الثلاثاء 15 ربيع الثاني 1442 - 1 ديسمبر 2020

هذه قصة صلتي بالأستاذ الشيخ الإمام عبد الفتاح أبي غدة (2)

الأربعاء 2 ربيع الثاني 1442 - 18 نوفمبر 2020 130 كاتب الترجمة : محمد فوزي فيض الله
هذه قصة صلتي بالأستاذ الشيخ الإمام عبد الفتاح أبي غدة (2)

ثانياً في مصر:

فعلاً سبقني الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى إلى مصر، وانتظم في الدراسة في السنة الأولى من كلية الشريعة في الجامع الأزهر.

والتقينا في كلية الشريعة (وكانت تقع في شارع البرموني، خلف قصر عابدين): أنا في السنة الثانية، وهو في السنة الأولى...

وكان لنا زميل صالح من طرابلس الغرب، وهو معي في السنة الثانية، يسكن في شقة لوحده، بعد أن سافر زميله المغربي إثر نيله الشهادة العالية الليسانس من الشريعة، فعرض عليَّ وعلى الشيخ عبد الفتاح أن نسكن معه في شقَّته، ذات الثلاث الغرف، ففرحنا بذلك كثيراً، واستقرَّ بنا المقام نحن الثلاثة في شقة واحدة في حي متواضع: أم الغلام: شارع القزازين 14، قرب سيدنا الحسين، لكنه بعيد عن الكلية، نحتاج إلى مواصلات يومياً بالحافلات، أو مشي نصف ساعة على الأقدام.

أقام الشيخ محمود صبحي بن عبد السلام المغربي الليبي، في الغرفة الوسطى، وحده؛ وأقمت أنا والشيخ عبد الفتاح في الغرفة الكبرى... لكلٍّ منا سريره، وسراجه قرب السرير على منصَّته.

لم تكن للشقة إضاءة بالكهرباء، ولا يوافق المالك على إدخال الكهرباء إلى شقته، إذ تبلغ تكاليفها مائة جنية مصري، وأجرة الشقة كلها في الشهر: جنيه مصري، وأربعون قرشاً صاغا.

كنا ثلاثة في شقة واحدة... لكنا كنا كأننا ثلاث أسر ... سلوكياتنا في البيت والجامعة والمجتمع مختلفة ... لا نكاد نلتقي إلافي هدأة الليل، وساحة الكلية، وإن كان لقائي مع الشيخ محمود أكثر؛ لأننا في سنة واحدة، وفي الشعبة الأولى دائماً، من شعب ثمان أو عشر...

لم نكن في سكن جامعي، فنحن نهيئ طعامنا الخفيف لأنفسنا، وكثير من الوجبات في السوق، حيث المطاعم البلدية. وكان لي أقارب أزورهم أيام الجمعة، وغيرها، فيكفوني مشغلة الطهو أحياناً، وربما دَعَوا معي زميليَّ لولائم خاصَّة، وفي مناسبات وأعياد، فنطعم ونتحدَّث، ونروِّح عن أنفسنا بما نلقاه من حفاوة بالغة، واستقرار أسري، ونظام عائلي رفيع.

وكنا نستأجر مَنْ تغسل لنا الثياب، أحياناً، وأحياناً نغسل بأنفسنا، أو من تنظف الشقة، أو ننظفها بأنفسنا، لا نجتمع على الطعام إلا قليلاً...

الشيخ محمود، مشغول بصلاة الجماعة، ونادي الطرابلسيين مساءً، لا يعود إلى المنزل إذا خرج بعد العصر إلا بعد العشاء.

والشيخ عبد الفتاح، إذا خرج بعد العصر فإلى المشايخ وأهل العلم، والمكتبات، لا يعود إلا حاملاً كتباً... ولا ينام حتى يقرأ في كتبه التي اشتراها، يلمُّ بفهارسها وموضوعاتها، يقرأ ما يعجبه منها...فربما نام فوق كتبه أو معها، فأقوم أنا وأطفئ له سراجه...

وأنا لا أغادر البيت في المساء مطلقاً إلا مساء الخميس أو الأربعاء، والجمعة ... أزور السيدة نفيسة، وأبو العلا، وبعض الأقارب، وأعود في ساعة متأخرة من الليل، في هذه الأيام، أما أيام الأسبوع، فدراستي كل يوم من الرابعة بعد العصر حتى العاشرة، لا أدرس إلا محاضرات الغد، في الأصول على التخصيص، أحفظ متن التنقيح بعد كتابته في دفتر خاص، وأقرأ شرحه لصدر الشريعة، وشرح التفتازاني عليه، وتقارير الجرجاني على الحواشي، وأراجع "الهداية" للمرغيناني، و"العناية" عليه...

دراستي تقليدية للمطلوب جامعيًّا، فكنت أنجح دائماً في الدورة الأولى، أنا الأول، آخذ جائزة القصر للمتفوقين، أشتري بها المراجع، ومنها كوَّنت مكتبتي.

والشيخ محمود، تشغله السياسة أحياناً، والنادي، والأفكار والمناقشات الطلابية... لكنه يدرس معي قبل الامتحان ويتفرغ للمقرَّرات الدرسية.

والشيخ عبد الفتاح نهوم العلم، والاطِّلاع الواسع على كل ما يقتنيه وما لا يقتنيه من الكتب! وربما اقتصد في طعامه لشراء الكتب، وربما استدان لشرائها هو دائماً في المكتبات، يلتقي مع شيخه المرحوم الشيخ عبد الغني عبد الخالق في ذلك، فإذا قرب الامتحان، جدَّ جده، وأسهر ليله، وقاطع المكتبات، وانصرف إلى المقرَّرات ... لهذا كان نجاحه غالباً في الدور الثاني.

كان يشغله لقاؤه اليومي تقريباً، مع شيخه العلامة الفقيه الأصولي المحدِّث المتعمِّق في المخطوطات ... الأستاذ الإمام الشيخ محمد زاهد الكوثري، فانتفع به كثيراً، وانقطع أو كاد إليه. وكان يصحبني معه أحياناً، كما كان يصحبني إلى شيخ الجميع الشيخ الإمام مصطفى صبري، شيخ الإسلام وشيخ المشيخة الإسلامية في إستانبول، أيام الخلافة العثمانية، حتى لقد استزار الشيخ مصطفى صبري في بيتنا المتواضع، فزارنا وكانت زيارته علمية؛ معه ورقات يكتب فيها، ويقرأ علينا فيما يكتبه فيها. ولما حضرتْ صلاةُ العشاء رفض شيخ الخلافة أن يؤمَّنا، وأصرَّ على إمامتي؛ لحفظي كتاب الله، فامتثلت الأمر بعدما أذن الشيخ عبد الفتاح وأقام. يرحمهم الله من أئمة متواضعين.

أذكر أني لما تخرجت من الجامع الأزهر الشريف، وحملت الشهادة العالية لكلية الشريعة. كنت الأول، وعدد الناجحين مائة وثلاثة -كما هو مسجَّل في الشهادة على عادتهم وقتئذ-. وألقيت كلمة نقلت في إذاعة المملكة المصرية وقتئذ، في حفل حضره أكابر العلماء في الأزهر، وفيهم شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمد مأمون الشناوي، وشيخ كلية الشريعة الشيخ عيسى منون، والشيخ محمد سالم رئيس المحكمة الشرعية العليا، والشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية حينئذ... وأساتذة الكلية والطلاب... وسلَّمني مندوب الملك فاروق مكافأته الخاصَّة، هي خمسون جنيهاً مصرياً.

ففي اليوم التالي لهذا الحفل التاريخي، رآني في صلاة الجمعة في جامع (تكية محمد علي أبو الذهب، في رواق الأتراك) الشيخ الإمام زاهد الكوثري، وأنا جالس قبل الصلاة، فربَت على ظهري، وهنَّأني ودعا لي؛ وقال: كلمتُك كانت أحسن من كلمة شيخك (يعني شيخ الأزهر) وقال لي: عِمَّتك صغيرة، كبِّرها... قلت: بل أستغفر الله، وأرفعها احتراماً لكم.

لم تكن أقسام التَّخصص العلمي (الأستاذية وهي الدكتوراة) مفتَّحة، بل كانت مغلقة، سياسياً.. ولم يكن بعد الشهادات العليا سوى إجازات في القضاء الشرعي وغيره، يصدرها قصر الملك، فانتسبت إلى القضاء الشرعي، ومدته سنتان بعد الشهادة العالية الجامعية، نلت شهادته عام 1949، ثم انتسبت إلى التدريس، فنلت إجازته سنة 1950 فالتقيت فيه مع الشيخ عبد الفتاح، الذي انتسب إليه...

وأسرع الشيخ عبد الفتاح عائداً إلى حلب، فتزوَّج في بيته القديم، الذي كان يسكن فيه مع والديه وإخوته في الجبيلة، ولبثت أنا في مصر أتابع دراستي في جامعة فؤاد الأول، بعد الجامع الأزهر، وكنت انتسبت إلى كلية الآداب فيها، بقسم اللغة العربية، سنة 1948 وانتسب معي إليها، كلٌّ من:

الشيخ صبحي إبراهيم الصالح (اللبناني) الشهيد رحمه الله تعالى. 

والشيخ فتحي عبد القادر الدريني (الفلسطيني) الذي عُيِّن في جامعة دمشق بعد سنين، وصار عميد الشريعة فيها.

والشيخ فؤاد داود سويسة (الفلسطيني) أيضاً.

والشيخ عبد الله عمر صالح الزيباري (العراقي).

وكنت أنا والشيخ صبحي في كلية الآداب بعمائمنا، فكان الأستاذ مصطفى السقا رحمه الله تعالى معجباً بنا، هو والدكتور شوقي ضيف، يسمياننا (الجامعة العربية)، وكان شوقي يقول: هذه الفرقة أحسن فرقة جاءت إلى الآداب.. وكان معنا في الكلية:

عبد الجواد الطيب، وصلاح العقاد، وبراءة القدسي (سورية)، وبديهة الجندي (مصرية).

لم يكن الشيخ عبد الفتاح راضياً عن انتسابي إلى جامعة فؤاد الأول لما فيها من الاختلاط...

وحاول أن يسافر إلى باريس لاستكمال دراسته العليا فيها، واستشار شيخه العظيم الأستاذ الإمام الكوثري، فوافقه وقال له: مثلك من يسافر، وهو مأمون عليه؛ وقد أذنت من قبلك للدكتور محمد يوسف موسى، فسافر ونجح، ويُدرِّس الآن في الجامعة...

وفعلاً انتسب الشيخ عبد الفتاح إلى مدرسة فرنسية في مصر، وبدأ يتعلم اللغة الفرنسية، ولا أعرف شيئاً عن الظروف التي أحاطت بالشيخ فعزف عن الدراسة في فرنسا، وقفل راجعاً إلى حلب.

قابلها وصححها وأعدها للنشر : مجد مكي

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا