الاثنين 12 ربيع الأول 1440 - 19 نوفمبر 2018

كلمة في علامة الدنيا أبي زاهد

الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 1582

 

رجاني الكثير من الإخوان أن أكتب عن الشيخ رحمه الله، ولكن هِبْت الكتابة عن علامة زمانٍ ومحدث عصرٍ وفقيه مِصرٍ كمثله، لأن مثلي ليس أهلاً لمثله، ولا أهلاً للكتابة عن أمثال أولئك الأعلام الأفذاذ، الذين لا يطولهم لسان، ولا يحيط بمناقبهم قلم. ومهما حاولت السبق في الكتابة عنهم، فإني مقصر:
                          وراحلتي بين الرواحل ضالع([1])
وما كنت لأكتب لولا تشجيع الإخوان الذين نفثوا فيَّ روحَ الجُرأة والإقدام.
إنني عرفت الشيخ منذ نعومة أظفاري، إذ كان والدي -رحمه الله الذي أحب الشيخ وصحبه زمناً وقاربه سِنًّا- يصحبني إلى سماع خُطَبه، وحضور دروسه التي كان يلقيها في مدينة حلب.
وعرفته ضحّاكاً بسَّاماً بهيَّ الطلعة، حسنَ السمت، وقوراً جدّيـًّا في أموره كلها، لا يغفل عن شيء يهم الأمة أو يُقوِّم من اعوجاجها، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، غير هيِّاب ولا وجِل، يصبر في سبيل ذلك على كل ما أصابه، ناشراً للعلم محبـًّا للمعرفة، بحّاثاً عن الحق.
كنت أُشبِّهه تارة بأبي بكر الصديق وتارة بعمر الفاروق، وتارة بابن عباس، وأخرى بجدِّه خالد بن الوليد، رضي الله عنهم وأرضاهم، لما ألمس فيه من الاقتداء بالسلف الصالح.
 
 
نسبه:
هو العلامة المحدث المُتَّبع الفقيه النظَّار الإمام الشيخ عبد الفتاح أبو غدة بن الحاج محمد بشير أبو غدة الخالدي الذي ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل خالد بن الوليد المخزومي رضي الله عنه، وذلك ما حدثني به شيخنا أثناء زيارتنا لحمص سنة 1417هـ لزيارة ضريح ذلك الصحابي، إذ يؤكّد الشيخ على دفنه في مدينة حمص لأن تواجده هنالك -رضي الله عنه- كان ضروريـًّا لكون حمص مركزًا للجيوش الإسلامية يومها.
وأما والدته فهي الحاجة فاطمة مزكتلي، من أهالي مدينة حلب من حي قرلق، كما حدثني بذلك -رحمه الله- أثناء مرورنا بذلك الحي بعد عودته من مهجره.
كان والد الشيخ محمد بن بشير يعمل تاجراً وصانعاً للصايات الحلبية القديمة[2] التي كان يلبسها وجهاء البلدة وأغنياؤها، وقد عُرف والده بالصلاح والصدق بالتعامل كما أفادني بذلك والدي ومَن عرف والد الشيخ رحمه الله تعالى.
نشأته:
نشأ في بيت عُرف بالصلاح وحب العلم، وحَفِظَ القرآن في سن مبكرة، واشتغل مع والده الذي كان له حانوت لبيع الصايات في سوق الدَّهْشة، أحد أسواق حلب القديمة، وحدثني -رحمه الله تعالى- أن والده كان يحرص على تعليمه صناعة نسيج الصايات، وقد اشتغل بها الشيخ وهو صغير مع طلبه للعلم، ثم انقطع لطلب العلم، بعد أن انتسب إلى الكلية الشرعية التي تعرف اليوم بالثانوية الشرعية، وذلك بعد اجتيازه المرحلة الابتدائية العامة بنجاح، وكان مدير الكلية يومها الشيخ العلامة راغب الطباخ*[3]، الذي أولاه عناية خاصة، لما لمس فيه من ذكاء وحرص على العلم، وكان يُدرّس في تلك الكلية يومها أكابر علماء مدينة حلب.
وحدثني الشيخ أن والده كان له قريةٌ على ضفاف الفرات، تُعرف بقرية (أبو هريرة)، وقد دخلت اليوم بالغَمْر -أي ما غمره سد الفرات من القرى والأراضي- وكان الشيخ يمارس هواية الفروسية هناك.
أساتذته:
تلقّى الشيخ -رحمه الله تعالى- علومَه عن أكابر علماء مدينة حلب، على رأسهم العلامة المحدِّث الأديب المؤرِّخ صاحب الأثبات الحلبية وأعلام النبلاء، الذي ما جلس الشيخ مجلسًا إلا ذكر شيئاً من مآثره ودعا له بخير، الشيخ راغب الطباخ، الذي أحب الشيخ وحفَّه بعناية خاصة، وأجازه بمختصر أثباته الحلبية. والشيخ نجيب سراج الدين، والشيخ سعيد الإدلبي الذي درس عليه الفقه الشافعي، والشيخ أحمد الزرقا، والشيخ إبراهيم السلقيني الجد، وابنه الشيخ محمد مدَّ الله في عمره*[4]. كما درس النحو والبلاغة على الشيخ محمد الناشد، وقد أريتُ الشيخ صورته الشمسية فبكى وأثنى عليه خيراً، والشيخ محمد الحنيفي الذي درس عليه علم التوحيد من شرح الجوهرة التي كان الشيخ الحنيفي قد شرحها، وكان من عادة شيخنا أن يثني على هذا الشرح*[5]. كما درس شيخنا الأصول على الشيخ أسعد العبجي، والفرائض على الشيخ محمد معطي، وعلم التصوف على الشيخ عيسى البيانوني نسبة إلى قرية بيانون شمالي مدينة حلب. وحضر شيئاً من النحو على الشيخ عمر الأسدي وحدثني الشيخ أنه توفي بعد حضور الشيخ عليه بثمانية أيام، وأخذ الطريقة النقشبندية على العارف محمد أبو النصر خلف الحمصي.
ثم رحل إلى دمشق، وحضر على أفاضل علمائها، منهم المحدث الشيخ محمد بدر الدين الحسني البيباني، والشيخ علي الدقر والشيخ أبو اليسر عابدين.
وفي سنة 1946م انتسب الشيخ إلى الأزهر، وأجيز منه، وحضر على أمثال الشيخ محمد الخضر حسين وحسنين مخلوف، والعلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري نزيل القاهرة، والعلامة شيخ الإسلام مصطفى صبري، والشيخ عبد المجيد دِراز أخي الشيخ عبد الله دِراز -ضبطها الشيخ بكسر الدال- وكان والدهما هو الشارح للموافقات. وأخذ الأصول عن الشيخ أحمد فهمي أبو سُنَّة وبقية علمائها.
كما رحل إلى المغرب والجزائر، وأخذ عن عبد الحفيظ الفاسي وإبراهيم الكتاني وفي الجزائر عن أحمد سحنون وغيرهم.
ورحل إلى العراق، وأخذ عن أكابر علمائها، أمثال الشيخ العلامة أمجد الزهاوي، كما رحل إلى الهند وباكستان وأفاد من علمائها الذين أحبهم وأحبوه، أمثال الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، ومحمد عبد الرشيد النُعماني، ومحمد شفيع مفتي الباكستان.
 وقد تلقى الشيخ من علماء أفذاذ في شتى بقاع العالم الإسلامي، يضيق الحصر عنهم، وأُحيل القارئ إلى كتاب كان يعده أخي البحاثة محمد عبد الله آل رشيد تلميذ الشيخ وهو (إمداد الفتاح.....) فإنه قد جمع مشكوراً ومأجوراً الكثير من شيوخ شيخنا.
تلامذته ومن أخذ عنه:
أُحيل ذلك إلى كتاب أخينا البحاثة محمد آل الرشيد، فإنه قد جمع فأوعى.
علمه وثناء العلماء عليه:
دخلت يوماً على فضيلة شيخنا العلامة الصنَّاع الشيخ عبد الرحمن زين العابدين[6]* رحمه الله تعالى، فوجدته يبحث باهتمام عن شيء يهمه، فلما سألته قال: أبحث بين الكتب عن كتاب (التصريح بما تواتر في نزول المسيح) تحقيق الشيخ عبد الفتاح ثم أتبع ذلك بالآية الكريمة: ((ولا تبخسوا الناس أشياءهم)) [هود: 85]، لم أرَ مثل هذا التحقيق والبحث الدقيق، فجزاه الله خيراً، وكان من عادة الشيخ عبد الرحمن أنه لا يحوز إعجابه وإطلاق ثناءه إلا قلة من العلماء المجدين.
كان العلامة الشيخ عبد الفتاح -رحمه الله تعالى- مُحبـًّا للحكمة، جمَّاعة للعلم، رحَّالة في طلبه إلى الأقطار، حريصاً على مشافهة العلماء والتلقي من أفواههم، متأثراً بأحوالهم، يدل على ذلك تلك المؤلفات والتحقيقات الرائعة التي خلفها الشيخ وقد انتشرت في الأقطار الإسلامية، وعم نفعها البلاد والعباد.
كان صابراً على البحث والتنقيب في بطون الكتب، يؤثر هذا على كل شيء حتى على الطعام والشراب، وقد حدثني بعض أفراد عائلته أنهم يحضرون الطعام إلى المائدة، وقد يكون ذلك بعجالة بطلب من الشيخ لشعوره بالجوع، وأثناء التحضير يدخل الشيخ المكتبة، ويُوضع الطعامُ على المائدة، ويتحلَّق الأفراد، ويُؤذن الشيخ بذلك، فيقول: (طيب، حاضر حاضر)، ويتابع بحثه، ثم يُؤذن ثانية وثالثة، وهو يقول: (طيب، حاضر حاضر)، ويبرد الطعام ويُسَخَّن ثانية، ويأكل الأفراد، والشيخ في مكتبته لا يتوقف عن البحث والمطالعة، وبعد إلحاحٍ شديد خوفاً على صحة الشيخ يأكل الشيخ، وهو مشغول البال عند المكتبة.
بعد أن طعنت به السن، كنت أخرج بمعيته إلى إحدى المكتبات، كان الشيخ يجلس على الكرسي هناك ويقول: ابدأ يا مجاهد بالرف الأعلى وأنت نازل إلى الذي تحته حتى الأخير. فكنت أُنفذ ما طلبه شيخنا، وما أكاد أذكر اسم الكتاب حتى يقول هو اسمَ المؤلف والمحقق واسم المطبعة وتاريخها ونوع الطبعة، وهكذا يجلس الساعة والساعتين رغم تعبه وكبر سنه.
وكان الشيخ لا يُفارق الكتاب لا في حَضَر ولا سَفر، حتى وإن كنا في السيارة داخل شوارع البلدة*[7]، فكان يسألني قبل أن يخرج من البيت: هل معك كتاب؟ وما هو؟ حتى أثناء سفرنا يطلب مني أن أقرأ داخل السيارة، وأثناء توقفنا، حتى في المطعم والناس من حولنا. أذكر أنني كنت في معيَّة الشيخ لزيارة قلعة صهيون – قلعة صلاح الدين – ونحن في السيارة، وأنا أقرأ له عن تاريخ القلعة وعن مميزاتها وعن فتحها، والشيخ يبكي تارة ويتكلم أخرى، وإذا وقفت خوف الإكثار على الشيخ وخوف سآمته -رحمه الله- يقول: خيراً لمَ توقفت؟ اقرأ، فأقرأ. وأثناء العودة نزلنا لتناول طعام الغداء في أحد مطاعم منطقة القساطل، وما إن جلسنا حتى التفت الشيخ قائلاً: أين الكتاب؟ قلت: حتى ها هنا يا مولاي؟!. قال: نعم، ما المانع؟ وكان معنا من جملة الكتب كتاب الكامل للمبرد فأحضرته من السيارة، وأخذت بالقراءة، وأخذ الشيخ بالشرح والتقرير، والناس على سُفَرهم من حولنا.
كان يحرص على الفائدة العلمية من أيِّ فم صدرت، ومن أيِّ جهة كانت. ذكرت يوماً أمامه أن ابن خلدون قال في مقدمته: (إن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا مفسدة للجباية)([8])، ففرح الشيخ بهذه العبارة وقال: اكتبها لي مع مرجعها حتى أضعها في كتاب الكسب للإمام محمد[9] رضي الله عنه، وكان الشيخ يحقِّق الكتاب.
وله صبر عجيب على تحقيق المخطوطات والمقارنة بين النسخ ومعرفة أماكنها في مكتبات العالم، كما كان له صبر على إخراجها بالمظهر اللائق وطبعها الطباعة الممتازة الرائعة، وكان يقول لي: ربما أعدت الكتاب أكثر من عشر مرات مراعياً فيه حسن الإخراج وعدم إرهاق القارئ بالحرف ولا بالمال.
ويوماً –وكعادته-[10]* كلفني -جزاه الله خيراً- بمراجعة طبعة فهرس كتاب "الانتقاء" لابن عبد البر، وكان الكتاب قد بلغ /300/ صفحة، وطلب مني الإسراع لأنه سوف يسافر إلى السعودية، دقّقت الطبعة، وعدت بها إلى الشيخ، وبدأت أبيـّن ما فيها من أخطاء، والشيخ جالس على كرسي، يسمع وينبّه على الصواب، وطال المجلس، وكان الشيخ قد ذهب قبل يوم إلى الطبيب بسبب نقص في تروية القلب، ومنعه الطبيب من الجلوس منتصباً على الكرسي لأكثر من ربع ساعة، وبين كل فينة وأخرى، أرجوه أن يستلقيَ على الأريكة بناء على نصح الطبيب، والشيخ يبتسم ويقول: ما دمنا في العلم فلا ضرر بذلك، وبقي على هذا الحال مدة تُقارب الساعتين والنصف، ثم سافر إلى السعودية ولم يعد رحمه الله تعالى.
كنت في كثير من الأحيان إذا طلب منه الخروج من البيت للاستجمام، بعد أن مكث فيه مدة من الزمن، يقول الشيخ وهو يضحك: يا مجاهد، عندي ضيوف من شتى الأزمنة والأمكنة، فهل تُراني أتركهم؟ وهل هذا من حُسن الضيافة، وقد أُمرنا بإكرام الضيف –يقصد بذلك الكتب-؟
كانت غالب أسفاره طلباً للعلم والمعرفة من لقاء شيخ، أو مُشاهدة مَعْلم، ولـمَّا قمت بمعيته لزيارة قلعة شَيْزَر، بكى أمامها وهو يذكر أسامة بن منقذ –صاحب كتاب الاعتبار- الذي كانت انطلاقته منها لصدِّ هجمات الصليبيين عن بقية بلاد الإسلام، ويشير الشيخ بأُصبعه السبابة وهو يقول: كان ابن منقذ حسكي الشكل. ولم يبق من معالم هذه القلعة إلا القليل*[11].
حدثني يوماً وهو يضحك، أنه كان أثناء طلبه للعلم، يحضر دروس الشيخ عيسى البيانوني مع تلامذة الشيخ الكبار، وهو في سنٍّ صغيرة، فسأل الشيخ يوماً عن مسألة، فرفع هو يده، ولكن الشيخ انتظر الجواب من الكبار، فلم يُجب أحد منهم، وبعد مدة كافية طلب منه الجواب، فلما أجاب إذا بالشيخ عيسى يندفع قائلاً باللهجة الحلبية: (وِلَكْ يِرْحَمْ اللّي خَلَّفَكْ).
وحدثنا الشيخ العلامة محمد السلقيني حفظه الله أحد شيوخ شيخنا أن ورقة امتحان الشيخ عبد الفتاح –وهو في مرحلة طلبه للعلم في الكليَّة الشرعيَّة- كانت تُوضع ويتحلق حولها أساتذته للاستفادة منها.
وقد حاز الشيخ -رحمه الله- على ثناء علماء الإسلام في كل الأصقاع لساناً وقلماً، وعلى رأس أولئك الشيخ العلامة أبو الحسن الندوي، وتضيق الصفحات عن تعدادهم.
وقد نال الشيخ جائزة ملك بروناي السلطان حسن لخدمة السنة الشريفة، وكان الحفل الذي أقيم بهذه المناسبة السبب الأول لعودته من مهجره إلى مسقط رأسه، بعد أن رغب بذلك رئيس الجمهورية العربية السورية سنة 1416هـ[12]*.
طريقته في التعليم:
نِعْم المعلم والمؤدِّب، كان معلِّماً ومؤدِّباً حالاً وفِعالاً. وكان يقول: المعلم هو الذي يربي في المُتلقي عنه المحاكمةَ العقليةَ وحبَّ البحث.
دروسه يحضرها قوم مختلفو الطبقات والمستويات والأعمار، وكل واحد منهم يفهم ويستفيد، كان ليِّناً بسّاماً كثير المقارنة وتشبيه ما هو ماضٍ بما هو حاضر، متثبّتاً في إلقائه واثقاً من علمه، وربما أعاد الجملة أكثر من مرة لتُفهم عنه، يعلم متى يبتدئ؟ ومتى يقف؟ وكيف يُنهي الكلام؟ كان ينطلق في دروسه من قاعدة علمِ البحثِ والمناظرة: "إذا كنتَ ناقلاً فالصحة، أو مُدّعياً فالدليل"، مُدعّمًا ما يقول بالأدلة العقلية والنقلية والواقعية.
تحفظ الجملة أو بيت الشعر من فمه مباشرة لحسن إلقائه ووضوح ألفاظه، كنا نحفظ من فمه -ولأول مرة- قول الشاعر:
 يُقضى على المرء في أيام محنته           حتى يَرَى حَسَناً ما ليس بالحسن
وكنا نحفظ منه:
 مشيناها خُطاً كُتِبت علينا              ومن كُتبت عليه خُطاً مشاها[13]*
ومنه نحفظ:
 عوى الذئب فاستأنَستُ بالذئب إذ عوى                وصوَّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ[14]*
وكان من عادته -رحمه الله- إذا أملى على الطالب مسألة أو شعراً، طلب منه الإعادة بعد كتابة ما أملى. أذكر أنني كنت في صحبته إلى حمام يلبغا الناصري في مدينة حلب، وعلى باب الحمام نادى: يا مجاهد أين الكُنَّاش؟ قلت: هو ذا يا سيدي. قال: اكتب، قال المرغيناني صاحب الهداية:
ولم أدخُلِ الحمَّامَ من أجلِ لذّةٍ            فكيفَ ونارُ الشوقِ بين جوانحي
ولكنّها لم تَكفِني فَيضُ عَبرةٍ               فجئتُ لأبكِي من جميعِ جوارحي
وبعد أن كتب ما أملاه قال: أعده ثانية، فأعدته عليه[15]*.
وكان أحياناً يشرح الغامض تمثيلاً ليُفهم عنه، كنت أقرأ عليه من كتاب الكامل للمبرد، فمررت بقول سلامة بن جندل:
 كنا إذا ما أتانا صارخٌ فزِعٌ             كان الصراخُ له قرعَ الظنابيبِ([16])
وقد شرح المؤلف كلمة الظنبوب: بأنه مقدمة عظم الساق، فقال الشيخ ممثِّلاً ذلك بنفسه: كان من عادة العرب أنهم إذا كانوا في مضاربهم مُحتبين، وأتاهم مستغيث، ضربوا بأكفهم على مقدمة الساق، -ورفع الشيخ ثوبه عن ساقه وضرب مقدمتها- ويقول وهو يضربها: هيا.
وكان -رحمه الله- متأدّباً في تصحيح الأخطاء لمن أخذ عنهم، وكان يقول: "لا بد للعاقل من زلة.." قرأت عليه -أثناء قراءتي عليه من كتاب الكامل للمبرد- شعر ابن ميادة:
          ونواعمٍ قد قلنَ يوم ترحّلي             قولَ المجـدِّ وهنّ كالمُـزَّاح
          يا ليتـنا من غير أمر فادحٍ             طلعت علينا العيـس بالرَمَّاح
          بينا كذاكَ رأيتَني متعصباً                بالخزّ فوق جَلالة سَـرداح
          فيهن صفراء المعاصم طَفلة             بيضاء مثل غريضـة التفاح
          ريَّشنَ حين أردن أن يرمينني            نبلاً بلا ريـشٍ ولا بقـداح
          ونظرْنَ من خُلَلِ الستور بأعينٍ         مرضى مُخالطها السَّقامُ صِحاح
قلت: (السِّقام) بالكسر، فتبسّم الشيخ وقال: عُدت بي إلى أكثر من 60 سنة، والشيخ راغب -رحمه الله تعالى- يقرأ هذه الأبيات، فقال كما قلت أنت: السِّقام، فانتظرتُ حتى مرّ من أمامي، وقلت بصوت منخفضٍ حيث يسمع هو فقط: السَّقام بفتح السين، فاستدرك الشيخ، وقال: إنما هي السَّقام بالفتح مصدر، أما السِّقام فهي جمع سقيم.
إن مثل هذه القصص والتشابيه الواقعية لترسيخ المعلومة في ذهن الطالب، وكان درسه لا يخلو من النكات المفيدة أو المزاح الهادف.
كنت إذا سألته عن عالم من العلماء، أغمض عينيه قليلاً، ثم صوَّب بصره نحو الأعلى، كأنه ينظر إليه، ثم تمثل هيئة ذلك العالم وحاله كأنه هو، وأخذ يتكلم عنه بكل معرفة وكل دقة وصف. سألتُه عن الشيخ محمد الخضر الحسين -رحمه الله تعالى- فمثَّل حاله بإطباق الفم وحِدّة البصر. وكنتَ إذا سألتَه عن الشيخ عبد الحي الكتاني -رحمه الله تعالى- أراكَ هيئة العنفوان. وعن الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي السعودية السابق مثَّل لك هيئة الإنسان الشديد في مواقفه، الوقّافِ عند حدود الله، ويتكلم عنه وهو يهزُّ رأسه متعجباً منه ومن مواقفه الجريئة، وكأنك ترى المسؤول عته ماثلاً بين عينيك.
كان -رحمه الله-، إلى جانب كونه أستاذاً ناقلاً للعلم إلى من بعده، كان ناصحاً ومربياً لطالب العلم ومقوّماً لاعوجاجه، كان يأخذ أحياناً بيدي وينفرد عن الناس ويقول: إني أحبك، فأصلح بعض هندامك، لا تقل كذا، قل كذا، فإنه أقرب إلى السنة أو العربية، أو ابتعد عن هذا الخلق والتَّصرُّف أمام الناس، فإنه لا يليق بطالب العلم، وينصح طالب العلم باصطحاب القلم والورقة دائماً، يقول:
لا بدَّ لطالب العلم من كُنَّاشِ             يكتب به قائماً أو ماشي.
أذكر أننا كنا في زيارة لجامع الفردوس في حلب، وقد نُقش على الباب من الخارج:
          في بابِ فردوسَ حلب          سَطرٌ من الخطِّ عجَب
          فيه صِحافٌ مِن ذهَب         هُنَّ صِحافُ مَن ذهَب
فلما قرأتُها للشيخ، قال: أين الكُناش؟ قلت: معي. قال الشيخ: اكتبها وهاتها، قلت: هي موجودة في إعلام النبلاء، فقال الشيخ: لا لا. بل المصدر الأصلي([17])، فكتبتها له على ورقة وأعطيته إيّاها.
كنت أقرأ في كتاب "فتح باب العناية"، الذي حقَّقه فضيلته –جزاه الله خيراً- وجدتُ فيه أن الشارح لما ذكر مذهب الشافعي في طهارة جلد الحيوان، قال: وعند الشافعي ومالك لا يطهر الجلد بالدباغة([18])، اتصلت بالشيخ هاتفياً وقلت: إن الشارح هنا ذكر عدم الطهارة بالدباغة، ولكن في متن أبي شجاع المعتبر عند الشافعية ذُكر: "وجلود الميتة تطهر بالدباغة إلا الكلب والخنزير، وما تولَّد منهما أو من أحدهما"([19]). فأجابني الشيخ: أعد العبارتين في الفتح وفي متن أبي شجاع، ثم قال: عجيب، اكتب يا مجاهد لي المرجع حتى أنبِّه إلى ذلك أثناء طبع الكتاب ثانية، وشكرني على ذلك لطفاً منه، واحتراماً لحقِّ العلم.
كما ينصح من يريد أن يؤلف كتاباً أو رسالة، أن يقوم بتحقيق القديم والعناية به، والكشف عن كنوز الآباء والأجداد.
عبادته وزهده:
يقول، رحمه الله تعالى: إذا أكلتَ الحلالَ أطعتَ الله شئتَ أم أبيتَ، وإذا أكلت الحرام عصيت الله شئت أم أبيت.
كان يفهم الزهد أنه الابتعاد عن كل ما هو حرام، لا أنه ثوب مرقع أو وسخ، ولا هو ترك الزينة أو الانضواء وضعف الجسم.
لم يكن للشيخ مَطْمع بأموال الآخرين أو بما في أيديهم، كان عازفاً عن الدنيا منقطعاً للعلم ونُصْرة الدين حتى أنه لم يكن يدخل أماكن تدل على الترف والإسراف، كنت في معيته يوماً في أحد مصايف حلب[20]، فمررنا ونحن في السيارة أمام قصر يبنيه أحد الأغنياء المترفين، فلما رأى الشيخ واجهة القصر وما زُخرفت به وما صُرف لأجلها، قال الشيخ لصديقنا سائق السيارة: (أسرع ولا تقف) وهو يكرِّر قوله تعالى: ((تِلكَ الدارُ الآخرةُ نَجعلُها للذينَ لا يُريدونَ علوًّا في الأرضِ ولا فسادًا، والعاقبةُ للمتّقين)).
وكان من عادته ألا يؤخِّر الصلاة عن وقت الأفضليّة، ويحرص على أدائها جماعة في المسجد رغم مرضه وكبر سنِّه. ويحرص على أداء الأوراد والأذكار، وكان كثير البكاء عند تلاوة القرآن أو عند الموعظة.
محنته وصبره:
كما كان له صبر عجيب على البحث والتحقيق والتدقيق، كان صابراً على المصائب التي تنزل به حُسبةً لله تعالى. سُجن الشيخ بالسجن الحربي في سورية سنة 1965 حتى 1967م، ثم خرج مهاجراً مدة تقارب الثلاثين سنة، وخلال هذه الفترة ذهبت مكتبته العظيمة التي كانت أغلى من كل شيء لديه، وكانت تحوي النفائس من الكتب المطبوعة والمخطوطة، وتبلغ قيمتها الملايين من الليرات السورية. وقد ذكر لي -رحمه الله- أنه كان فيها مخطوطة من" لسان الميزان" لابن حجر، قد قُرئت على الشيخ ابن حجر ثلاث مرات[21].
وكان صابراً محتسباً، وأعيد إليه بعضها بعد عودته من مهجره بأمر رئيس الجمهورية العربية السورية، ولكن فيها نقص كبير[22].
أخلاقه:
كان يستقي أخلاقه من معين النبوة، ويكره كل ما هو مُبتَدَع أو غربي من العادات والأخلاق حتى في الهندام واللباس[23].
كان كريماً جواداً مِضيافاً، حَسَن الصمت والسمت، طيب النفس، نظيف الظاهر والباطن، متواضعاً من غير ذل، مترفّعاً من غير تكبّر، عزيز النفس، ثابت الجَنان، غير هيّاب ولا خائف، طلق الوجه، جميل المُحيّا، آلفاً مألوفاً، محبوباً لكل من رآه وخالطه، آية في التواضع مع الصغير والكبير، خافض الجناح لطلاب العلم وناشدي المعرفة.
كنت أصحب معي ولدي الصغير أسيد البالغ من العمر (ثلاث سنوات ونصف) إلى منزل الشيخ، وإذا ذهبت إليه بدونه سأل عنه قائلاً: أين تلميذي؟ وكان يلاطفه ويداعبه ويقدم له قطع الحلوى، وربما نام الصغير وأنا مشغول مع فضيلة الشيخ، فكان الشيخ يحمله بين يديه، ويضجعه على الأريكة، وهو يضحك ويقول: تلميذي هذا يُحصِّل وقت التعطيل، ويعطِّل وقت التحصيل. وقد شاهدت الصغير -ونحن في الحمام العامة- يرشق الشيخ بالماء بيده، فنظرت إليه منبهاً، فأشار الصغير إلى مولانا، وإذا بالشيخ يرشقه بالماء، ويبتسم ويقول: دعه، أنا بدأته أولاً. ولما سمع الصغير بوفاة الشيخ بكى بُكاءً مرًّا، وهو يقول لأمه: مات الشيخ، لن أراه بعد اليوم، لماذا مات؟
كان يداعب الصغير والكبير بكل لطف وحسن أخلاق، يقول ممازحاً للشيخ حبيب الرحمن الأعظمي وملاطفاً له ونحن على مائدة الشيخ سنة 1398 –وبحضور الشيخ عبد الغني الدقر- وكان على المائدة من جملة الأطعمة الخيار، فقال الشيخ للعلامة حبيب الرحمن: أنتم في بلادكم –الهند- تأكلون الشريفة([24])، ونحن نأكل الخيار.
كان جريئاً في الحق صدَّاعاً به، يشهد بذلك منبر جامع الخسروية في حلب[25] ومجلس النواب السوري في دمشق. دُعي في سنة 1416م إلى مؤتمر الاقتصاد والتجارة الإسلامي في تركيا، وكنت في وداعه إلى منطقة الحدود، وقد استقبله يومَها رئيس وزراء تركيا صديقه نجم الدين أربكان، فلما عُزف النشيد الوطني التركي وقف الحاضرون، وبقي الشيخ جالساً، وتناولته يومها الصحف العلمانية، ولما سألت الشيخ عن ذلك بعد عودته، لم يزد على أن ضحك مشيراً بيده: فليقولوا ما قالوا.
كان محباً للكمال في أموره كلها، نقصت بعض المجلدات من كتاب القرطبي الذي أعيد إلى الشيخ، وطلب مني محاولة إكمال النقص من المكتبات العامة، قلت: إن لم نجد الطبعة الأصلية، فهل بالإمكان أن تكون النسخة مصوّرة؟ فأنشد على الفور:
قالت لنا سَوْدَةُ الأهداب والمُقل           ليس التكحُّل في العينين كالكَحَل
وفاته:
كان يومُ وفاته، يومَ حزن في العالم الإسلامي، كان فقده فقداً لرجل علمٍ وحديثٍ ومعرفة. وقد قدَّم رئيس الجمهورية العربية السورية –مشكوراً- طائرة خاصّة لنقله إلى موطنه إن أحب ذووه ذلك، ولكنه دُفن حسب وصيته في البقيع في المدينة المنورة، وكانت وفاته في صباح يوم الأحد 9/ شوال/ 1418هـ، الموافق 15/ شباط/ 1997م، في مدينة الرياض.
وقد أُقيمت له حفلة تأبين وذِكرٍ لمآثره في مدينة حلب، حضَرها كبارُ العلماء والمسؤولين، ومندوب رئيس الجمهورية العربية السورية، وأُلقيت فيها الكلمات والخطب، وقد وُفّقت لإلقاء قصيدة رثاء -متواضعة- في شيخنا رحمه الله تعالى، وكتبت الصحف السورية والعالمية نبأ وفاته، وتكلمت عن مآثره ومناقبه. رحم الله الشيخ رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والعلم خير الجزاء(

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات