الجمعة 24 ربيع الأول 1441 - 22 نوفمبر 2019

في ذكرى وفاة القائد "علي عزت بيجوفيتش".

الاثنين 22 صفر 1441 - 21 أكتوبر 2019 189 كاتب الترجمة : محمود صقر
في ذكرى وفاة القائد

تجربة انتصار شعب مستضعف

تجربة شعب البوسنة جديرة بالدراسة.

شعب اختار طريق المقاومة للدفاع عن هويته في ظروف شبه مستحيلة ، فقد كان شعباً أعزلَ مطوقاً من الصرب والكروات اللذين ورثا جيش يوغوسلافية السابقة .

وتركيبته السكانية معقدة جداً حيث يبلغ نسبة المسلمين 48% والصرب37% والكروات 15%.

ومع بداية الغزو الصربي انحاز قسم من صرب البوسنة إلى صربيا والكروات إلى كرواتيا ، بل وعانى الشعب المسلم من انفصال فريق منه بقيادة "فكرت عبديتش" وانضمامه للصرب .

ومع هذه التحديات الداخلية لشعب لا يمتلك جيشًا ولا سلاحًا فضلاً عن تركيبته السكانية ، فقد احتل الصرب 70% من أرض البوسنة في الأشهر الأولى للحرب .

ووقف العالم متفرجاً على تلك الجريمة ، فالأمم المتحدة فرضت حظراً على السلاح وظل الأمين العام للأمم المتحدة وقتها "بطرس غالي" يهدد البوسنة بسحب قواته في حال تقدمت بطلب رفع الحظر ، وقام بإعاقة طلب حلف الناتو بالقيام بطلعات جوية ضد القوات الصربية المعتدية .

وكان موقف روسيا هو نفس موقفها التقليدي السافر العداء والغباء ضد المسلمين فقد استخدموا حق النقد "الفيتو" لدعم الصرب .

أما الموقف الأوروبي فقد عبر عنه اللورد "كارنجتون" في حديثه لبيجوفيتش : ( لا تعتمد على تدخل الغرب لأن ذلك لن يحدث فعليك أن تحاول التفاوض مع الصرب إنها الطريقة الوحيدة للخروج من المأزق )

كيف يمكن لشعب هذا حاله أن يستمر في المقاومة ؟؟!!

والأكثر من هذا كيف وصل إلى هدفه بدولة مستقلة اسمها "البوسنة والهرسك" .؟!

قد يحكم البعض على القصة من نهايتها ويقول لقد كان لضربات الناتو الجوية ضد الاهداف الصربية العنصر الحاسم في رد العدوان .

ولكن كانت هذه الضربات بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب ، فاجأ بها شعب البوسنة العالم بصموده ومقاومته وإنجازاته الحربية على الأرض ، ولولا إرادة المقاومة لدى شعب البوسنة لانتهت قضيته من أول يوم .

ولكن كيف أدارت القيادة تلك المقاومة شبه المستحيلة ؟.

كان مفتاح إدارة المعركة بنجاح هو إدارتها سياسيا وميدانيا بتنسيق تام ، فحَمَلة السلاح يتحركون بأوامر القيادة السياسية . والقيادة السياسية كانت تتفاوض حيثما يلزم التفاوض ، وتحارب حيثما تلزم الحرب .

اتخذت القيادة السياسية قرارها الصعب بالمقاومة المسلحة في وقت كان نصيب كل خمسة متطوعين بندقية واحدة ، واستمرت في دعم المقاومة من البداية للنهاية مع استمرار المفاوضات ، وحين أعلن وزير الدفاع الأمريكي "وليم بيري" في ذروة جريمة الإبادة والتطهير العرقي : (إن الحرب في البوسنة قد انتهت بانتصار الصرب ويجب على العالم أن يتقبل ذلك الأمر).

رد عليه "بيجوفيتش" في خطاب في قمة دول منظمة الأمن والتعاون الأوروبي نهاية عام 1994 : (إنها ليست مباراة كرة قدم تطلق صفارة بنهايتها ، إنها قضية حياة أو موت وسنستمر في القتال حتى النهاية).

وأرسل للرئيس "كلينتون" : ( إن قضية شعبنا قضية حياة أو موت ، وإنني أجد نفسي ملزما بأن أحيطكم علما بأننا لن نستسلم وأنه لا خيار أمامنا سوى الاستمرار بالمقاومة بغض النظر عن النتيجة ).

وبرغم أن دافع المقاومة ووقودها المعنوي هو الدفاع عن عقيدة الشعب الإسلامية وقوميته البوشناقية وأرضه التاريخية إلا أن القيادة السياسية حددت رؤيتها وهدفها بوضوح ولم تَحِد عنه من البداية للنهاية وهو ما عبر عنه "بيجوفيتش" أمام الدورة التاسعة والأربعين للأمم المتحدة عام 1992 بقوله : ( هدفنا الذي لا رجعة عنه هو الوصول إلى "بوسنة وهرسك" ديموقراطية داخل حدودها المعترف بها دوليا حيث تضمن الحقوق القومية والدينية والسياسية لكل مواطنيها )

وبرغم الجرائم الصربية والكرواتية فقد أدارت القيادة السياسية معركتها على قاعدة أخلاقية أشبه بالمثالية أحرجت العالم كله وأبطلت دعاية التطرف الإسلامي التي يروجها الصرب وأعوانهم.

فحين حاول بعض جنوده الانتقام بعشوائية ، خاطب جنوده في ساحة المعارك قائلاً :( لقد تم ذبحنا وقتل نسائنا وتدمير مساجدنا ولكننا لن نقتل النساء والأطفال ولن ندمر الكنائس ، لن نقوم بذلك لأنها ليست طريقتنا فهذا محرم علينا في ديننا ، إننا سوف ننتصر لأننا نحترم أديان الآخرين ومعتقداتهم السياسية ولأننا نبذل جهدنا كي يكون شعبنا محترما في خضم وضعنا الصعب ، سوف ننتصر ولو اجتمعت علينا كل قوى الشر حين يكون جيشنا هو جيش الشعب بكل طوائفه ومعتقداته .)

وبعد توقيع معاهدة "دايتون" وانتهاء المعارك يعلن سياسته مع خصوم الأمس بوضوح : ( ليس هناك انتقام أو ثأر لكنه يجب أن يكون هناك عدالة وحقوق ).

وفي النهاية وبعد تدمير ثمانمائة مسجد والتضحية بربع مليون شهيد ومليوني مُهَجَّر بخلاف الجرحي والمعاقين والمعتقلين ، فهل كان اتفاق "دايتون" الذي وقعته القيادة السياسية ملبياً لتطلعات شعب البوسنة.؟

خاطب بيجوفيتش شعبه قائلا : ( إن هذا قد لا يكون سلاما عادلا ولكنه أكثر عدلا من مواصلة الحرب ، وفي الوضع الذي عليه الحال وفي عالم هذا حاله لم يكن في الإمكان تحقيق سلام أفضل من هذا. )

والسؤال الأخير والمهم والمصيري :

هل كان ممكناً أن تتجنب البوسنة دخول الحرب .؟

أجاب "بيجوفيتش" عن هذا السؤال : ( كان تحقيق ذلك مشروطا بمعاهدة استسلام وتصبح البوسنة جزءاً من صربيا الكبري تحت سلطة "ميلوشفتش" و "كرادجيتش" وهذا نوع من العبودية ، والعبودية هي أسوأ من الحرب .)

وختاماً فهذه تجربة بين أيدينا تثبت أن قوة الشعب وإرادته وإيمانه أقوي من كل قوي الشر .

وتثبت أيضاً أنه ليس بالإيمان وحده ولا بعدالة القضية وحدها يتحقق النصر ، فللنصر أسباب وسنن لابد من توافرها جنباً إلي جنب مع الإيمان وعدالة القضية.

ملحوظة: مرجع الاقتباسات في المقال هو كتاب السيرة الذاتية لرئيس البوسنة "علي عزت بيجوفيتش".

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا