الخميس 15 ربيع الثاني 1441 - 12 ديسمبر 2019

مثالٌ من حاملات الراية في هذا العصر : الداعية الفاضلة أ. سحر المصري رحمها الله

الأحد 7 رمضان 1440 - 12 مايو 2019 425 كاتب الترجمة : نور الدين ابن العطّار
مثالٌ من حاملات الراية في هذا العصر : الداعية الفاضلة أ. سحر المصري رحمها الله

هذه كلمات كتبتُها في ذكرى وفاة الأستاذة رحمها الله ، وبحثت يومها عن يوم ميلادها بالتاريخ الإسلامي (الهجري القمري) لأني أُوثر النشر عن الأعلام في ذكرى ميلادهم ما دام معروفا بالنسبة لنا ، فنحن نبحث عن أمل يولد في أولادنا فكان حريًّا بنا أن نربط التعريف بالقدوات الحسنة بذكرى ميلادهم لا بذكرى فقدنا لهم ويوم ميلادها يوافق الثاني من رمضان ١٣٨٨ . ولو أنّي عرفت تاريخا محددا كان نقطة التحول في سيرها نحو ربها لَعددْته هو الميلاد الحقيقي كما أشارت هي ـ رحمها الله ـ مرةً إن لم تخنّي الذاكرة.

ـ ١ ـ

لم أستطع أن تمرّ بنا ذكرى وفاة الفاضلة سحر المصري ـ رحمها الله ـ دون أن أكتب ولو كلماتٍ عنها ، أعلى الله مقامها.

لم يُكتَب لي أن أكون من أقرباء الأستاذة أو ممن تعامل معها عن قرب ، لكني قد عرفت اسمها بداية من صفحات مجلة منبر الداعيات على ما أذكر ، ثم علمت بأنها صارت زوجة الداعية الفاضل الشيخ حسن القاطرجي .

في الحقيقة كنت أعقّب (أتابع) منشوراتِها بدايةً تعقيبَ رجلٍ أطربه أن يرى في زماننا هذا امرأة مؤمنة معتزّة بهُوِيّتها ، بحجابها في عصر ماجت فيه الفتن . وظَللْتُ كذلك ، حتى علمتُ مرّة بهذا النّبأ المؤلم إن الأستاذة أصيبت بالسرطان ، يا الله ! ، تألمتُ ودعوت ربي ، وفي الحقيقة فإن بداية تأثري بكتابات هذه العظيمة بدأت من تلك الكلمات ، الكلمات التي كانت تخطّها وهي في صراعٍ مع المرض ، وتوقّعها بقولها #راضيةٌ_وأحنّ 

كنت أحسُّ في هذه الكلمات فيضًا إيمانيًّا عجيبًا .. كم أخرجتني ـ والله ـ بعض كلماتها من عوالمَ كنت قد غصت فيها من كثرة قراءة المقالات والكلام الفيسبوكي ..

كنت أحسّ أنها مع كل مرحلة من مراحل العلاج التي كنا نتابع تقدمها فيه من خلال منشوراتها أو منشورات زوجها الشيخ الحسن ـ كما كانت تحب أن تدعوَه رحمها الله وحفظه المولى ووفقه ـ كنت أحس أنها تُفيضُ في صفحتها بجرعة إيمانية عجيبة تنتقل حلاوتها لِمَن يقرأ كلماتها ، فكيف بقلب مَن كتبتْ . . . !

يا الله .. أيُّ إيمانٍ حمله هذا القلب حتى يكتب هذه النفحات وهو غارق في آلام الصراع مع هذا المرض !

ثم فتحت يومًا حسابي لأجد خبر انتقالها إلى دار الخلود في مطلع المنشورات ..

وفي الحقيقة فإني منذ ذلك اليوم قد بدأت رحلة جديدة في التعرّف بهذه العظيمة .. 

فقد بدأت إدارة صفحتها في فيس بوك تنشر مقتطفات من مقالاتها وربما كان ذلك بعد مدة من وفاتها (فلم أعد أذكر بالضبط) .. وهنا كانت المفاجأة بالنسبة لي فقد علمت من حياتها ما يستدعي التوقّف عنده حقًّا ، والكتابة عنه . فصرت إذا قرأت مقتطفا أذهب وأبحث عن المقالة كاملة ، ولكم سُرِرْتُ حين عثرت على صفحتها في موقع صيد الفوائد ، ووجدت فيه عددا جيدا من مقالاتها في شتى الموضوعات الدعوية والإصلاحية .

وكان من أعظم ما لفت نظري في حياتها أنها وهي بهذا الزّيِّ الشامخ المعتزّ برسالته كانت في طفولتها على غير ذلك .. واسمع إليها وهي تحكي عن ذلك في مقالتها «في ذكرى الميلاد» لتجد أن هذه الروح الوقادة هي هي نفسها ، هي هي بكلماتها التي نضجت من حرقة الألم وشعّت بحرارة الإيمان فلا تُحسُّ بنفسك معها إلا وأنت تمسح خديك مما فاضت به العينان دون استئذان . . وأرى أن هذا جانبٌ مهم ينبغي التركيز عليه في حياتها ، فعظمة الذي ذاق الجاهلية بأصنافها ثم آب إلى ربه وتعرّف به يكون أعظم أثرا في أجيال تحاول الآلة الإعلامية أن تُزيِّنَ لها حياة البعد عن الله . . 

ـ ٢ ـ

فعن أي جانب من عظمتها أتكلّم ؟ أأتكلم عن إتقانها لغتين أجنبيّتين (الإنكليزية والفرنسية) بجانب لغة القرآن ؟ ! أم أتكلّم عن تبريزها (تميُّزها) في المجال العلمي الدراسي فقد تخرجت في فرعين علميَّين مختلفين : الأول هو المعلوماتية الإدارية في الجامعة اللبنانية الأميركية ببيروت ، والثاني هو اللغة الإنكليزية وآدابها في الجامعة اللبنانية ، ثم شهادة في الإرشاد الأسري من مؤسسة الفرحة ، ثم درست في أواخر حياتها في فرع ثالث وهو علم النفس في الجامعة الأمريكية اللبنانية ولم يبقَ إلا إنهاء بحث التخرج ، وكان القدر أن يتوفاها الله وهذا دأْبُ أهل الهمم يموتون ومشروعاتهم مستمرة لم تتوقف لأنه لا يمر عليهم وقت دون مبادرة ..

كثيرا ما تمرّ الأحداث ولا يسطِّرُ الناسُ منها إلّا عناوينها ، وعظمة الابتلاء (بالخير وبالشر) في الحياة إنما تَكْمن في دقائق الأمور أو ما يسمى اليوم بالتفاصيل :

فمثلا هل تتصور ما معنى أن تدرس امرأة مؤمنة شامخة بحجاب أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وسط الجامعة الأمريكية في بيروت ، وتكون هي الوحيدة المنتقبة فيها ؟ !

هل تعرف حجم النظرات التي تلتهم صاحبة هذا الحجاب في الغَدوة والرَّوحة ؟ !

وأذكر أنها كتبت مرة موقفًا فعله أحدهم مسيئًا معها في الجامعة ساخرا من حجابها وهو واقف بين أصدقائه من الشباب .. وأظن أن هناك الكثير من مواقف الثبات التي لم تخبرنا بها هذه الحرة ، محتسبةً ذلك عند ربها .. الذي حبّب إليها هذه الثياب في زمنٍ صار المعروف فيه منكرًا والمنكر معروفًا .

ثم كانت رحمها الله هي الأولى في هذا الفرع ، مع ما كانت تحمله رحمها الله من أعباء دعوية واجتماعية عدا عن كونها زوجة وربّة منزل ، لتثبت للمنهزمين أن فريضة الله الحجاب لا تعوّق المؤمنة عن التميز في حياتها . 

ـ ٣ ـ

أم أتكلم عن حملها لرسالة الأمة ، وتضحيتها وخدمتها لقضايا المسلمين في شتى بلاد الإسلام من لبنان موطنها ، ومصر وسورية ، وفلسطين والقدس .. ؟ وما أدراك ما قضية فلسطين والقدس ! لقد كانت عضوًا فاعلا في هيئات ولجان وروابط شتى عاملة من أجل القدس على مدى السنين ، ونذرت جزءا كبيرا من وقتها لهذه القضية وهي التي عرفت بشعارها «فلسطينية الروح» ، ولم تكن تترك تظاهرةً يمكنها به نصرة إخوانها المظلومين إلا وحضرتها فهي في طريقها في إصطنبول ترى مظاهرةً تدعم شهداء مجزرة رابعة في مصر فتتأخر عمّن واعدتهم لأنها لم تجد بُدًّا من نصرة إخوانها وتكثير سواد المطالبين بحقوقهم ، حتى لو كانت هي في بلد غريب عنها .

.

وقد كُتب تقريرٌ خاص عن نشاطها في القضية الفلسطينية نشره موقع جمعية الاتحاد الإسلامي فأنصح كل أخت وأخ أن يراجعه ففيه من العِبَر الكثير .. وأكتفي هنا بذكر مثال واحد: هل تتصور أن أسيرًا فلسطينيا يحكي عن نفسه فيقول : 

«فبعد معرفتي بالأخت سحر اعتُقلت خمس مرّات ، واحدة منها كانت مريرة طويلة لدى السلطة الفلسطينية، وطاردني الاحتلال مرّة، وقد وجدتُ منها رحمها الله، من الاهتمام والاتصال بأهلي، والسؤال عنّي، ما لم أجده من قريب ولا صديق ولا رفيق طريق (!!)

ثم لما اعتُقلت لدى السلطة ذلك الاعتقال القاسي، بَذَلَتْ كلّ ما في وسعها للاتصال بمؤسسات حقوق الإنسان العربية والدولية، وللترويج لقصتي إعلاميًّا، وكتبت عنّي مرارًا، وهو ما لم أجده من غيرها، حتى من رفاقي وإخواني الذين جمعتني بهم وَعْثاء الدرب الطويل.

وحين خَرَجتُ من سجن السلطة، متأخرًا في دراستي، لكثرة الاعتقالات، محاصرًا في رزقي ولقمة عيشي، سَعَت لأن تدبّر لي عملاً، وما انتبه لحاجتي أحدٌ يومها تقريبًا، سوى هذه الأخت التي تفصل بيننا المسافات الطوال، وحواجز العدوّ... ثم استكتبتني لمجلة إشراقات، وقد سَبَق وأن طَلَبَت منّي تسجيل جانبٍ من قصتي في مجلة منبر الداعيات.

وكان آخر ما دار بيننا من حديث، قبل أن تدخل المستشفى دخولَها الأخير، أن أخبرتني بأنها تنوي الحديث مع إحدى الجامعات في لبنان، لفحص إمكانية أن أُكْمل الدكتوراه عن بُعد، لأن العدوّ يمنعني من السفر، ثمّ توفّاها الله قبل أن يَتم الأمر » ا. هـ . 

أيُّ قلب هذا الذي يحمل هَمَّ إخوانه المجاهدين من بُعْد مئات الأكيال ، بل ويهتم بالتفاصيل أليس هذا صورةً للمرأة التي لم تكتف بالأمومة لبنتها من النسب ، حتى أرادت الاقتداء بأمهات المؤمنين فحملت هم إخوانها وأبناء أمتها ممَّن لا يجمعها وإياهم إلا رابطةُ الدين والقضية ـ وأعظِمْ بها من رابطة ! ـ في زمنٍ صار بعضُ الناس لا يفعل ذلك مع إخوته من النسب ...

ـ ٤ ـ

أم أتكلم عن اعتزازها بهُوّيتّها وثوابت الشريعة في زمن سطا فيه التغريبُ ، والتّغرُّب الفكري ، فأجد في مقالاتها من العمق وعزة الإيمان ما بتنا نفقده في كتابات كثيرٍ من المعروفين بالتخصص في العلوم الشرعية ، وأقول هذا أسِفًا ..

ـ ٥ ـ

أم أتكلم عن رسالتها التي وهبت حياتها لها وهي «المحافظة على الأسرة المسلمة» ، لتكون النواة المنشئة لقادة تشرق شمسهم فتزيح هذا الليل البهيم من سماء هذه الأمّة .. ثم «اهتمامها بمشكلات الفتيات» وقد خدمت كلتا القضيتين بالدورات التي قدمتها ، وبالبرامج الإذاعية وبالمَشُوْرات التي قدمتها من خلال الشابكة أو الهاتف ، وبما كانت تكتبه في ذلك من مقالات ، والكل يعرف جهودها في تأسيس جمعية مودة للإرشاد الأسري في طرابلس ، ثم في مشاركتها في لجنة المرأة (حنايا) في جمعية الاتحاد ، مما كتبت فيه الأخوات اللواتي كنّ لصيقاتٍ بها ويعرِفْنَ من دقائق أخبارها وأحوالها وأخلاقها مما تواتروا على الإخبار به ما يُعدُّ بحقٍّ شهادة تبيّن لنا بعض أسباب بقاء هذا الذكر الحسن لها بعد وفاتها أغدق الله شآبيب الرحمة على روحها . 

أخيرا أريد أن أنبه إلى أمر هو رسالة لكل أخواتنا وبناتنا : فالكثيرات تجدها تنتظر الزوج الصالح لتكون مبادِرةً تقدِّم ما عليها تجاه دينها وقضايا أمتها ، أما سحر رحمها الله فلم تكن كذلك لقد كانت تؤدي كل هذه المهام وتعمل كل هذه الأنشطة دون زوج ، فلما أن تزوجت بالشيخ الفاضل الحسن حفظه الله كان ذلك نورًا على نور ، وفي هذا رسالة لكلِّ من تتغنّى بالتقاط مشاهد إكرام المصطفى ﷺ للسيدة عائشة وتدعي أنها تنتظر الزوج الذي يكرمها لتكون يومًا كعائشة ، والله جَلَّت قدرته أعطى النساء من المواهب ما تقدر معه أن تكون صاحبة المبادرة ، الفاعلة ، الرائدة في الخيرات ، بخلاف الحال الذي طغى فينا وهو أن الكثير من الفتيات صارت في حالة الانفعال أكثر مما هي في حال الفاعلية ، فإن كان زوجها صالحا يعمل لقضايا الإسلام كانت كذلك وإلا فتسير في الطريق الذي يرغبه هو ، والإسلام لم يطلب ذلك من المرأة ، ولا ينفي هذا أن المرأة بطبيعتها التي خلقها الله عليها محتاجة لحماية الرجل ودعمه في مواطن قد لا تقدر أحيانا على اقتحامها وحدها ، ولكني أتكلم عن مساحة كبيرة متاحة لمن كانت صاحبة همّةً وإرادة . 

ـ ٦ ـ

لقد كانت سحر مثالا حيًّا للمرأة المؤمنة في ذلك كله ، لقد اهتمت بعصب النهضة : الفتيات والأسرة ، وعليهما تقوم الأمة ، واهتمت بقضايا الأمة العاجلة فلم تفوّت شيئًا يمكنها به نصرة أمتها إلا وفعلته .. 

وإنك لتجد في كتاباتها إيمانا عميقا بالله يصعب وصفه ، ويغني عن الوصف قراءة ذلك ، فإن رؤية القمر إذا كانت ممكنة لامرِئٍ فهي أبلغ ألف مرة من أن تصفه له مهما كنت بليغا .. وإني لأجد في كتاباتها مراقبة للنفس ودقة في تتبّع هفواتها وأخطائها لتصلحها قلّ ما أراه في الدعاة إلى الله .. وأظن أن هذا الأخير هو سر هذا القبول الذي كتبه الله لها .

أسأل الله أن يجزي الإخوة الذي عملوا بوصية الأستاذة فقاموا بمسؤولية نشر كتاباتها خير قيام ، وكم أرجو أن تظهر مقالاتها يوما مجموعة وتطبع في كتابٍ لتكون غذاءًا لفتيات الإسلام ، فما أحوجنا جميعا رجالا قبل النساء لهذه العقلانية ، والاتزان ، والنقاء ، والنضج الذي في كتاباتها مما يصعب فهمه بالحديث عنه ، وإنما يَعْرفُ قدْرَه من قرأَهُ .

وإني لأتساءل ما السّرُّ الذي بينك وبين الله حتى تصلَ كتاباتك إلى فتيات لم تسمعي بهن من قبل في مدارس ومدن لم تطئيها .. فيتّخِذونك قدوة ويتزَوّدْنَ بما سطّرتيه من مقالات فيتغذَّيْنَ بها لمواجهة هذه الأوبئة التي تحيط بالأمة من كل مكان .

ويا أيَّتُها الأخوات الفاضلات اللواتي عانيتُنّ من رحيل سحر : تذكروا أنّ أعظم ما يثلج قلب سحر أن تعلم أنكنّ حزِنتنّ لرحيلها فكان نتيجة ذلك أن بذلتُنَّ من أوقاتكن ونفيس أعماركنَّ لتربّوا الفتيات وتنشّئوا لنا من يخلُف سحرًا .. فما أحوج أمتنا لذلك .. وتذكرن أن هذه الحياة اختبار ، وقد انتهى اختبار سحر قبلنا وكلنا ذاهبون إلى تلك الحياة الأبدية ، وهناك فاهنأْنَ بإذن الله مع سحر بعيش أبديٍّ ليس فيه للفراق ولا الوداع مكان . . 

أخيرا : أشهد أن القلم يضطرب ولا أجد نفسي قد وفّيتُها بعضَ حقِّها ، ولا رُبْعَ ما في صدري فأسأل الكريم أن يجزيها من واسع خزائنه ، وأن يعلي مقامها في الفردوس الأعلى .. وأن يُخلف الأمة خيرًا فإن مثيلاتِها لَقليلاتٌ ، وإن أمتنا لَتَنتظر اللواتي يسدُدْنَ هذي الثغور .. وما أكثرها !

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا