الجمعة 14 ربيع الأول 1442 - 30 أكتوبر 2020

واحزناه على الشيخ نور الدين عتر رحمه الله

الأربعاء 5 صفر 1442 - 23 سبتمبر 2020 711 كاتب الترجمة : محمد أكرم الندوي
واحزناه على الشيخ نور الدين عتر رحمه الله

 

توفي صباح اليوم (يوم الأربعاء خامس صفر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة وألف) شيخنا العلامة المحدث نور الدين عتر، أعلى الله درجاته وأسكنه جنات عدن التي وعدها المقربين من عباده، أصابت المنية خيار علمائنا هذا العام، والمنايا شارعات، فرفعتُ عن الدنيا المنى كلها، غير الباقيات الصالحات، فما أسأل الزائل الفاني ولا أستزيده، إلا ما يرضي المولى ويعينني على التقى.

هو شيخنا الجليل العلامة المفسر المحدث الفقيه الأديب نور الدين بن الحاج محمد عتر الحسني الحلبي الدمشقي، وأمه ابنة الشيخ الجليل نجيب الدين الحلبي.

ولد في حلب الشهباء عام 1356هـ، الموافق 1937م، ودرس في المدرسة الخسروية، وحصل على الشَّهادة الثَّانوية الشَّرعية عام 1954م حائزاً الرتبة الأولى، ثم التحق بجامعة الأزهر، وحاز الليسانس عام 1958م، وكان الخريج الأوَّل على دفعته، وحاز في عام 1964م على الشَّهادة العالِمية من درجة أستاذ (الدُّكتوراه)، من شعبة التَّفسير والحديث بتقدير ممتاز مع الشرف، حيث قدَّم أطروحته: "طريقة الترمذي في جامعه، والموازنة بينه وبين الصَّحيحين".

واختص بخاله العلامة الشيخ عبد الله سراج الدين الحسيني الحلبي، فزوجه من ابنته، ومن شيوخه أيضًا: الشيخ مصطفى مجاهد، الشيخ محمد محمد السماحي، والشيخ عبد الوهاب البحيري، والشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، وآخرون سمع عليهم وأجازوه، رفع الله قدرهم.

وبعد تحصيل الدكتوراه عاد إلى بلده، ودرّس في المرحلة الثانوية لفترة يسيرة، ثم عُيِّن مدرِّساً لمادة الحديث النَّبويِّ في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وبقي بها منذ عام 1965م، إلى عام 1967م، ورجع إلى دمشق مدرِّساً ثم أستاذاً في كلية الشَّريعة بجامعة دمشق فيها، ودرَّس مادتي الحديث والتفسير في كليات الآداب في جامعتي دمشق وحلب، ودرّس في غيرها من الجامعات العربية والإسلامية والمساجد والمراكز العلمية. وقد تخرج على يده آلاف المدرّسين، منهم نخبة متميزة من العلماء والأساتذة.

وعمل خبيراً مختصاً لتقويم مناهج الدراسات الجامعية الأولى ومناهج مرحلة الدراسات العليا في جامعات متعدِّدة في العالم الإسلامي، وأشرف على عشرات الأطروحات الجامعية من دكتوراه وماجستير، وهو محكَّم لبحوث الترقية لمدرّسي الجامعات، وعرف بدقته الشديدة في تحكيمه.

ومن مؤلفاته العلمية المتخصصة الذائعة الصيت: 1- الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين، والذي فتح للمعنيين بالحديث النبوي الشريف أبوابًا كثير من العلم والدراية، 2- منهج النقد في علوم الحديث، 3- معجم المصطلحات الحديثية (باللغتين العربية والفرنسية، حائز على الجائزة الأولى لمسابقة الدراسات الحديثية، للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – جامعة الدوال العربية)، 4- تصدير معجم المصنفات في الدراسات الحديثية (حائز على الجائزة الثانية لمسابقة الدراسات الحديثية)، 5- هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلوات الخاصة، 6- دراسات تطبيقية في الحديث النبوي (الكتاب الأول: العبادات، والكتاب الثاني: المعاملات)، 7- دراسات منهجية في الحديث النبوي (الأسرة والمجتمع)، 8- النكاح في سنن النسائي والأدب في سنن الترمذي، 9- الحج والعمرة في الفقه الإسلامي (موضح بالمصورات الجغرافية)، 10- في تفسير القرآن الكريم وأسلوبه المعجز علميًّا وبيانيًّا، 11- علوم القرآن الكريم، 12- الإحرام (بحث خاص لموسوعة الفقه الإسلامي في الكويت)، 13- الإحصار (بحث خاص لموسوعة الفقه الإسلامي في الكويت)، 14- الحج (بحث خاص لموسوعة الفقه الإسلامي في الكويت)، 15- خروج النظم المصرفية عن أحكام الشريعة الإسلامية وطرق علاجها، 16- المسانيد ومكانتها في علم الحديث، 17- أصول الجرح والتعديل، 18- خبر الواحد الصحيح وأثره في العقيدة والعمل، 19- القرآن الكريم والدراسات الأدبية، 20- أحكام القرآن في سورة البقرة، 21- أحكام القرآن في سورة النساء، 22- آيات الأحكام: تفسير واستنباط، 23- إعلام الأنام شرح بلوغ المرام في أحاديث الأحكام، 24- في ظلال الحديث النبوي: أول دراسة فكرية اجتماعية وأدبية جمالية معاصرة، 25- التفسير وعلوم القرآن، 26- لمحات موجزة في مناهج المحدثين العامة (في الرواية والتصنيف)، 27- مع الروائع والبدائع في البيان النبوي، 28- الحج والعمرة فى الفقه الإسلامي، 29- ماذا عن المرأة ؟، 30- الاتجاهات العامة للاجتهاد ومكانة الحديث الآحادى الصحيح فيها، 31- السنة المطهرة والتحديات، 32- أهم الملامح الفنية فى الحديث النبوي، 33- توثيق وجمع القرآن الكريم في عهد النبي ﷺ فى ضوء السنة النبوية.

ومن تحقيقاته للمخطوطات العلمية: 1- علوم الحديث للإمام ابن الصلاح الشهرزوري، 2- المغني في الضعفاء للإمام شمس الدين الذهبي، 3- الرحلة في طلب الحديث للإمام الحافظ أبي بكر الخطيب، 4- شرح علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي، 5- إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق صلى الله عليه وسلم للإمام النووي، 6- نزهة النظر شرح نخبة الفكر للحافظ ابن حجر، 7- هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك للإمام المحدث الحافظ المجتهد عز الدين بن جماعة الكناني، إلى غير ذلك من البحوث العلمية والدراسات الثقافية الكثير.

عني بعلوم الحديث النبوي الشريف روايةً ودرايةً في مجالات التدريس والتحقيق والتأليف. وكتابه (منهج النقد في علوم الحديث)، نهج فيه منهجاً جديداً مبتكراً غير مسبوق، مع المحافظة على قواعد هذا الفن وأصوله وضوابطه، مما يدل على تمكن المؤلف من ناصية هذا الفن، ويجعله في مصاف المجددين في محال التصنيف وجودة التنظيم والترتيب، فهو: "ينقل مسائل هذا العلم من التفرق إلى التكامل، ويأخذ بالقارئ من الجزيئات المبعثرة إلى النظرية المتكاملة المتناسقة التي تتآلف فيها أنواع علوم الحديث كافة، لتبدو في مجموعها منطقة بتسديد وإحكام نحو الغاية المنشودة".‏

واعتنى الشيخ بأمري خلال زيارتي لبلاد الشام سنة ست وعشرين وأربع مائة وألف، واتصل بي غير مرة، ودعا لي بدعوات، زرته في منزله بحلب الواقع على هضبة مرتفعة جدّا يمكن رؤية حلب كلها من ذلك المكان، مشرفا على قصر سيف الدولة.

كان لقاء الشيخ من أفضل أماني، فإن هناك عالمين في الحديث النبوي الشريف لا أعدل بهما أحدا، وكلاهما من مدينة حلب: شيخنا العلامة المحدث البحاثة المحقق العالم الرباني محمد عوّامة حفظه الله تعالى، والشيخ العلامة المحدث الناقد البصير نور الدين عتر، والذي خدم السنة تدريسًا وتحقيقًا وكتابة وتأليفًا مع العناية بالتعمق والإتقان والتدقيق والفصل والبيان قلما تيسر لأحد في هذا العصر.

وذكرت للشيخ استفادتي من كتبه، لاسيما كتابه (الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين)، ترجم فيه ترجمة حافلة للترمذي رحمه الله كما ترجم للشيخين البخاري ومسلم، ثم درس مناهج الأئمة الثلاثة في كتبهم المشهورة، بمنهج نقدي مقارن، وعقد فصولاً مهمة في الكلام على الإسناد في جامع الترمذي، وفقه الترمذي.‏

واستفسرت الشيخ عن بعض قضايا الحديث والرجال، فأجاب بما يشرح الصدور، ويكشف المعضلات، وكان المجلس، والله الحمد، مجلس علم وحديث، وذكر لي الطالبات اللاتي حفظن صحيح البخاري وغيره من كتب السنة عن ظهر الغيب إسنادًا ومتنًا تحت إشرافه، وهذه لا شك مأثرة كبيرة ومفخرة عظيمة، لا أعرف هذا العدد الكبير من الناس رجالاً أو نساءًا حفظوا كتب الحديث عن ظهر الغيب، اللهم بارك في هؤلاء الطالبات، وأكثر أمثالهن.

وأهدى إلي بعض مؤلفاته وأهمها (إعلام الأنام شرح بلوغ المرام)، فسألته أن يجعل الهدية مقرونة بالإجازة، ففعل، فجزاه الله تعالى خيرا، وكتب على الجزء الأول من (إعلام الأنام): "هدية تقدم إلى الأخ الكريم الدكتور الشيخ محمد أكرم الندوي المحترم لمناسبة زيارته حلب الشهباء مع الإجازة له بما يجوز عني ولي روايته، وفقنا الله وإياه لما يحبه ويرضاه".

وطال مجلسي معه ونحن مستلذون بحديثه الحلو الطيب، ومنتفعون بفوائده العلمية، وكان ممن يجب على طلبة العلم أن يشدوا إليه الرحال، ويعتكفوا على بابه حتى يبلغوا منه الآمال، فقلما يجود الدهر بمثله، وإن الزمان بمثله لبخيل، واستأذنت الشيخ والقلب غير راض بمغادرته، وفي النفس هوى لتقضى حاجته، ووصلت إلى منزلي حوالي الساعة الثانية عشرة: عجل الفراق، وليته لم يعجل

مضى فمضى معه علم كثير، وكيف أكشف للعالم ما في من وجد باطن، ولعل كلامي على ما أخفي شهيد، وليعلم الأنام أن الحديث عن الفقيد أشهى وألذ من كل طارف وتليد، فرحمه الله رحمة واسعة

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات