الاثنين 21 ربيع الأول 1441 - 18 نوفمبر 2019

رائد التجديد الشامي الشيخ طاهر الجزائري

السبت 10 رجب 1440 - 16 مارس 2019 1555 كاتب الترجمة : موقع التاريخ

1268 – 1338

1852 – 1920

عاش الشيخ رحمه الله في زمن عصيب، فقد كانت الأمة الإسلامية في إدبار وتراجع، وكثير من ديار الإسلام في يد الكافرين يعبثون بثرواتها ويغيرون من عقائد أهلها وأخلاقهم، وليس هنالك كبير أمل في العودة إلى السيادة والعز والتمكين، في تلك الأحوال الصعبة والدياجير المظلمة عاش الشيخ طاهر الجزائري، وحاول أن يصلح ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وطرق أبواباً عدة لكنه لم يجد على الخير أعواناً كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم أهل الحق في آخر الزمان. 

ولد في دمشق سنة 1268/1852، وأصله من الجزائر من قبيلة سمعون التي كانت تقيم في منطقة القبائل، وكان والده صالح بن أحمد السمعوني من قضاة الجزائر المالكية فخرج من الجزائر إلى دمشق واستقر فيها وأصبح مفتياً للمالكية، وذلك سنة 1263/1847 أي بعد احتلال فرنسا للجزائر بسبعة عشر عاماً تقريباً، وكان ذلك بسبب توقف ثورة عبدالقادر الجزائري ونفيه، فهاجر هو ومجموعة من مشايخ الجزائر في سنة عُرفت بسنة هجرة المشايخ.

درس الشيخ طاهر في المدرسة "الجُقْمُقِية" مبادئ العلوم المختلفة، وأتقن العربية والفارسية والتركية، وتعلم الفرنسية والسُريانية والعبرانية والحبشية والبربرية!!

وكان له شيخ اسمه عبدالغني الميداني قد أثر فيه تأثيراً عميقاً، وأبعده عن التعلق بالخرافات.

وظائفه :

ـ درّس في المدرسة الظاهرية الابتدائية.

ـ كان عضواً في الجمعية الخيرية التي أسسها هو وعلاء الدين عابدين وبهاء بك مكتوبجي سنة 1294 التي أصبحت "ديوان معارف" في عهد الوالي مدحت باشا، وهي جمعية تُعنى بنشر العلم، وترميم المدارس والمساجد، ومقاومة النشاط التنصيري.

ـ عين مفتشاً عاماً على المدارس الابتدائية سنة 1295، ثم مفتشاً عاماً للمعارف في ولاية سورية فتعهد المدرسين بالنصح والتوجيه، وبذل جهوداً كبيرة في سبيل إصلاح التعليم.

ـ عُين سنة 1316/1898 مفتشاً على دور الكتب العامة.

حلقة دمشق الكبرى:

كان الشيخ طاهر يعقد حلقة كبرى كل يوم جمعة بعد الصلاة في منزل رفيق العظم، ويحضرها كبار المفكرين والمصلحين مثل جمال الدين القاسمي العالم المفسر المشهور، ورئيس علماء الشام سليم البخاري، وعبدالرزاق البيطار العالم المشهور صاحب "حِلْية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر"، ومنهم الدكتور عبدالرحمن الشهبندر، ومنهم سليم الجزائري ابن أخيه، ومحمد كرد علي وغيرهم، وكان يثار في الحلقة قضايا الإصلاح والنهضة والأخذ بالصالح من الحضارة الغربية.

ـ لكن الشيخ طاهراً لم يستطع أن يوسع من هذه الحلقة ليجعلها بداية حقيقية لنهضة شاملة من بعده؛ أو لتكون الصلة بين المفكرين والمصلحين والمثقفين وبين سائر طبقات الشاميين، ولعل مرد ذلك إلى شدة وطأة الحكم الاستبدادي على الشاميين خاصة من قبل الاتحاديين الملاحدة الذين أمسكوا بزمام الدولة العثمانية بعد السلطان عبدالحميد، ومرد ذلك أيضاً أن البلاد لم تكد تستفيق من الحرب العالمية الأولى إلا لتجد نفسها في براثن الاحتلال الفرنسي.

وقال الأمير الشهابي في هذه الحلقة :

"في تلك المدة التي قضاها الشيخ طاهر الجزائري بالشام كان يتحلق حوله في دمشق صفوة من المتعلمين والنبهاء والمفكرين العرب فتألف من جمعهم أكبر حلقة أدبية وثقافية، كانت تدعو إلى تعليم العلوم العصرية ومدارسة تاريخ العرب وتراثهم العلمي وآداب اللغة العربية والتمسك بمحاسن الأخلاق الدينية، والأخذ بالصالح من المدنية الغربية".

أفكاره وأعماله في الإصلاح :

كان للشيخ رحمه الله تعالى يد طولى في الإصلاح، ومن أهم ما وضعه من قواعد إصلاحية وقام عليها بنفسه ما يلي:

1. التعليم :

وقد فتح في ذلك المدارس وألف الكتب التعليمية كما سيأتي، وكان يرى أن التعليم هو الأساس للإصلاح، وهذا حق فقد كان الجهل في أيامه منتشراً انتشاراً عجيباً.

2. الاهتمام باللغة العربية:

وقد استطاع أن يقنع الوالي العثماني بتعليم العلوم باللغة العربية، لكن بعد عزل الوالي عاد التعليم بالتركية، وألف بعض الكتب لتعليم العربية.

3. الاهتمام بالعلوم العصرية:

يقول تلميذه المقرب محمد كرد علي:

"اتسع صدر الشيخ لجماع علوم المدنية الحديثة إلا الموسيقى والتمثيل فلم يكن له حظ فيهما ... وسياسة الشيخ في التعليم محصورة في تلقف المسلمين أصول دينهم والاحتفاظ بمقدساتهم وعاداتهم الطيبة وأخلاقهم القديمة القويمة، وأن يفتحوا قلوبهم لعامة علوم الأوائل والأواخر من فلسفة وطبيعي واجتماعي على اختلاف ضروبها".

4. إصلاح العادات ومحاربة الخرافات والخزعبلات.

5. الاهتمام بالصحافة والأدب :

وكان يشجع على إنشاء الصحف السياسية، والاجتماعية، والمجلات العلمية والأدبية.

6. نشر الكتب المفيدة:

ومن أجل ذلك تعلم كثيراً من اللغات والخطوط القديمة ليتسنى له دراسة الآثار.

وعني بجمع المخطوطات منذ كان عمره سبع سنوات فاجتمعت له آلاف الكتب والمخطوطات النادرة.

7. إصلاح السياسة :

كان الشيخ يعادي الأتراك خاصة الذين تحكموا في بلاد الشام وجهّلوها وحاربوا المفكرين والمصلحين فيها، وكان يكره حكم السلطان عبدالحميد -كحال أكثر مفكري الشام آنذاك- لكنه كره مَن جاء بعده أكثر، وكان يحسن الظن بالانكليز -للأسف- ويرى أنهم مشاعل حضارة!! لذلك اتصل بامرأة تُدعى "مِسْ بِلْ" وكانت أمينة سر حاكم العراق لما سقط بأيدي الانجليز، وطلب منها إحسان معاملة العراقيين!! ولذلك كله فرح بالثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين سنة 1916 بمساعدة الانكليز، ولما دخل فيصل بن الحسين دمشق دعا إلى مناصرة الثورة والوقوف بجانبها، وهذا كله وقع فيه الشيخ لحبه الشديد للإصلاح، وضعف تقديره لخطورة الانكليز وخداعهم المسلمين.

ـ جهوده: 

ـ ألف الشيخ كتب التدريس للمرحلة الابتدائية في جميع فروعها آنذاك فمنها "مدخل الطلاب إلى علم الحساب"، و"رسالة في النحو"، و"مُنية الأذكياء في قصص الأنبياء"، و"الفوائد الجسام في معرفة خواص الأجسام"، و"إرشاد الألبّاء إلى تعليم ألف باء" وغيرها، وهذا يدل على سعة علم الشيخ رحمه الله تعالى.

ـ فتح تسع مدارس في مدينة دمشق، منها اثنتان للبنات.

ـ أنشأ المكتبة الظاهرية في دمشق، وهي من أشهر المكتبات العربية، وتسمى الآن مكتبة الأسد، ثم عُين مديراً لها بعد ذلك.

وقد جمع في المكتبة كثيراً من الكتب التي تفرقت في الجوامع والمدارس، حتى أنه هُدد بالقتل من قبل أولئك المستفيدين من نهب هذه الكتب، وصارت بهذا أول مكتبة عامة في دمشق، وصنع لها الفهارس المفيدة فصار الشيخ بهذا علماً من أعلام البيبلوجرافيا في العصر الحديث.

ـ وأنشأ المكتبة الخالدية في القدس بمساعدة آل الخالدي، عجل الله برجوعها.

ـ عُين عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق.

انتقاله للقاهرة:

كان لأنشطة الشيخ المتنوعة ولأفكاره المنوِّرة أثر ظاهر في أهل دمشق، فأثار هذا حفيظة رجال الأمن الذين لا يفهمون مغزى هذه الأعمال وأثرها الجليل فضيقوا الخناق عليه، وهجموا على بيته وعاثوا فيه فساداً فتوارى عن الأنظار، ثم آثر الانتقال إلى مصر التي وصلها سنة 1325/1907 وسكن فيها في بيت صغير في حي عابدين، واجتنب الناس إلا بعض العلماء الذين كانوا يترددون عليه ليستفيدوا منه.

وفي القاهرة قضى وقته في التأليف والبحث، وشارك في تحرير بعض الصحف، وكان له مراسلات مع المستشرقين.

وكان قد رفض عرضاً للتوظف في دار الكتب، وعاش في مصر زاهداً مكتفياً بالقليل.

وظل في القاهرة ثلاثة عشر عاماً حتى سقطت الدولة العثمانية في آخر الحرب العالمية الأولى وقامت الدولة العربية فيها وملكها فيصل بن الحسين، فعاد إلى دمشق، سنة 1337/1919، وعُين مديراً لدار الكتب الظاهرية التي أسسها، وعضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق.

صفاته :

كان الشيخ يسافر بين الفينة والأخرى إلى بعض البلاد الأوروبية والعثمانية فاتسع أفقه وكثرت معارفه.

ـ ولم يتـزوج الشيخ فتيسر له وقت طويل لم يتيسر لكثير من أقرانه ممن أثقلهم الأهل والأولاد وطلب المعيشة.

ـ وكان زاهداً يرضى بالقليل، يقضي ليله بالمطالعة من مصباح زيتي، وكان يضع قدره التي يطبخ فيها طعامه فوق المصباح بحيث تُنضج الطعام في عدة ساعات!!

ـ وكان الشيخ على قدم الجزائريين الذين عُرفوا بحدة الطبع وكراهية المجاملة والنفاق والمحاباة.

وكان يكره الغيبة ويحارب البدع والخرافات.

وكان محافظاً على وقته يغضب ممن يخلف موعده معه.

وكان لأجل إرادته الحفاظ على وقته لا يهتم بمظهره، وكان يأكل مما يحمله في جيبه من الكعك أو الخبز وهو في طريقه إلى الدرس.

ومن عجائبه في حفاظه على وقته أنه كان يلبس -إذا سافر- ألبسة داخلية بعضها فوق بعض فكلما اتسخ منها شي مما يلاصق جسمه رمى به إلى القمامة حتى يتسخ الذي يليه وهكذا دواليك!! وذلك لأنه لا يجد وقتاً لغسله وهكذا حتى تنتهي الطبقات.

ونام مرة عند بعض معارفه وقت القيلولة فرأت زوجه أن جبة الشيخ بحاجة إلى إصلاح فأخذتها وبدأت في خياطتها، فاستيقظ الشيخ وطلب جبته فأخبره صاحب البيت بأن زوجه ترفوها فأعجله بطلبها حتى دفعت بها زوجه إليه ولبسها والإبرة والخيط يتدليان منها!!.

ـ وكان قوي الحافظة جداً لا يكاد ينسى ما يقرأه مهما طال به العهد.

ـ وكان يحب السباحة والمشي ومعرفة الناس، وكان نشيطاً سريع الحركة.

من مواقف الشيخ رحمه الله تعالى :

ذهب إلى القاهرة فاحتاج إلى المال فباع ما عنده من كتب ومخطوطات لدار الكتب المصرية، ورفض أن يبيعها لمكتبة المتحف البريطاني بضعف الثمن؛ ضنّاً منه بالتراث الإسلامي أن يقع في أيدي أعداء الإسلام.

ـ ولما علم الأستاذ محب الدين الخطيب صاحب مجلة "الفتح" المشهورة بحاجة الشيخ شفع له لدى الخديوي عباس حلمي الثاني ليجري عليه راتباً من الخزينة الخاصة فرفض الشيخ طاهر هذا العرض بإباء وغضب غضباً شديداً -وكان فيه حدة- فقال الأستاذ محب الدين الخطيب في هذا: "ظهر لي أنني لا أزال أجهل تلك النفس الكبيرة رغم معرفتي بصاحبها منذ طفولتي؛ فقد غضب الشيخ طاهر من هذه الحادثة غضباً لم أعهده فيه من قبل".

من الأقوال في بيان عظمة الشيخ طاهر:

ـ قال عنه المفسر العالم الشيخ جمال الدين القاسمي :

"الشيخ المفيد والمُرَقِّي الوحيد".

ـ وقال عنه الشيخ علي الطنطاوي :

"ترك أثراً من الخير أينما حَلّ، فكان مجلسه حيثما حل مدرسة، ولقاؤه أينما لقيته درس ... وكان يعلم بفعله لا بقوله ... لم يكن يضيع من وقته لحظة في عمل غير نافع، ودعا إلى ترك المجاملات والرجوع إلى أخلاق المسلمين الأولين من الصراحة والصدق وقصد الحقائق وترك الأباطيل فكانت حياته كلها كذلك".

ـ قال عنه تلميذه سعيد الباني :

"جمع بين المعقول والمنقول، ومزج القديم بالحديث، أخذ من كل علم لُبابه... فكنت تجد منه العالم الديني والمدني والرياضي والطبيعي والسياسي والأديب والمؤرخ والأثري والاجتماعي والأخلاقي والكاتب والشاعر فكان عنده من كل علم خبر فهو دائرة المعارف ومفتاح العلوم وكشاف مصطلحات الفنون وقاموس الأعلام".

ـ وقال عنه تلميذه الأثير محمد كرد علي :

"كان متضلعاً من علوم الشريعة، وتاريخ الملل والنحل، منقطع القرين في تاريخ العرب والإسلام، وتراجم رجاله ... وكان إماماً في علوم اللغة والأدب ... إنه خزانة علوم متنقلة".

ومن أجمع ما قيل فيه قول تلميذه محمد كرد علي :

"لولا ما قام به من التذرع بجميع ذرائع الإصلاح لتأخرت نهضة المسلمين في بلاد الشام أكثر من نصف قرن".

وقال فيه الأستاذ أنور الجندي رحمهما الله تعالى: 

"والحق أن الشيخ طاهر الجزائري العملاق لم يكن قويّ الأثر في هذه المجموعة من رجال الشام وحدها ولكنه كان عميق الأثر في المجموعة التي عرفها وعاشرها في القاهرة خلال حوالي أربعة عشر عاماً أقامها في مصر، وقد ألهب وجدان من عاشره وخاصة الأحمدين أحمد تيمور باشا وأحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة ليس بأسلوبه وحديثه فحَسْبُ ولكنه بأسلوب عيشه ونظام حياته".

مؤلفاته :

للشيخ -رحمه الله تعالى- كتب كثيرة تبلغ أربعين منها:

"الجواهر الكلامية في العقائد الإسلامية"و كان على عقيدة السلف، رحمه الله تعالى.

"التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن".

"توجيه النظر إلى أصول الأثر".

"تفسير القرآن الحكيم".

ـ أما أفضل أعماله فهو كتاب مخطوط في عشرين مجلداً يبحث في نوادر المخطوطات ومحال وجودها ومزاياها سماه "التذكرة الطاهرية".

وفاته :

توفي رحمه الله تعالى سنة 1338/1920 بعدما اشتد به المرض، ودفن في سفح جبل فاسيون كما وَصّى.

المصدر : موقع التاريخ

نشرت 2009 وأعيد تنسيقها ونشرها 16/3/2019

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا