الجمعة 14 ربيع الأول 1442 - 30 أكتوبر 2020

خواطر عن شيخنا نور الدين عتر رحمه الله تعالى

الخميس 6 صفر 1442 - 24 سبتمبر 2020 197 كاتب الترجمة : عبد الجواد حمام 
خواطر عن شيخنا نور الدين عتر رحمه الله تعالى

نعي الكبار عصي على أمثالي ..

ولا سيما من كان له أثر وأيما أثر .. ليس في العلم فحسب .. بل في الخُلُق والسَّمْت والتربية والقدوة الحسنة ..

يرحل شيخنا العلامة د. نور الدين عتر - تغمده الله بواسع رحماته - بهدوء كما عهدناه هادئاً .. ترى عليه السكينة كيفما قابلته .. يبادرك ببشاشته .. ويرفع همتك بثنائه وسؤاله عنك مهما كنت ضعيف الهمة مقصراً .. فما شعرناه يوماً وبخ طالباً على تقصيره ولكنه يأخذه بكلماته الطيبة وابتسامته الصافية..

===========

تجد في درسه وصحبته أنساً هو مِنْ بَقيَّة مَنْ بَقِيَ من أهل الصلاح والصدق كما نحسبه .. قلما تجد هذا الأنس عند غيره .. 

كثيرا ما تسبقه عيناه عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الصحابة الكرام .. فتأخذه العبرة .. بقلب رقيق ونفس محبة فلا يملك مَنْ حوله إلا أن يذوب في معنى المحبة الصادقة ..

===========

كان محباً للعلم وأهله .. لا يقدم عليه شيئاً .. وكان يقول: طالب العلم وِرْدُهُ علمه .. 

وكان يُعَظِّمُ العلمَ .. ويُعلِي شأنه .. ولا يحب أن يسأله طالب عن مسألة علمية في طريق أو على استعجال .. حتى يُعطَى العلم حقه .. ويُنزَل مزلته كما كان علماؤنا رحمهم الله ..

وكان يحث طلبة العلم على شراء الكتب والاهتمام بها ويقول: شراء الكتب يورث طالب العلم الغنى .. 

===========

كان يعشق البخاري .. ويعشق علماء الحديث .. ويجل الأئمة .. وينافح عنهم أيما منافحة .. بقلم أديب وعقل عالم وتأليف مبدع .. 

قد حَبَّبَنا بعلل الحديث .. وتخريجه .. والجرح والتعديل .. وعلوم الحديث .. وسائر فنونه بعباراته الرائقة وأسلوبه الهادئ الرصين .. واستمتاعه بعرض المسائل وتحرير محلات الخلاف وتقريب الآراء ... حتى يتملك عليك عقلك وتنساق معه متعلما مستمتعاً .. 

===========

لا ينادي طلابه إلا: يا شيخ فلان .. يا شيخ فلان .. مع أنهم ربما كانوا مبتدئين في طلب العلم .. رفعا للهمم وإدخالاً للسرور على قلوبهم ..

===========

من أواخر ما لقيتُه في دمشق الحبيبة قبيل فراقي لها .. قصدته وأخ لزيارته فوصلنا بُعَيدَ أذان الظهر .. وإذا به قد سبقنا إلى مسجد الحي الصغير فتبعناه في طريق صاعد متعب أشبه بصعود تلة - ومن يعرف حيَّ المهاجرين في دمشق يعرف هذا - فما وصلنا المسجد إلا بمشقة ولهاث كبير .. وإذا به يمشي وحدَه بالكاد يخطو الخطوة تلو الخطوة على ضعف جسمه ونحوله وتقدم سنه .. ولا يثنيه ذلك عن صلاة الجماعة .. بلا بهرجة ولا جوقات ولا سيارات ولا مواكب .. 

===========

كان يحب الهمة في طلب العلم .. ويحب لطالب العلم التوسع والتمكن .. حتى إنه كلفنا ببحثين في مادتين في دبلوم الدراسات العليا (سنة أولى ماجستير) جاء بحثي في أحدهما قريب مئتي صفحة ، وفي الثانية قريب مئة وخمسين صفحة .. وهي مجرد أبحاث في مواد وليست رسالة ماجستير .. وربما ما زالت هذه الأبحاث بين ما خلفتُه من كتبي وأوراقي .. وكم تحن النفس إليها ..

===========

له فضل في إحياء علم الحديث ولا سيما أكاديمياً في وقت نَدَرَ فيه المتخصصون في الشام وما حولها .. ولما لم يُفتَح قسم الحديث للدراسات العليا بذريعة عدم وجود ميزانية .. تبرع بالتدريس مع بقية الأساتذة جزاهم الله خيرا حتى فتح القسم .. نسأل الله أن يكتب أجره عنا وعن طلبة العلم وسائر أساتذتنا ومشايخنا ..

===========

بعد أن أنهيت بحث الماجستير .. أخذني تردد وخواطر حول قيمة بحثي ولا سيما في مسائل ذهبت إليها لم توافق بعض أساتذتنا الكرام .. لكن ما أثلج صدري وأزاح ذاك التردد هو ثناء أستاذنا رحمه الله على البحث .. كما سمعته منه وكما أخبر بذلك الإخوة في دار النشر .. فذهب ذلك التردد .. وكان ثناؤه شهادة فوق الشهادة ..

===========

لست في معرض الثناء .. ولكنها خواطر سريعة لم تفارقني من ساعة علمت وفاته .. غافلتُ فيها زحمةَ الواجبات لأرقمها شهادةً من أضعف طلابه .. وتنفيسا عن النفس وكربها بفراق أهل العلم والأحبة .. 

أسأل الله العظيم أن يرحمه .. وأن يعظم أجره .. وأن يرفع مقامه .. وأن يجزيه عن طلبة العلم خير الجزاء .

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات