الثلاثاء 18 رجب 1442 - 2 مارس 2021

وفاة الشيخ يوسف قراجه

الأحد 10 جمادى الآخرة 1442 - 24 يناير 2021 81 كاتب الترجمة : محمد أكرم الندوي
وفاة الشيخ يوسف قراجه

 

فوجئت صباح (يوم الخميس 9 جمادى الأولى سنة 1442ه الموافق لـ 24/12/2020 م) بنعي

العلامة الشيخ يوسف قراجه الندوي من علماء تركيا البارزين ودعاتها الأجلة ومربيها الكبار، إنا لله وإنا إليه راجعون، ورد إلى مولاه صابرا محتسبا حيث سيلقى نوالا وثوابا، وعطاء جزلا، وجودا محضا، ومغفرة ورحمة، وإن رحمة الله قريب من المحسنين.

ترجمته:

وهو الشيخ محمد يوسف صالح قراجه، ولد في قرية يشيل حصار التابعة لمدينة قيصرية، إحدى المدن المهمة في تركيا، ونشأ بها وتعلم الدروس الابتدائية والقرآن الكريم ومبادئ اللغة العربية، وحفظ ربع القرآن الكريم، ولما بلغ السادسة عشرة من عمره رحل إلى إسطنبول، وأخذ بها القرآن وعلم القراءة من الشيخ توفيق، ودرس كتاب بدء الأماني في علم العقائد للعلامة سراج الدين علي بن عثمان الأوشي الفرغاني الحنفي على الشيخ عبد العزيز بكينة، واستفاد أيضًا من الشيخ محمد زاهد الكوتكو أحد العلماء الكبار، وكان الشيخ يوسف من أوائل تلاميذ مدرسة الإمام خطيب في اسطنبول، ودرس فيها إلى مرحلة المتوسطة.

وأعجب بالإمام العلامة أبي الحسن علي الحسني الندوي إعجابا كبيرا، فساقه التوفيق الإلهي إليه في لكنؤ، بالهند، ودرس في دار العلوم لندوة العلماء من سنة 1959م إلى سنة 1962م، وتخرج منها، واستفاد بصفة خاصة من العلامة أبي الحسن الندوي، ومن الشيخ عبد الحفيظ البلياوي، والأستاذ الدكتور سعيد الرحمن الأعظمي، والشيخ أويس الندوي النجرامي، والشيخ محمد إسحاق السنديلوي، وأتقن اللغتين العربية والأردية إتقانا بالغا.

وبعد التخرج من ندوة العلماء عاد إلى تركيا وواصل الدراسة في الكلية الإلهية، ثم صار معلّما، ودرّس في معظم مدارس إسطنبول وثانوياتها، ودرَّس في مدارس الإمام خطيب اللغة العربية، والسيرة النبوية، ومباحث مختصرة في التفسير، ونقل كتب الفكر الإسلامي من اللغة الأردية إلى اللغة التركية، ولعبت تراجمه ومحاضراته ودروسه دورا كبيرا في البعث الإسلامي في تركيا.

صلتي به:

زرت تركيا مرارا، منها في ربيع الثاني سنة 1440 بمناسبة حضور مؤتمر في إسطنبول، وكان لي يوم الجمعة 12 ربيع الثاني شبه موعد لزيارة الشيخ يوسف، وشُغلت عن الوفاء بالوعد، فاتصلت به معتذرا، وتحدث معي باللغة الأردية الفصحى، فعجبت من إتقانه للغة مع أن كثيرا من المتخرجين من ندوة العلماء الهنود ضعفاء فيها، واستبشر الشيخ بوجودي في إسطنبول وتأسف على عدم حصول المقابلة، فوعدته أني سأعود إلى بلدته بعد أربعة شهور تقريبا وأقيم بها عشرة أيام أو أكثر، فسألني أن أنزل في بيته فإنه بيت واسع كبير، ولقد رأيتني أنست بالشيخ لصفاء قلبه وصدق محبته ومراعاته العهد القديم، وصلته بندوة العلماء قوية جدا، وهو من أقرب الناس إلى شيخنا الإمام أبي الحسن علي الندوي رحمه الله تعالى.

ثم زرت تركيا في رحلة علمية 12 شعبان 1440 مع طلاب معهد السلام، وعددهم نحو مائة طالب، وشرفنا الشيخ يوسف يوما يزيارته، وسر برؤيتي وأعرب عن فرحه البالغ، وهذه أول مرة تلاقينا فيها، وقدمته للطلبة، وقص علينا تاريخ تركيا في العصر الحديث وما واجهه الشعب التركي من المحن، ونضاله في سبيل الإسلام، وأفادنا بترجمته، وقص علينا التحاقه بدار العلوم لندوة العلماء، وصلته القريبة بشيخنا أبي الحسن علي الندوي، وتراجمه من الأردية إلى التركية لمؤلفات العلامة شبلي النعماني، والعلامة السيد سليمان الندوي، والعلامة أبي الحسن الندوي، والأستاذ أبي الأعلى المودودي، وكتاب فضائل الأعمال للشيخ زكريا الكاندهلوي، وشعر الدكتور إقبال، وتحدث الشيخ باللغة الأردية الفصحى، وترجمت كلمته إلى الإنكليزية.

يقول الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله وهو يتحدث عن مدى تأثير مؤلفاته في الأوساط التركية العلمية والدينية: "لقد لقيت مؤلفاتي في تركيا ترحيبا واسعا، ولم تستقبل كتبي في أية لغة بمثل ما استقبلت في اللغة التركية، ترجم عشرون كتابا من كتبي إلى اللغة التركية". وقال الشيخ يوسف قراجه: "جاء في إحدى التقارير السرية للوزارة الخارجية (في عهد الحكومة الأتاتوركية): من إحدى عوامل الصحوة الإسلامية في تركيا كتاب تاريخ الدعوة والعزيمة".

ومن حسناته الرئيس رجب طيب أردوغان، فقد درس عليه العربية لمدة أربع سنوات. وما زالت العلاقة بينهما وثيقة، وحكى لنا الشيخ يوسف في حديثه لطلاب معهد السلام: قبل فترة في شهر رمضان ذهبت بالترجمة التركية لكتاب "بال جبريل" للدكتور إقبال إلى الرئيس أردوغان لأقدمه له، وكان في ضيافة إفطار على ساحل البحر، والمناسبة قد جمعت أكثر من ألف شخص، فرآني الرئيس من بعد، وأرسل حارسه إلي، وعندما وصلت إليه قام احتراما لي، فقلت: يا رئيس الجمهورية! أرجوك أن تبقى جالسا، ينظر إلينا هذا العدد الكبير من الناس وأنا أستحيي أن تقوم أنت من مكانك لأجلي. فقال:لا يا أستاذ، تفضل! اجلس بجنبي.

رحمك الله يا شيخ تركيا المؤمنة وأسكنك فسيح جنانه، ونم هنيئا كنومة العروس مغدقة عليك شآبيب الرحمة والرضوان من رب العالمين.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات