السبت 22 ربيع الثاني 1443 - 27 نوفمبر 2021

ترجمة الأستاذ المحدث حسين سليم أسد الداراني (4)

السبت 8 ربيع الثاني 1443 - 13 نوفمبر 2021 110 كاتب الترجمة : ابنه:سليم حسين أسد
ترجمة الأستاذ المحدث حسين سليم أسد الداراني (4)

صفاته وسجاياه:

إنَّ من أهم ما يميز الوالد الكريم هو همته العالية وجلده وصبره في عمله، ولعل هذا ما جعله يختار هذه الأسفار الكبيرة التي تحتاج إلى جهود الكثيرين، يحب المطالعة والبحث إلى حد جعله يواصل الليل بالنهار أحيانا، أعانه في ذلك ذاكرة حادة وحافظة قوية وببعد نظر ثاقب وحكمة صائبة وبصيرة سديدة، وكل ذلك جعله كما رأينا يستشار من القريب والبعيد.

وقد كان إذا تكلم فصيحا بليغا حاضر البديهة ، دقيق الملاحظة ، سليط اللسان في غير ظلم ،لاذع النقد في غير عدوان ، وخاصة إذا شعر أن أمامه طفل يتمشيخ أو جاهل يتعالم أو شيخ يتصابى أو أحد يتدخل فيما لا يعنيه ، وكان كثير المرح والدعابة يرصع حديثه بكثير مما مر معه في الحياة من قصص ونوادر ومواقف وحكم وأشعار يساعده في إيصال ما يريد إلى القلوب دون عنت ولا تكلف، يخاطب العقل ويشبعه بحجة بليغة ويسكن النفس بعلاج ما تعانيه ويضحك الشفاه بما يذكره من طرف يتلاعب بأوتار القلوب وحبال النفس ويسوقها كيفما يشاء ولهذا كان إذا تكلم مؤثرا وفاعلا .

ولعل كونه ألفا مألوفا يحب مخالطة الناس والقرب منهم جعل الكبير يركن اليه ويرتاح معه، وجعل الصغير يأنس اليه ويسعد عنده، حتى إنه كان يلاعب أحفاده وكأنه واحد منهم يركض معهم ويلاحقهم ويلاطفهم، وحينما كبرنا أدركنا صعوبة تملك الانسان لهذه الصفة السهلة الممتنعة التي تجعل من صاحبها قادرا على احتواء الجميع والتأثير فيهم فلا تخدش الدعابة له وقارا ولا يحجب الوقار كثيرا من حكمته على الاخرين.

كان سريع التأثر، ذا دمعة حاضرة خاصة إذا عرض له ما أصاب المسلمين أو يصيبهم من مصائب ونكبات، وترتسم البسمة والحبور على محياه حينما يسمع ما يشفي الصدر ويسر الخاطر، لكن سرعة التأثر لا تعني ضعفا ولا وهنا، بل كان جلدا صبورا أمام كل المصائب التي نزلت به وبأهله. كل هذه الصفات حوتها شخصية حازمة قوية حاضرة أنيقة في غير إسراف أميل إلى الطول متوسط الصحة مستدير الوجه تزيده لحيته وقارا على وقار.

الأسرة والأولاد:

تزوج وعاش مع والدته حتى توفيت رحمها الله، وكان بارا بها قريبا إليها، وزوجته أم سليم قريبة له شاركته مسيرته كلها، ورزقه الله منها تسعة أولاد خمسة من الذكور وأربعا من الاناث.

أما الذكور فأكبرهم سليم الذي درس الطب البشري، ثم اختص بالطب المخبري، ومأمون الذي درس الطب البشري ثم اختص في الأمراض الهضمية، ومحمد الذي درس الطب البشري واختص بالأمراض القلبية، وبعده حسام الذي درس الطب ثم اختص في الأشعة وأخيرا محمد مرهف الذي درس الهندسة الكهربائية ليلازم أباه فيما بعد ويشاركه في عدد من الكتب.

وقد أصدر أولاده عدة كتب طبية صدرت بأسمائهم في السوق، وكانوا يمارسون الطب في بلدهم داريا، أما مرهف فقد تفرغ للعمل مع أبيه وأصدر عدة كتب في الثقافة الإسلامية، وشاركه الوالد في تحقيق عدة كتب كان أهمها مشاركته في إتمام مجمع الزوائد.

أما البنات فكنَّ أربعا، كبراهن هند وهي زوجة صهري عبده كوشك رحمه الله، وقد درست اللغة العربية وأصدرت عدة كتب ثقافية إسلامية، والثانية ميسون وقد توفيت رحمها الله شابة، والثالثة كانت خزامى وقد دخلت كلية الشريعة، وأصغرهن سوسن التي درست في كلية الشريعة كذلك، وكلهن كنَّ عونا للوالد في المطابقة وقراءة المخطوطات ومراجعة المطبوعات وتقويمها.

وفي الفترة الأخيرة وبعد ما حل ما حل في بلادنا غادر إلى مصر وتفرق الشمل وأصبح البعض في سورية، والبعض في مصر والأردن وغيرهم في السعودية وغيرها وتشتد المحنة بوفاة ابنته سوسن.

ثم تلا ذلك اصابته بالحادث في مصر وإحاطته عناية الله بكل لطف ورأفة، ثم عاود نشاطه من جديد، وأملنا بالله ان يبارك له في قوته وصحته وعمره وينزله في جنات النعيم.

ولقد منَّ الله عليه من أولاده وبناته أحفادا وحفيدات درسوا في الجامعات، فكان منهم الطبيب والمهندس والمدرس ولعل ما أثلج صدره أن عددا من أولاده وأحفاده يحفظون القران الكريم، وهذا من فضل الله ورحمته عليه وعلى ذريته وبفضل دعاء أمه له حيث كانت تردد دائما بأن لا يشقي الله له ولدا وأن يرزقه ذرية طيبة إنه سميع الدعاء.

المحن والمصائب التي نزلت به:

امتحن الوالد صغيرا ثم امتحنه الله عزوجل بغياب ولده عنه، ومرض بعدها مرضا في قلبه وأجريت له عملية جراحية فيه، ثم توفيت والدته بعد امتحانها بفقدان بصرها، ثم توفيت ابنته واسطة العقد، ثم جاءت المحنة الكبرى وهي ترك الوطن وتفرق الشمل والتشتت في البلدان، ولعل اجتماع محنة الغربة وترك الوطن وفراق الأولاد ثم وفاة ابنته الصغرى وبعدها الحادث الأليم ووفاة صهره كانت الأشد والأقسى، ونسأل الله عزوجل أن يزول هذا الهم وهذا الكرب ويجمع الشمل ويلم الشتات.

أسفاره ورحلاته:

ابتدأ بالتنقل صغيرا نتيجة دراسته في دمشق، ولم تكن وسائط النقل آنذاك إلا دراجته الهوائية وكم كانت معاناته شديدة أيام الشتاء حيث الظلام والمطر والبرد والطين، وهذا ما جعل كل رفاقه يهربون من المعاناة ويبقى وحيدا صابرا حتى أكمل دراسته.

ثم صار يتنقل في مرحلة التدريس ما بين دمشق والقنيطرة وحمص ليحط رحاله ويستقر عمله في دمشق غاديا رائحا إليها كل يوم إلى أن تقاعد.

سافر إلى الحجاز حاجا ومعتمرا وزائرا لبعض علماء الحجاز عدة مرات، كما زار لبنان وتركيا وبعض دول أوروبا كإيطاليا والمجر وبولندا وليقيم أخيرا في مصر إلى أن توفي فيها رحمه الله.

يتبع

الحلقة السابقة هـــنا

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا