الثلاثاء 24 صفر 1441 - 22 أكتوبر 2019

الشيخ يوسف عبد الرازق - العالم الفقيه المحقق

السبت 22 ذو القعدة 1439 - 4 أغسطس 2018 2882 كاتب الترجمة : بقلم ابن أخته وتلميذه العلامة المفسرالدكتور: فضل حسن عباس

إن من حق علمائنا علينا أن نكرمهم في حياتهم وبعد مماتهم، نكرمهم في حياتهم إجلالا وتقديراً، ونكرمهم بعد مماتهم بذكر مآثرهم واقتفاء آثارهم. 

وعالمنا الذي نكتب عنه الآن إنما هو من أعلام العلم الشامخة، وهب حياته للعلم، وإن بلادنا بلاد المقدسات ليس غريباً عليها أن تلد مثل هؤلاء..

أما ذلكم العالم الراحل فهو الشيخ يوسف عبد الرزاق المشهدي ـ رحمه الله ـ أستاذ الفقه في كلية الشريعة في جامعة الأزهر.

أبكيه لو نفع الغلـيـل بكــائــي=وأقول لو ذهب المقال بدائـــي

وأعوذ بالصبر الجميل تعزياً=إن كان بالصبر الجميل عزائي 

ولادته ونشأته:

ولد رحمه الله سنة 1907م، ونشأ في بلده" المشهد" وهي من قرى الناصرة في فلسطين، وتلقى مبادئ القراءة والكتابة ومبادئ العلوم على والده المرحوم الشيخ: عبد الرزاق، ثم انتقل إلى مدرسة الناصرة، ولما أنهى دراسته فيها أحب والده رحمه الله أن يدرس ولده الشرع الحنيف فأرسله إلى عكا حيث المدرسة الأحمديَّة في جامع الجزار، ولما أنهى دراسته هناك صمَّم والده أن يرسله إلى الأزهر الشريف على الرغم أنه ليس له غيره من الذكور، وعلى الرغم كذلك من أن وضعه المادي لم يكن ليساعده كثيراً على ذلك، ولكنه اعتمد على الله عز وجل.

التحاقه بالأزهر وحصوله على العالمية:

وفي سنة 1922م رحل الشيخ يوسف إلى مصر حيث كانت أمنيته أن يكون في الأزهر وأن يدرس العلم، والتحق بالأزهر وحصل على الشهادة الأولى وهي الأهلية، وواصل دراسته بعد ذلك، وكانت أنظمة الأزهر في ذلك الوقت تسمح لغير المصريين بان تجتازوا امتحاناً في بعض العلوم ليحصلوا على شهادة تسمى عالمية الغرباء، ولكن فقيدناـ رحمه الله ـ أحب أن يحصل على العالمية المصريَّة، لذا فقد أكب على العلم ونال العالمية المصرية في مدة لا تزيد على سبع سنين مع أن الوقت المقرر لها ست عشرة سنة... والذين عرفوه هناك عرفوا فيه انساناً جلداً على الدراسة متجرداً للعلم.

ورعه ودينه:

ولقد كان رحمه الله تعالى مع حبه للعلم ورعاً تقياً، قال لي رحمه الله: كنت أترك غرفتي في الرواق وأهب إلى الأزهر لأمكث فيه الليالي ذوات العدد، وكان الأزهر في ذلك الوقت مفتح الأبواب ليل نهار، لا تنطفئ أنواره طيلة الليل، وكنت أدرس ما شاء الله لي أن أدرس، وحينما يغلبني النعاس أذهب لمحراب الأزهر فأجلس فيه فأنام والكتاب في يدي قال: وإنما احترت المحراب حتى لا تفوتني صلاة الفجر يأتي الإمام ليصلي الفجر فيجدني نائماً فيوقظني لأتوضأ، وهكذا صارت عادة لي وللإمام معاً..

حصوله على شهادة التخصُّص في الفقه والأصول:

ولما حصل على العالمية المصرية دخل التخصص القديم فرع الفقه وأصوله، وكان ذلك يحتاج إلى جهد أكثر إلى أن حصل على شهادة التخصص بتفوق منقطع النظير، ولكن بم يفكر الآن وقد حصل على أعلى الشهادات في الأزهر هل يفكر في وظيفة أو منصب ؟ لا . أرسل لوالده رحمه الله يستأذنه بسنة أخرى ليحفظ فيها القرآن فهذا الذي ينقصه الآن ولكن والده رحمه الله لضيق ذات اليد في ذلك الوقت أشار عليه أن يبحث عن عمل ويمكنه أن يحفظ القرآن فيما بعد.

مصاهرته للشيخ عيسى منون:

وعين مدرساً في مصر وأحب الشيخ عيسى منون رحمه الله فزوجه ابنته.

تدريسه في كلية أصول الدين:

ولم يمض وقت طويل حتى عُيِّن رحمه الله مدرساً في كلية أصول الدين فكان يدرس مادة أصول الفقه، ومادة التوحيد في العقائد النسفية، ومادة المنطق وغيرها من المواد..

وطنيته الصادقة:

ولم يكن الرجل مع تفرغه للعلم وورعه ودينه انعزالياً سلبياً، بل كان يعيش مع الأحداث وكانت أحداثاً جسيمة وأعني بها أحداث ذلك الصراع بين أمتنا والمستعمرين، فلقد كان الرجل يفيض وطنية صادقة، والوطنية الصادقة تلك التي تنبعث من العقيدة نجد ذلك في أشعاره وما كتبه عنه الكاتبون، لقد كان الرجل دائم المشاركة في كل حركة وطنية صادقة سواء كان ذلك من تلك الحركات التي كانت في مصر من أجل مصر أو من أجل فلسطين.

حبه لأبناء وطنه:

ومع التدريس في كليات الأزهر لم يكن من السهل أن يناله كل أحد وبخاصة من غير المصريين إلا أن فقيدنا ـ رحمه الله ـ ما كان ليمنعه ذلك من أن يُشعر أبناء وطنه بأنه منهم يبذل لهم ما يستطيع، ويقدم لهم ما يحتاجون ويكون عوناً لهم على كثير من أمورهم، ولا أخال طالباً ممن درسوا في الأزهر ينسى ذلك أو يجهله.

ولقد كان رحمه الله له الفضل في كثير من الأمور وبخاصة في استعادة حفظ كتاب الله، فلقد كان يثقل عليَّ تأنيباً وتقريعاً، ولكنه كان يقول لي بعد ذلك: من ضحكك ضحك عليك ومن بكاك بكى عليك.

شعره:

كان الرجل مع غزارة علمه قد أعطاه الله حظاً من البيان وافراً فهو يجمع بين الأسلوب العلمي والأدبي، وإن شعره ومؤلفاته خير شاهد على ذلك...

أما شعره فلقد كان صورة صادقة أودعها كوامن نفسه وخلجات قلبه، ولقد كان يمتاز شعره فضلاً عن رقة الأسلوب وعذوبة الألفاظ بالوطنية الصادقة والعقيدة الصادقة:

وما بي من حب النساء لبانة ولكن قلبي في فلسطين موثق

ولقد كان يستنهض أمته دائماً لتلتف صفاً لدوحة الإسلام، لأنه وحده يضم الشتات ويلم الشعث ويجمع عند الخطوب، ونستمع إليه في بعض قصيدة من شعره:

وبالإسلام كان لنا التفاف يضم شتاتنا ويلم شعثاً

يحث على المعارف وهي نور

ويدعو للمكارم والمعالي فكاد له الإلحاد كيدا

وأعماهم عنادهم وصموا

بني الإسلام وَيْحكموا أفيقوا

أجيبوا داعي الإصلاح حتماً

لدوحته فتخشانا الشعوب

ويجمعنا إذا خطب ينوب

يخلد باسمها الذكر الرطيب

ويرشد للسعادة من ينيب

وعابوه وليس له ذنوب

وحقاً إنها تعمى القلوب

فهذا الدين بينكموا غريب

علينا في إجابته وجوب

مؤلفاته:

أما مؤلفاته رحمه الله فإن دلَّت على شيء فإنما تدل عن طول باع الرجل ورسوخ قدمه وتبحره.

إن كثيراً من المؤلفين في عصرنا تخصصوا أن يبحثوا في علم معين أو فن خاص، فهم يكتبون في الأدب أو الفقه أو غيرهما. إلا أن الفقيد ـ رحمه الله ـ ما كان ليقتصر في مؤلفاته على علم واحد. ففي النحو الفقه وأصول الفقه، وعلم الكلام والتاريخ، والتيارات الفكرية المختلفة، ألف أو حقق.

ولقد كانت باكورة مؤلفاته كما أعلم حينما كتب في أصول الفقه عن الإجماع رسالة كبيرة مملوءة بالفوائد.

ثم ألف كتابه المعروف في علم النحو وهو:" لباب الشذور" جمع فيه من الفوائد الشيء الكثير، وقرَّب فيه عبارة شذور الذهب لابن هشام بألفاظ وجيزة سهلة.

ثم كتب تعليقات مفيدة على شرح ابن قاسم في الفقه الشافعي.

ومن مؤلفاته في الفقه غير هذا الكتاب : الصلاة والزكاة.

ومن مؤلفاته في الفقه كذلك :" منهل الظمآن في فقه السنة والقرآن". إلا أن الذي طبع منه لسوء الحظ جزء يسير.

ومن مؤلفاته رحمه الله: معالم دار الهجرة، وهو كتاب خاص بالمدينة المنورة على ساكنها وآله الصلاة والسلام، ذكر فيه تاريخ المدينة وفضلها وآثارها وما يتعلق بذلك، وهو يقع في أكثر من ثلاثمائة صحيفة.

ومن مؤلفاته رحمه الله: في ظلال الدعوة أو تحت راية الإسلام. ناقش فيه كثيراً من المبادئ الغريبة على مجتمعنا وقارن بينها وبين الإسلام متحدثاً عما لهذا الدين من محاسن.

ومن الكتب التي حققها وعلق عليها كتاب:" إشارات المرام من عبارات الإمام". للإمام البياضي، وهو من أهم كتب علم الكلام لا من ناحية ما فيه من علم فقط وإنما لأنه أول كتاب في علم الكلام يظهر في المكتبة الإسلامية على طريقة الماتريدية، فكتب الكلام التي بين أيدينا كلها تحكي لنا مذهب الأشاعرة، وتأتي أهميته أيضاً لأنه وثيقة قديمة تكاد تكون أقدم وثيقة في علم الكلام، وهي عبارات الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه... هذا الكتاب :" كتاب إشارات المرام" من عبارات الإمام " للعلامة كما الدين أحمد البياضي الحنفي من علماء القرن الحادي عشر، أخذ البياضي عبارات الإمام أبي حنيفة وعلق عليها وشرحها، وجاء فقيدنا ـ رحمه الله ـ فحقق هذا الكتاب وعلق عليه مع وضع مقدمة له وذلك يحتاج إلى جهد إن لم يزد عن التأليف فليس أقل منه.

ويطيب لي هنا أن أنقل ما قاله العلامة الكبير المرحوم الشيخ: محمد زاهد الكوثري، وكيل المشيخة الإسلامية في دار الخلافة الإسلامية عن فقيدنا ـ رحمه الله ـ قال بعد أن ذكر الكتاب ومؤلفه وأنه أعد للطبع بتحقيقه ـ وهذه عباراته ـ :

" إن كتاب إشارات المرام قد أُعد بتحقيق فضيلة الأستاذ البحاثة المحقق العالم العامل المدقق السيد : جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن عبد الرزاق المشهدي الشافعي الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر الشريف".

ونرجو أن يوفقنا الله لنبحث عن أمالي الفقيد وكتاباته المختلفة، وبخاصة تلك التي لم تطبع لنخرجها للناس.

انتقاله إلى كلية الشريعة:

وقبل سنين نقل الفقيد من كلية أصول الدين إلى كلية الشريعة، وهنا لا بد أن نذكر أن الله قد منّ عليه بحفظ القرآن الكريم، وكان كثير القراءة والمراجعة، ولقد كان متخلقاً بهذا القرآن، لذلك كان فيه تواضع العلماء، يسير وراء الحق أنَّى وجده لا يعرف التعصب المقيت ولا العصبية المذهبية...

تدريسه في العراق:

ومنذ ثلاث سنين قررت جامعة الأزهر إيفاده إلى العراق للتدريس في قسم الماجستير وفي كلية الشريعة.

ولقد مكث سنتين ونيف في بغداد عرف الناس هناك فضلَهُ وخُلقه وعلمه، وكرمه ونبله، فلقد كان جريئاً في الحق يصدع به محباً للصالحين، ألاَنَ اللهُ له عبارات العلم فكان كثير الفائدة، أحبَّه كلُّ من عرفه من طلاب وأساتذة وغيرهما.

وفاته:

ولقد كان موت الرجل كرامة ففي ثاني أيام عيد الفطر توضأ وصلى الظهر ثم جدَّد وضوءه وصلى العصر، وما إن انتهى من صلاة العصر وإذ به يُسْلم الروح إلى بارئها، ذلكم هو فقيدنا فقيد هذه البلاد فقيد العلم.

رحمك الله يا خالي، وجزآك الله عن العلم وأهله خير الجزاء، وجعلك من هؤلاء الذين هم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وألهمنا الله الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

نُشرت هذه المقالة في مجلة :" هدي الإسلام" الأردنية، المجلد الثالث عشر(1389) والكاتب الدكتور : فضل عباس، ابن أخت المترجم، وهو من كبار العلماء في الأردن، وله بحوث ودراسات قيمة في التفسير، وعلوم القرآن، حفظه الله ونفع به.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا