السبت 2 جمادى الآخرة 1442 - 16 يناير 2021

رحيل البحَّاثة الفيزيائي الدمشقي الأستاذ الدكتور محمد البغدادي

الخميس 7 رمضان 1441 - 30 أبريل 2020 680 كاتب الترجمة : أيمن بن أحمد ذو الغنى
رحيل البحَّاثة الفيزيائي الدمشقي الأستاذ الدكتور محمد البغدادي

 

غيَّب الموت عن دنيانا علَمًا من أعلام الشام المعاصرين، وأحد أفراد الفيزيائيين المتخصِّصين، من أبناء حيِّ العَمارة محلَّة (الشرف الأعلى) بدمشق، الأستاذ الجامعيَّ البحَّاثة الدكتور محمد البغدادي، وذلك يوم الثلاثاء 22 من رجب 1441هـ يوافقه 17 آذار (مارس) 2020م، في مغترَبه بمدينة الرِّباط عاصمة المملكة المغربية. رحمه الله تعالى وغفر لنا وله، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

اسمه ودراسته

هو محمد بن محمد سعيد، بن مصطفى، بن صافي البغدادي، المولود في دمشق سنة 1930م. تخرَّج في كلية الحقوق بجامعة دمشق، ثم ابتُعِث إلى فرنسا لاستكمال الدراسة، فآثر دراسةَ الرياضيات وتخصَّص فيها، وتابع دراسته حتى حصلَ على الدكتوراه. ثم حُبِّب إليه التخصُّص في الفيزياء النظرية (الفيزياء الرياضية) التي تبحث في النظريات الفيزيائية وحلولها الرياضية، واستنباط القوانين الفيزيائية المفسِّرة لسلوك الأجسام رياضيًّا، فأولاها اهتمامَه وعنايته حتى برَّز فيها وصار من أعيانها. 

جهوده وأعماله

بعد عودته من فرنسا تولى التدريسَ في كليتي العلوم والهندسة بجامعة دمشق، وفي كلية العلوم درَّس مادة (الميكانيك الفيزيائي). ثم أُرسل عام 1968م إلى المملكة المغربية مبعوثًا خبيرًا لدى منظمة اليونسكو في مناهج تدريس الرياضيات والفيزياء، ثم استقرَّ في مدينة الرِّباط وبقي فيها اثنتين وخمسن سنةً إلى أن توفيَ رحمه الله، إذ قد حِيلَ بينه وبين الرجوع إلى بلده لظروف خارجة عن إرادته! إلا أن صديقَه الدكتور عبد الله واثق شهيد مدير مركز الدراسات والبحوث العلمية بدمشق، سهَّل له بعضَ الزيارات للمشاركة في مؤتمرات علمية وإلقاء محاضرات في المركز.

وفي المغرب نشِط الدكتور البغدادي في مجال تخصُّصه فنفع الله به كثيرًا، وخلَّف بصَماتٍ بيِّنةً وأياديَ بِيضًا، من ذلك أنه أنشأ أولَ مختبر للفيزياء النظرية بكلية العلوم في جامعة محمد الخامس بالرِّباط، وتولَّى إدارته من عام 1972 إلى 1998م، وأسهم في تأسيس القسم العربيِّ لتدريس موادَّ علمية باللغة العربية في المدرسة العليا للأساتذة، وهو عضوٌ في أكاديمية العلوم المغربية. 

وامتدَّ عطاؤه الجامعيُّ أكثر من ثلاثين عامًا باللغة العربية والفرنسية، وتخرَّج به أجيالٌ من المتخصِّصين في الفيزياء من المغاربة والدارسين في المغرب، وأشرف على غير قليل من طلاب الماجستير والدكتوراه.

نتاجه العلمي

انكبَّ الدكتور البغدادي على البحث والتأليف والترجمة، فصدر له غيرُ قليل من المؤلفات بالعربية والإنكليزية والفرنسية، ونقل إلى العربية مصنَّفات من الإنكليزية والفرنسية والألمانية، جُلُّها في الفيزياء النظرية، وتاريخ العلوم، وفلسفة العلم. ومما ترجمه عن الألمانية وقدَّم له كتاب (منطق البحث العلمي) للباحث كارل بوبر، صدَر عن المنظمة العربية للترجمة، بدعم من مؤسسة الفكر العربي. ومما ترجمه عن الفرنسية الكتابُ الضخم (من الخوارزمي إلى ديكارت، دراسات في تاريخ الرياضيات الكلاسيكية) للفيلسوف والمؤرِّخ المصري رشدي راشد، من منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، بالاشتراك مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية.

ودأبَ في مجال البحث العلمي، مشاركًا ومسهمًا في بحوث كثيرة، وبخاصَّة مع صديقه العالم الفيزيائيِّ الباكستاني النابغة البروفيسور محمد عبد السلام (1926- 1996م) الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء النظرية عام 1979م، وكان يُعاونه في المركز الدَّولي الذي أنشأه بمدينة تريستا الإيطالية.

موسوعته الفيزيائية

بعد تقاعده نهض البغداديُّ إلى تصنيف موسوعة في الفيزياء، موظِّفًا فيها خبراته الواسعةَ في مجال التدريس والبحث العلمي التي امتدَّت أكثرَ من نصف قرن، واختار أن تكونَ باللغة العربية، واعترضَته عوائقُ كثيرة تخطَّاها بإصراره وعلوِّ همَّته، ومن أبرز المصاعب التي واجهَته ممَّا ذكره في مقدِّمته: (عدم وجود مقابل واحدٍ متَّفق عليه للمصطلح العلميِّ الأجنبي بين مختلِف البلدان العربية، أو بين الجامعيِّين في القطر الواحد، أو المنتمين إلى أقسام علمية متقاربة كالفيزياء والرياضيات، بل وبين العاملين في القسم الواحد). 

وجاءت الموسوعة في خمسة مجلَّدات كبيرة بعنوان (أسس الفيزياء المعاصرة)، استغرق إنجازُها عدَّة سنوات، دون أيِّ مساعدة أو دعم، وصدرَت عن دار (طوب بريس) المغربية نحو عام 2016م، إلا أن الكتاب لم يوزَّع ويُعرَف إلا عام 2019م. 

أما أقسامُ الموسوعة الخمسة فهي: المجلد الأول (الميكانيك التقليدي والنسبوي)، المجلد الثاني (الميكانيك الإحصائي والترموديناميك)، المجلد الثالث: (الكهرطيسية والضوء)، المجلد الرابع (الميكانيك الكمومي)، المجلد الخامس (الفيزياء الإحصائية).

وجَهَدَ البغداديُّ ألا يدعَ مجالًا من مجالات الفيزياء الرياضية إلا ويوفِّيه حقَّه، لتكونَ الموسوعة شاملةً غنية مع الدقَّة العلمية الأكاديمية، ولتضعَ تحت أيدي الدارسين كلَّ ما يحتاجون إليه في هذا التخصُّص. وحرَص على أن يسردَ في ذيل كل مجلَّد المراجعَ الخاصَّة به، فضلًا عن مراجعَ أخرى لمن يرغب في التوسُّع والتقصِّي، مع إثبات قائمة بالمصطلحات الواردة بالعربية والإنكليزية، وأحيانًا يضيف إليهما الفرنسية. 

ووصفَ الموسوعةَ بأنها: (تقدِّم كلَّ ما يتطلَّبه الفيزيائيُّ المتشبِّع بالرياضيات؛ لإتمام دراسته والانفتاح على ما بعد السنوات الأولى من التعليم الجامعي).

وأكد الباحث المغربيُّ فيصل البقالي: أن (هذه الموسوعة جديرةٌ بالاقتناء والاحتفاء، ويجب ألا تستغنيَ عنها مدرسةٌ أو معهد ثانوي أو جامعي، ناهيك عن المكتبات العامَّة والخاصَّة. فاقتناؤها استفادةٌ ودعم للبحث العلميِّ الوطني والعربي، وخدمةٌ للعربية وأهلها. وهي بحسَب اطِّلاعي الأوَّلي مفيدةٌ جدًّا لتلاميذ البكالوريا والسنوات الأولى في الجامعة للتخصُّصات الرياضية الفيزيائية). 

تعريب التعليم

يعَدُّ البحَّاثة محمد البغدادي من أبرز دعاة تعليم العلوم (الموادِّ العلمية) باللغة العربية، ومناهضة تعليمها باللغات الأجنبية في المدارس والمعاهد والجامعات العربية. وهو القائل: (لا يمكن لأمَّة أن تتقدَّمَ إلا إذا درسَت وتعلَّمَت وبحثَت بلغتها الأم). 

وقد أثبتَ بموسوعته هذه ما كان يؤمن به ويُعلنه على الدوام، من أن لغتنا العربيةَ كانت وما زالت وستبقى لغةَ التاريخ والحضارة والفكر، وأنها قادرةٌ على استيعاب العلوم المختلفة ومصطلحاتها على جميع المستويات. أجل إن لهذه الموسوعة أهميةً كبيرة في تأكيد أن اللغة العربية وَلود، وأننا معشرَ العرب قادرون على تخطِّي الصعوبات اللغوية التي يمكن أن تواجهَنا عند الترجمة العلمية. وكذلك قادرون على كسر الاحتكار العلميِّ الغربي، بتقديم مراجعَ علميةٍ رصينة للمكتبات العربية، يستفيد منها الطلبةُ والباحثون والمتخصِّصون العرب في كلِّ علم وفن.

وحظيَ الدكتور البغداديُّ بتكريم التنسيقية الوطنية للغة العربية، في المركز الاجتماعيِّ التربوي بحيِّ الرياض في مدينة الرِّباط، في شهر شُباط (فبراير) من عام 2020؛ تقديرًا لغَيرته الحميدة على العربية، وجهوده في إبراز قدرتها على التعبير عن العلوم الحديثة، وأن تكون لغةً للتعليم والتأليف. 

فائدة

بقي أن أقولَ: إن الدكتور محمد البغدادي هو عمُّ الأستاذ الفيزيائيِّ القدير، والمربِّي الشهير بدمشق سيف الدين البغدادي رحمه الله (والعمُّ يصغُر ابنَ أخيه بسُنيَّات)، وسيف الدين من طلَّاب الدُّفعة الأولى في كلية العلوم بالجامعة السورية، التي ضمَّت نخبةَ الفيزيائيين في الشام فيما بعد، ومنهم: سيِّدي الوالد أحمد ذو الغنى، والأساتذة فاروق السَّلكا، ومحمد المصري، وعبد الله واثق شهيد، ومحمد سعيد الطنطاوي، وعدنان محاسب، وأحمد رضا حتاحت، وبديع السلَّاخ، وزهير الفقير.

المصادر:

- مراسلات مع ابن أخيه الصديق العزيز الأستاذ بشار البغدادي.

- مراسلات مع أستاذنا الفاضل مروان البوَّاب، وهو من طلَّابه في كلية العلوم بجامعة دمشق، درَّسه مادة (الميكانيك الفيزيائي) عام 1965م. 

- مقالة (وفاة البروفيسور محمد البغدادي صاحب أول موسوعة عربية في الفيزياء) لعابد عبد المنعم، موقع (هوية بريس)، المغرب، بتاريخ 21 مارس 2020م، اعتمد فيها على موقع (الباحثون المسلمون).

- مقالة (محمد بغدادي يهدي العرب أول موسوعة علمية في الفيزياء الرياضية باللغة العربية)، صحيفة الحياة، الرياض، بتاريخ 2 أبريل 2019م.

- مقالة (أول موسوعة للفيزياء بالعربية اختارت تجرِبة التعريب بالمغرب) لعبد الله أموش، موقع (العُمق المغربي)، بتاريخ 30 أبريل 2019م.

- حوار مطوَّل مصوَّر (فيديو) مع الدكتور البغدادي، أجراه معه موقع (العُمق المغربي)، منشور في (يوتيوب)، بتاريخ 11/ 5/ 2019م. رابطه:

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا