الأحد 22 محرم 1441 - 22 سبتمبر 2019

ذكريات مع شاعر طيبة محمد ضياء الدين الصابوني

الاثنين 18 ذو الحجة 1440 - 19 أغسطس 2019 102 كاتب الترجمة : يحيى حاج يحيى
ذكريات مع شاعر طيبة محمد ضياء الدين الصابوني

قرأت بعض أشعاره و ترنمت بها وأنا طالب في الجامعة واستمعت إليه في مساجد حلب يشدو بمديح المصطفى صلى الله عليه و سلم.

ثم قدر الله أن نلتقي بعد ذلك فعرفته عن قرب عام 1973 في مركز تصحيح اختبارات الشهادة الثانوية بحلب ، حيث يلتقي عدد كبير من المدرسين من أكثر من محافظة ، فتكون أيام عمل وتعارف وإفادة علمية واستماع إلى قصائد وأشعار وتبادل وإهداء دواوين وقصص بين الزملاء

أسمعته بعض قصائدي في مديح النبي صلى الله عليه و سلم فسر بها واستمتع بقراءتها وشجعني على جمعها و طبعها وقد كان ذلك !

كثيرا من الأوقات في أثناء الاستراحات قضيتها في مجلسه ينشد ويطلب إلي أن ألقي ما نظمته

وفي إحدى هذه المجالس عبرت له عن حبي لشخصه الكريم ولشعره الرائع الجميل ، فكتبت أربعة أبيات وقدمتها له وقد هزتني ديباجته الأصيلة ، ومعانيه الجميلة

نفحاتُ شعرِكَ يا ضياءَ الدينِ=قبَساتُ نورِ ، وانبثاقُ يقينِ

جددتَ فيها ما ونى من هِمّتي=وبعثتَ في روحي حَميةَ ديني

وبلغتَ بالحب المقدس ذروةً=فوقَ الذرا تبدو لكل أمين

فاصدحْ - فديتُكَ - بالمديح ، فإنما=مدْحُ النبيّ من الضّنى يشفيني

و قد ضاعت هذه الأبيات مع غيرها من المقطعات والقصائد في الهجمة اللئيمة التي قام بها جيش الأسد الهالك ، على مدينة جسر الشغور في 10 /3/ 1980

ولولا ذكر الأخ أحمد الجدع لها في كتابه [ أدباء و علماء عرفتهم ] لما وجدت إليها سبيلا !؟

ثم اضطررنا بعد إعنات وتسلط إلى الخروج من البلاد ولم يكتب لي لقاء شاعرنا ضياء الدين إلا في عام 1984 في المدينة المنورة ، لأفاجأ بعد تعاقدي مع الجامعة الإسلامية للتدريس في المعهد الثانوي فإذا الشيخ - رحمه الله - هو الموجه التربوي للغة العربية في الدور والمعاهد !

وكان لقاء حارا بعد نأي وانقطاع .. ويحضرني من ذكريات هذه الفترة أننا جلسنا في غرفته نتناشد الأشعار ، ونتذاكر الهموم ، حتى إني نسيت موعد استلام بدل الإيجار فجاءني أحد الزملاء ليخبرني أن أمين الصندوق على وشك الانصراف!؟

وتوالت اللقاءات في غرفة التوجيه ، أو في أثناء زيارته لي في الفصل وقد أسند لي تدريس الأدب والبلاغة وكنت قد جعلت من درس البلاغة مجالا للتذوق الأدبي وتقريب المعاني ولا سيما أن أكثر الطلاب كانوا من غير العرب ، ووجدت أن المصطلحات وأمثلتها القديمة المكررة قد لا تنفع فكان الشيخ يُسّر ويثني أمام الطلاب وأمام إدارة المعهد... وفي المساء كان يصطحبني أحيانا إلى مجلس الشيخ عبد الحميد عباس لأستمع وأُسمع منتفعا وفي المجلس أكثر من شاعر وذواقة للشعر كالشيخ محمد المجذوب والشيخ عبد الحميد والدكتور حسين قاسم [ أبو حمزة ] رحمهم الله .

وأذكر أن أحد الشعراء نَفَسَ على الشيخ ضياء أن يردد ويكتب عن نفسه : شاعر طيبة ، و في أبناء طيبة شعراء كثر ؟!

(وكان شاعرنا يستعذب هذا اللقب ، ويحب أن ينادى به ، بل هو يصر على كتابته على صفحات دوواينه ومؤلفاته ، ويشبه نفسه بحسان بن ثابت رضي الله عنه فإذا كان حسان شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم فيما مضى فهو شاعره الآن . يقول :

هذا الرسول فكن في الشعر حسانا=وصُغْ من المدح في ذكراه ألحانا

واستمر يحمل هذا اللقب ، ويعتز به ! وقد ذكر في مقدمة ديوانه نفحات القرآن : أن الشيخ عبد الحميد عباس - أحد فضلاء المدينة .. هو الذي أطلق عليه هذا اللقب [ شاعر طيبة ] لكثرة ما يهجس بجلالها ، ويتغنى بفضائلها ، وبسيد العالمين ساكنها عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم [ من ألقاب الشعراء : شاعر طيبة ، مقاله للدكتور عبد الرزاق حسين - مجلة الأدب الإسلامي العدد 76 ] . ومن ذكريات تلك المرحلة أن الشاعر أكرمني ، فكتبت تقديما لديوانه [ في رحاب رمضان ط1 ] أشرت فيه إلى أنه يطوف ما شاء له أن يطوف ، ولا يزيده التطواف إلا حنينا لطيبة ، وشوقا إلى ربوعها ! وتعبق نفحات القرآن ، ويتجدد ربيع القلوب ويشدو ضياء الدين بأعذب ألحانه ، إذ يقول :

شوقي لطيبةَ دائبٌ تتجدّدُ=والحبُّ لا يفنى و لا يتبددُ

أنا ما سمعتُ بذكرها إلا هفا=قلبي ، ونيرانُ الجوى تتوقدُ

ثم كتبت دراسة عنه تحت عنوان : أشواق و ذكريات في رحاب رمضان ، نشرت في مجلة المجتمع الكويتية ، العدد 816 - 8 رمضان 1407 ، كان في خاتمتها استشهاد بأبيات للشاعر ، عبر فيها عن فرحته برمضان في طيبة الطيبة :

رمضانُ ! ما أحلى ليالي طيبةٍ=والذكرياتُ تُهيجنا و المرتعُ

و كعن سعادته بالعيد وهو في مدينة المصطفى صلى الله عليه و سلم :

هذه طيبةٌ ، وأنتَ محبُّ=وأرى الشوقَ في الضلوع استبدا

لستُ أنسى و كقد حللْنا ضيوفا=عند خير الورى ، وأكرم رفدا

و عقبت المقالة : ألا يحق للشاعر أن يكون محب طيبة لا شاعر طيبة - كما سماه بعض الأدباء !

لأن كل محب شاعر - وإن لم يقل شعرا - وليس كل شاعر محبا صادقا فقد عودنا الشعراء أن يكتبوا عن طيبة قصائد معدودات ، ولكن شاعرنا ضياء الدين ،أتحفنا بديوان شعر كامل مع ديوانين سابقين نفحات طيبة ورباعيات من طيبة ! وهذا ما يفعله المحبون ، لا الشعراء !

كان الشاعر - رحمه الله - يهدي إلي وإلى الكثيرين كتبه ودواوينه وكتب أدب ودين يرى أنها نافعة لقارئها

فلا يكاد يوجد كتاب لدي من إهدائه إلا أجد عليه عبارات الإهداء الراقية ، أو أبياتا يرتجلها ويسجلها بخطه ومنها على سبيل المثال ما كتبه في الصفحة الأولى من ديوانه نشيد الإيمان :

حديثُكَ يا أخي يحيى لذيذٌ=ويلمسُ كلَّ قلب في الصميم

عرفتكَ مخلصا حرا أديبا=تسير على هدى النهج القويم

وما أحلى لقاءً في [رحاب]=فيالك من أخ ندْبٍ كريم

وبعد سنوات يهدي إلي ديوانه نفحات حب و خلجات قلب : إلى الشاعر .. والوفي الكريم الأخ ..

إن كان للشعر أن يزهو بشاعره=فإنما بكَ يزهو الشعرُ فتّانا

بيني وبينك يا أستاذُ آصرةٌ=من المودة ، عينُ الله ترعانا

وكتبت إليه مرة وأنا في المدينة المنورة وقد غادرها إلى مكة المكرمة للعمل في معهد الدعاة :

لكم يا شيخنا الغالي= تحياتي وأشواقي

وملءُ القلب من أدب=زكي وارف راقي

أتى من مكةٍ سَحَرا= نسيمٌ هزّ أعماقي 

فقلت وبي صباباتٌ= وتهيداتُ عشاق !

لقد حركتَ أشجانا=ودمعاتٍ بأحداقي 

حملتَ سلامَ مشتاق=لصبّ القلب مشتاق!

فكتب إليّ يقول :

أبا بشرٍ لكم حبي=وأسمى ما بأعماقي

وملءُ فؤادي اللهفــ=ـــــان حبٌّ عاصف باقي

وأنتَ أعزُّ ما عندي=وأملؤهم لآماقي

أثرتم فيّ تحناني=وإحساسي وإشفاقي

و[طيبةُ] حبُها يسري=بأغواري وأعماقي

لعل اللهَ يجمعُنا=وذاك يكون ترياقي

والتقينا في المدينة المنورة على غير ميعاد ، وكان كثيرا ما يتردد إليها ، فأهدى إلي كتابا في الأدب العربي فارتجلت :

أهدى إليّ ضياءٌ أجملَ الكتبِ=في النثر والشعر و الأخبار و الأدب

فقال اكتب في الصفحة الأولى

: هدية متواضعة إلى الأخ الكريم والصديق الحميم الشاعر ..

و ارتجل أبياتا أرّخت لها في 25 رجب 1427

خيرُ الهدية ما كانت من الكتب= فاظفر تنلْ باقتناها أرفع الرتب 

إني أهنيك من قلبي و عاطفتي=فانت أكرم مٓن يًرجى لدى النوب 

أنت الوفاءُ بعصر لا وفاءَ به=يحيا بك الأدبُ السامي مدى الحقب 

يا شاعرا وهب الهادي مدائحَه=إني أهنيك في مدحِ لخير نبي !

ومن جميل الموافقات التي لا تنسى أنني كنت في زيارة لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم توجهت إلى قبره الشريف للسلام عليه ففوجئت بالشيخ ضياء ثم بالأخ سليم عبد القادر ، ولم يكن المجال يسمح لأكثر من سلام عابر ، ولكن الشيخ كعادته دس في يدي ويد الأخ سليم ورقة فإذا هي قصيدة له عن العراق - رد الله غربته - ورحم الله الأخوين العزيزين الحبيبين وقد فقدتهما في أسبوع واحد ولم يكن بين وفاتيهما إلا أيام أربع .. أسأل الله لهما المغفرة والجنة ، وأن يجمعنا بهم تحت لواء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، كما مَنَّ علينا في الدنيا بأن هدانا وجمعنا تحت راية دينه.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات