لأولادي وأولاد أخواتي وأولاد أخي .



سكنه في رباط قديم خَرِب:

سكن في المدينة المنورة في رباط قديم قريب من الحرم جداً ، ليكون محلاً لوضوئه واستراحته فقط في النهار ، ولكن هذا الرباط الخرب أظن أنه لا توجد أفعى إلا وتزوره ولا توجد عقرب إلا وتعرف هذا الرباط فهي ساكنه في خربه وجدرانه وأرضه ، وقد سكن هذه الغرفة على ما هي عليه بعجرها وبجرها، ومدَّ فيها بعض الأخشاب، ووضع عليها فراشاً بسيطاً ، فإذا شعر بنعاس في الحرم أو تعب ذهب واستراح ، ولو أعطيتُ مليون ريال ما أستلقي فيها ساعة لكثرة ما يوجد في جدرانها من الثقوب المسكونه ، وهو لا يأبه بها ولابعيرها انتباهه ، ويقول: هذه الغرفة في المدينة أهم عندي من قصر (يلدز) ولا أدري من أين سمع باسم هذا القصر ، ويقول له الأحباب: يا سيدي أما تقرصك العقارب ؟ يقول: لا، لا تؤذها وهي لا تؤذيك .

حالة الشيخ الصحية

كان الشيخ رحمه الله قليل الأكل ، وإن أكل فأكله الخَضراوات ، يبتعد عن اللحوم بكل أسمائها وأشكالها، قليل السهر ، كثير المشي ، فهذه أسباب مادية ، يضاف إليها أسباب روحية فقد كان بعيدا عن الهموم، مسلِّماً أمره إلى الله في كل صغيرة وكبيرة وكل ما أصابه من أذى ، كثير تلاوة القرآن والحج والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار ، فقد اجتمعت هذه الأسباب بفضل الله تعالى ليكون الشيخ رحمه الله ممتعا بصحة وعافية إلى آخر لحظات حياته ، فقد كان يقرأ القرآن في آخر يوم من حياته بدون نظارات لعيونه ، فيضع المصحف على يديه في حجره ويقرأ وهو رافع ظهره بدون عناء أو مشقة ، وأما السمع محدثه غير محتاج إلى رفع الصوت أو إعادة الكلام مرة أخرى ليسمع الشيخ ، وقل مثل هذا في كل أعضاء الشيخ وقواه ، فبفضل الله لم يستخدم الكرسي المتحرك في حياته ألبتة.

ومما ينبغي التنبيه إليه أن الشيخ رحمه الله كان يكره كل دواء كيميائي ، حتى إنه بعد إجراء العملية الجراحية كان يجتهد في عدم تناول الأدوية التي تُعطى له ليتناولها ، بل كان له دواء خاص يصنعه بيديه حتى شهر به ، وأصبح من يعرف الدواء يحضر ليحصل عليه من الشيخ .

حديث شريف كان قد أخذ بمجامع قلبه:

لقد أعطاه شيخه الشيخ عبد المجيد الدروبي إجازه في القراءات، ومن جملة ما في هذه الإجازة حديث شريف كان يُردِّده رحمه الله كثيراً ، حتى حفظه زوَّاره منه لكثرة ترداده له ، ولا يحب أن يجادل في سنده أو أن يناقش فيه أبداً ، وكأنَّ هذا الحديث الشريف نصٌّ لا مرية فيه أبداً .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يا أبا هريرة تعلم القرآن وعلمه الناس حتى تموت وأنت على ذلك، فإن مت وأنت على ذلك حجَّت الملائكة إلى قبرك كما يحج المؤمنون إلى بيت الله الحرام".



وفاته رحمه الله تعالى:

لقد أمضى رحمه الله تعالى أكثر من ستين سنة في حمص يعلم القرآن الكريم لكل من قَصَدَه ، وأمضى في المدينة المنورة إحدى عشرة سنة بقية عمره يعلم القرآن الكريم فرحاً مسروراً بهذه المهمة العظيمة ، ولقد علَّم وعلَّم حتى مات على ذلك ، فبعد أن استمع إلى أولاد أولاده بعد عشاء الخميس وافته المنية صباح الجمعة في شوال1411 بعد عمر 93 سنة هجرية ممتَّعاً بسمعه وبصره وكل قواه.

ولقد استدعاني بعد الفجر صباحاً ، وكنت أريد أن أخرج لدرس عندي خارج البيت ، قال : لا تذهب اليوم ، وإذا به متضايق قليلاً قلت : نأتيك بالطبيب قال : لا ، اليوم لا طبيب ولا شيء ، ابقَ معي ، وكان قد طلب من الوالدة قراءة سورة (يس) ، ثم طلب مني أن أقرأها ، واستدعيت أخانا عبد الحفيظ بحلاق رحمه الله ، فقال له : أُدخل إلى الغرفة واقرأ سورة يس .

وبينما أنا أقرأ ، وقد وضعت يدي على صدره ، وهو يقول : ارفع يدك إلى فوق قليلاً ، ثم مرة أخرى ، فما انتهيت إلا وهو مفارق الحياة ، وأنا _ والله _ لا أعلم أنه قد فارق ، حيث توجَّه للقبلة ووضع خده فوق كفه الأيمن ، وظننت أنه قد هدأ ونام ، وإذا به _ حقيقة _ قد توفي رحمه الله .

أما الأخ عبد الحفيظ بحلاق رحمه الله فلقد زار قبره صباحاً يوماً من الأيام ، وإذا بحفار للقبور أخرس يشير له أن هذا القبر خاصٌّ بك _ بالإشارة _ فقال : نعم ، ولِمَ ؟ قال مشيراً : إنَّ الطيور تأتي كل صباح بأعداد كبيرة جداً تقف على القبر وليس على القبر حبُّ حنطه ، فلعل ما آمن به الشيخ رحمه الله تعالى حظي به ، كما حظي بالبقيع الشريف دفناً وبالنبي صلى الله عليه وسلم جواراً دائماً إن شاء الله تعالى .

أطلت وأكثرت للعبرة والاتعاظ لي ، ولكل من يسمع ويقرأ، ولكي نعرف أين نحن من تلك الهمم العالية والنفوس المطمئنة ، ولعل أمثال هذه القصص تكون حادياً لنا على طريق الحق والخير والهدى والرشاد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا