الثلاثاء 21 ربيع الأول 1441 - 19 نوفمبر 2019

الشيخ عبد الفتاح المسدي - رحمه الله رحمة واسعة

الخميس 6 ذو القعدة 1439 - 19 يوليو 2018 4340 كاتب الترجمة : د. محمد ياسر المسدي
الشيخ عبد الفتاح المسدي - رحمه الله رحمة واسعة

 

الشيخ عبد الفتاح اُلمسَدَّي

" رحمه الله رحمةً واسعة "

اسمه ونسبه ونشأته :

عبد الفتاح بن خالد بن عبد الوهاب المُسَدَّي ولد في مدينة حمص عام 1319هـ على الأرجح الموافق1901ميلادي والمُسَدَّي نسبة إلى حرفة يدوية في صناعة النسيج، مأخوذة من السَّدَى وهو : ما يُمدُّ طولاً في النسيج واحده سُداة ، والجمع أسداء و أسديه، يقال سَدى الثوب و أسدى الثوب، وسَدَّى الثوب " [1] "

وعائلة المُسدي عدة عـوائل مثلها مثل العوائل المنسوبة إلى المهن كالنجار والحداد والخياط فعائلتنا غير العائلة التي ينسب إليها فضيلة الشيخ / وصفي المسدي " حفظه الله " و إن كانت هناك علاقة مصاهرة، ولكن لا يعرف لنا قرابة نسب كما كان يقول والدي " رحمه الله " و إن كان شيخنا الشيخ وصفي " حفظه الله " يقول لنا : ابن العم وهذا من باب الإكرام والاشتراك في اسم العائلة ، ويتفرع عن عائلتنا عائلة ( الزين ) فأصلها المسدي كما أنه هناك عائلة أخرى يقال لهم ( أبو الذهب ) فرع من آل المسدي، ولكن غير عائلتنا وعائلة الشيخ وصفي " حفظه الله "

ولد الشيخ " رحمه الله " ونشأ في حجر والده الذي كان يعمل عطاراً، فكان يعمل معه في دكانه في أوقات فراغه ، توفي والده " رحمه الله " وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره حيث ذهب للجهاد أيام الحرب العالمية الأولى 1916 وتوفي في قرية يقال لها ( قلعة النخل ) في فلسطين وكانت الأيام أيام فقر شديد عمل هو وأخوه الكبير وصفي في محل عطارة لتأمين لقمة العيش وهي مهنة أبيه، وله أخ ثالث اسمه طه حيث توفي والده وهو مازال رضيعاً " رحمهم الله جميعاً " ومما كان يذكره لي والدي " رحمة الله " عن شدة المجاعة في هذه الأيام التي يطلق عليها ( سفر بر )..... :

أنه رأى ثوراً ميتاً قريباً من منزل العائلة الكائن في شرق حمص _ حي جمال الدين _ والناس يتخاطفون لحمه حتى كادوا يقتتلون عليه بالسكاكين .

زواجه " رحمه الله " :

تزوج رحمه الله عام 1930م وأنجب من الأولاد 13ولداً، تقدمه في حياته إلى الدار الأخره سبعة أولاد بينهم 4 ذكور و 3 إناث ، اثنان من الذكور توفيا خلال أسبوعين لم يكن عنده غيرهما عمر الأول 3 سنوات توفي يوم الثلاثاء 5 / 9 / 1939م والثاني 5 سنوات توفي يوم الثلاثاء 19/ 9 / 1939م وذلك بعد معاناة شديدة مع المرض والتنقل بين أطباء حمص وطرابلس لبنان، وكان مثالاً للصبر والاستسلام لقضاء الله وقدره، ومما سمعته منه وهو يحدثني " رحمه الله " عن وفاتهما أنه زاره العالم الجليل الشيخ / عبد الجليل المراد " رحمه الله " ليعزيه فقصَّ عليه هذه القصة ليواسيه بها وهي :إن رجلاً توفي له ولدان ليس عنده غيرهما، فحزن عليهما حزناً شديداً فعزم في نفسه على أن لا ينجب بعدهما، فرأى رؤيا وهي : أن القيامة قامت، ونُصِب الصراط وأخذ يمشي على الصراط، فكاد أن يقع من جهة اليمين فجاءه ابنه الأول فأمسك بيده ، ثم مال جهة اليسار فجاءه الثاني فأمسك بيده الأخرى ومشى وهما معه، وفي منتصف الطريق عطش فطلب منهما أن يسقيانه فاعتذرا إليه، وقالا يا أبانا أحضر لنا أخاً ثالثاً حتى يسقيك لأنا نخشى عليك الوقوع إن تركناك .

و مما يدل على صبره العجيب ما شهدته وأنا شاب صغير أنه توفي لي في عام 68م أخت عمرها 19عاماً أُصيبت بمرض مفاجئ لعدة أيام ثم توفيت وكانت الوحيدة التي تساعد أمها في البيت فالبنات الكبيرات تزوجن و الصغيرة لم يتجاوز عمرها 7 سنوات .

وكانت الوفاة ليلاً، وكان يتعذر دفنها ليلاً في تلك الأيام، فجاؤوا بها إلى المنزل ووُضعت في إحدى الغرف وسُجيت، وكان في يومها لقاء علمي دعوي تقيمه جمعية العلماء في جامع جورة الشياح في حمص .

فما كان منه إلا أن أخذنا ـ نحن أولاده الذكورـ وذهب بنا إلى المسجد لحضور الندوة العلمية وأختي مسجاة في المنزل، وكان يحدثنا في هذه المناسبة عن شيخه الشيخ / أحمد صافي " رحمه الله " : أنه توفي له ابن شاب اسمه : عمر ( وكان ابناً ذكياً ) من طلاب العلم المعدودين وكان الشيخ يأمل أن يكون خليفته في العلم فلم تمنعه وفاة ابنه الذي توفي ليلاً من إلقاء الدرس بعد صلاة الفجر وابنه مسجي في المنزل، وبعد أن انتهى من درسه أخبر تلاميذه بوفاة ولده، ورغب إليهم أن يشيعوه معه، فاستغربوا ذلك من الشيخ، كيف جاء إلى المسجد، وألقى الدرس وابنه لم يدفن بعد، فقال لهم الشيخ : " رحمه الله " بلهجة الإنسان المؤمن الصادق الراضي بقضاء الله وقدره : يا أبنائي يكفينا مصيبة في يوم واحد، فلا داعي لأن نجمع إليها تعطيل الدرس حيث اعتبر تعطيل الدرس مصيبة من المصائب " رحمه الله رحمة واسعة " .

الدراسة وطلب العلم :

كانت الدراسة في المدارس النظامية نادرة جداً، و أكثر الناس كانوا يتلقون علومهم في الكتاتيب، ولم يكن في حمص يومها سوى مدرستين أو ثلاثة .

طلب الشيخ " رحمه الله " العلم في المدرسة الوطنية والتي كانت تسمى في ذلك الوقت بـ ( نجاح الدارين )والمكونة من 11 صفاً وكان عمره 6 سنوات، ثم ألغيت ولم يمضِ له فيها سوى سنتين _ على ماأظن _ ثمّ التحق بالمدرسة الرشدية الأميرية وكانت الدراسة فيها خمس سنوات وحصل على شهادتها ( مرفق صورة الشهادة ) ثم أكمل دراسته في مدرسة ( الطالبين للعلوم الشرعية ) الشهيرة بمدرسة جامع البازر باشي بحمص، ثم تابع تعليمه بعدها في حلقات العلماء المشهورين بالإضافة إلى عمله مع أخيه في محل العطارة، وعمل خلال هذه الفترة بالإضافة إلى تحصيله العلم مُدَرِسَّاً في جامع النوري الكبير وجامع البازر باشي فكان يجمع بين التعلم والتعليم .

ومن أبرز العلماء الذين تلقى عنهم :

1ـ الشيخ / عبد القادر الخجة " رحمه الله " المتوفى في عام 1373هـ الموافق 1953م فقيه حمص وعالمها ومرجع الفتوى في عصره .

لازمه والدي " رحمه الله " إلى أن توفي 1953م وكان من أخص تلاميذه وقد قرأ عليه أمهات الكتب في العقيدة والفقه والتفسير و الحديث ومن ذلك : شرح الفقه الأكبر لمُلا علي القاري ، و تفسير ابن كثير ، وحاشية ابن عابدين في الفقه الحنفي قرأها عليه ثلاث مرات بتمامها ، وفي الحديث : إرشاد الساري شرح صحيح البخاري للعلامة ابن حجر القسطلاني ، و الإظهار في النحو .

2ــ الشيخ / أحمد صافي ( 1276- 1367هـ ) الفقيه النحوي وكان مشهوراً " رحمه الله " بالنحو والصرف والبلاغة .........

3ــ العلامة الشيخ / محمد طاهر الأتاسي ( 1276م – 1359 هـ ) الذي أكمل شرح مجلة الأحكام العدلية بعد وفاة والده العلامة الشيخ /خالد الأتاسي، والجزء الذي أكمله هو ( الدعاوى و البينات والقواعد الكلية ) .

4 الشيخ / طاهر الرئيس (1303ــ 1397) هـ والشيخ / عبد الكريم حسين السباعي درس عليهما النحو . 

6ــ العلامة الشيخ / محمد توفيق الأتاسي مفتي حمص ( 1283م – 1385هـ ) . 

7ـ العلامة الشيخ / محمد الياسين بسمار الشهير بـ ( عبد السلام )ولد سنة (1284هـ - 1867م ) .

وقد حصل على إجازات عدة من العلماء المذكورين وغيرهم منهم : 

-الشيخ العلامة / أبو الهدى الأتاسي سنة 1344 بالسند المتصل إلى الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري .

- والعلامة الشيخ / محمد أمين السويد الدمشقي سنة 1352م بالسند المتصل إلى رسول الله محمد "صلى الله عليه وسلم " 

-العلامة محدث الديار الشامية الشيخ / محمد بدر الدين الحسني الدمشقي إجازه بالمعقول والمنقول من أصول مروياته وفروعها وبأسانيدها المختلفة .

-العلامة الشيخ / عبد القادر الخجه إجازه بصحيح البخاري بالسند المتصل، وإجازة بكتب الحديث العشرة بشكل عام .

- العلامة الشيخ / نعيم بن أحمد النعيمي الجزائري أثناء زيارته لمدينة حمص عام 1381هـ .

- العلامة الشيخ / محمد العربي التباني الجزائري ثم المكي أثناء زيارته لمدينة حمص 1381هـ .

- وإجازة بالحديث المسلسل ( الراحمون يرحمهم الرحمن...) من الشيخ السيد مكي الكتاني " رحمه الله" .

العمل في وزارة المعارف :

عمل معلماً للعربية والدينية في مدرسة الإرشاد التابعة لوزارة المعارف في حمص وذلك بتاريخ 16 أيلول 1926م ومما سمعته منه " رحمه الله " أنه لما ذهب إلى المدرسة ليُدَرِس فيها لم يكن فيها سوى عدد يسير من الطلاب حيث إن أكثر الناس كانوا يرفضون تعليم أبنائهم في المدارس التابعة لوزارة المعارف لأن نظرتهم إلى هذه المدارس أنها تدعو إلى العلمانية والبعد عن الدين، فما كان منه " رحمه الله " إلا أن ذهب إلى أحد المساجد ( مسجد الحنابلة ) وألقى فيه خطبة الجمعة وشجع الناس على تسجيل أولادهم في مدارس المعارف ، وطمأنهم بأنه عُيَّن في مدرسة الإرشاد باعتباره من أهل العلم الشرعي، وإذا في اليوم الثاني يُسجل في المدرسة 20 طالباً .

وقد تم تعيينه في المعارف بناءً على الإجازات التي حصل عليها من علماء حمص .

بقي في مدرسة الإرشاد ثماني سنوات يتقاضى راتباً شهرياً قدره أربعون ليرة سورية وهذا يعتبر في ذلك الوقت مبلغاً كبيراً وفي 1 شباط من عام 1934م نُسَّق من التعليم باسم عجز الميزانية السورية، حيث كانت ميزانية سوريا كما ذكرت جريدة الشعب في يومها 6000000ستة ملايين ليرة سورية كما ذكر لي _ رحمه الله _ وكانت كل ــ 5 ــ ليرات سورية تعادل ليرة ذهبية عثمانية فاضطر بعد التنسيق للعمل معلماً في أحد الكتاتيب بأجر قدره # 10 # عشر قروش يومياً والأجر على الأيام الفعلية فقط، أما في الجُمَع والعطل الرسمية فليس له فيها أجر .

وبعد سنة أعيد إلى التعليم في المعارف أي في 24 أيلول 1935 بوظيفة معلم وكيل ودَرَّس في عدة قرى منها : رام العنز ، وتلدو ، وحسيا ، ثم أخيراً عاد إلى حمص مُدَرسا في المدرسة الأموية عام1944 وبقي فيها إلى أن أحيل على التقاعد في 12/1/1959م و سميت هذه المدرسة فيما بعد مدرسة ابن خلدون وانتقلت الأموية إلى حي وادي السايح .

في بداية عام 1960م بعد التقاعد من المعارف اختارته جمعية العلماء ليكون مديراً للمعهد العلمي الشرعي الكائن في جامع خالد بن الوليد " t " وبقي مديراً للمعهد ما يقارب من أربعة وعشرين عاماً .

 

 

إخلاصه في عمله وحسن انضباطه :

كان " رحمه الله تعالى " حريصاً على الانضباط بالمواعيد، لا يتأخر عن الموعد المحدد حتى ولو كانت الظروف صعبة جداً، ومن القصص التي حصلت معه أنه افتتح كُتَّاباً في قرية الرستن قبل التحاقه بالتعليم في المعارف ولم تكن هناك مواصلات سوى التنقل على الدواب، وكان أهل القرية يرسلون له دابة إلى حمص يوم الجمعة لينتقل عليها إلى الرستن، ويبدأ عمله في صباح السبت، وحصل في إحدى المرات أن الدابة لم تصله في الوقت المحدد، فما كان منه في اليوم التالي إلا أن صلى الفجر بِفَلَس مع الجماعة في الجامع الكبير وذهب ماشياً إلى الرستن والمسافة تقريباً # 25 # كلم .

ولما استلم إدارة المعهد الشرعي كان حريصا أن يكون أول المدرسين حضورا ولما كنتُ أسأله لما هذه السرعة والتبكير كان يجيبني "رحمه الله " : إن المسئول إذا خالف النظام فإن الأمور تصبح فوضى .

وكان يتجول على الصفوف من الحصة الأولى لينظر هل تأخر ، أو غاب أحد من المدرسين، فيدرس مكانه ، أو يكلف أحد المدرسين بذلك ريثما يأتي المدرس، ومن شدة حرصه على الالتزام بالدوام أنه في يوم من الأيام كان الجو شديد البرودة والثلج قد غطى الأرض بكميات كبيرة ،أصر على الذهاب إلى المعهد وسنه قد قارب الثمانين، فوقع على الطريق مرتين،وتابع مسيرته حتى وصل في الموعد المحدد ، فلما وصل وجد عددا من المدرسين لم يصلوا المدرسة وخاصة الشباب منهم .

 

 

أسلوبه في التعليم :

أما أسلوبه في التعليم فكان أسلوباً مميزاً، وكان يقول " رحمه الله " ( العلم فن والتعليم فن آخر) فليس كل عالم يستطيع أن يوصل المعلومة إلى طلابه بشكل صحيح فكان من طريقته في التعليم : 

ــ أن يجعل جميع طلاب الفصل يشاركون معه .

ـ كان يحرص أن يجلس في مكان مرتفع ليتابع جميع الطلاب .

ــ كان يُبَسَّط المعلومة بحيث يفهمها جميع الطلاب .

ــ يجتهد في مراجعة الدروس السابقة للطلاب ليربطها بالدرس الجديد .

ـ يحاول أن يحرك ذهن الطالب بوسائل متعددة منها : أن يعطي بعض العبارات الخاطئة وخاصة في مادة النحو ويطلب من الطلاب أن يقرؤوها قراءة صحيحة، مع بيان السبب لكل تصحيح .

_ يجتهد أن يخلل الحصة شيئاً من المداعبة رغم حزمه وشدته المعروف بها" رحمه الله تعالى ".

الدروس العلمية التي كان يلقيها :

استمر " رحمه الله " بالمحافظة على الدروس التي كان يلقيها شيخه الشيخ عبد القادر الخجة " رحمه الله " وذلك بعد صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب في الجامع الكبير، وكان في حال حضور الشيخ / بدر الدين الأتاسي المفتي ُيقدَّمُه لإعطاء الدرس ، ومن أهم الكتب التي كان يقرؤها في هاتين الحلقتين شرح صحيح البخاري للقسطلاني ، وحاشية ابن عابدين، وهناك درس في جامع بازر باشا_ لا أذكره _

لم يكن له " رحمه الله " دروس عامة ، و كان جُــلُّ دروسه خاصة بطلاب العلم وخاصة في الفقه الحنفي والنحو .

ومن أهم الكتب التي كان يُدَرَّسُها : 

_ تحفة الفقهاء قرأها عليه مجموعة من طلاب كلية الشريعة في دمشق .

_ اللباب شرح الكتاب للميداني .

_ حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح .

_ مراقي الفلاح في الفقه الحنفي للشرنبلالي ، و قطر الندى وبل الصدى في النحو (ابن هشام ) .

وهذه الكتب غالباً ما كان يقرؤها عليه طلاب المسجدين اللذين كان لهما نشاط ملحوظ في الدعوة إلى الله تعالى واستقطاب الشباب في هذه الفترة وهما : مسجد القاسمي الذي كان فضيلة الشيخ وصفي المسدي " حفظه الله ورعاه " يقيم فيه الدروس العلمية والدعوية، وقد أكرمني الله سبحانه وتعالى بأن أكون أحد تلاميذه في هذا المسجد .

والمسجد الثاني هو مسجد جورة الشياح الذي اشتهر بمسجد ( الدعوة ) وكان فضيلة الشيخ / عبد الغفار الدروبي " حفظه الله ورعاه "يقيم فيه الدروس العلمية والدعوية، بالإضافة إلى مسجد الشيخ كامل الذي كان فضيلة الشيخ محمود جنيد " رحمه الله " له نشاط ملحوظ فيه . 

كما كان له دروس في النحو، فقد قرأ عليه النحو كثيرون وخاصة كتابي " قطر الندى وبل الصدى ، وشذور الذهب وممن قرأ علية النحو أيام شبابه قبل التحاقه بالجامعة الشيخ الدكتور مصطفى السباعي " رحمه الله " مع ابن عمه صلاح السباعي " رحمه الله " مدير أوقاف حمص " سابقا "وآخرون لا أذكر أسماءهم، ومن وفاء الشيخ السباعي " رحمه الله " للوالد أنه لما زاره في دمشق أيام مرضه أهداه مؤلفاته وكتب عليها ( إلى أستاذي الجليل الشيخ /عبد الفتاح المسدي اعترافاً بفضله ) كما أن الأستاذ/ محي الدين درويش صاحب كتاب إعراب القران الكريم قرأ عليه قطر الندى في أيام شبابه حيث قرأه عليه في دكانه التي كان يعمل فيها عطارا كما تقدم .

وكان ـ رحمه الله ـ خلال تدريسه في القرى يعتني بأئمة المساجد، فيقيم لهم دروساً في النحو والفقه والحديث ، يقول فضيلة الشيخ / محمد علي مشعل في مذكراته عن علماء حمص : لما عُيِّن الشيخ عبد الفتاح في الرستن تتلمذ عليه أئمة الرستن : الشيخ / عيسى المصري ، والشيخ / محمد أبو سعيد ، والحاج محمد إبراهيم مع كونه خريج الأزهر ، وكذلك لما عُيَّن في تلدو التف عليه والدي وعمي وأقاربي ... وكان كريما جداً يصلي بالجامع الكبير فإذا وجد من معارفه القرويين أخذ بأيديهم رأسا إلى طعام الغداء دون تكلف، وكان مضيافا ...

أهم العلوم التي برز فيها : 

1ـ الفقه الحنفي حيث بعد وفاة شيخه الشيخ عبد القادر الخجه ـ رحمه الله ـ أصبح مرجعاً للفقه الحنفي ، وكان يعتبر "رحمه الله " تعلم الفقه وتعليمه من أهم الواجبات لأنه به تؤدى العبادات ويعرف الحلال من الحرام ، وكان يردد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) ومن اهتمامه أنه قرأ حاشية ابن عابدين بتمامها على شيخه الشيخ / عبد القادر الخجة ثلاث مرات كما تقدم .

2ـ النحو : لقد قرأ النحو على شيخه عبد القادر الخجة والشيخ أنيس الكلاليب والشيخ طاهر الرئيس فيما بعد ومن الكتب التي قرأها على المشايخ المذكورين :

- الإظهار...

- شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك

- وقطر الندى، وشذور الذهب ( لابن هشام ) .

ومما يؤكد محبته لعلم النحو واهتمامه به أنه رأى مرة في الرؤيا ثلاثة شيوخ كبار فسأل عنهم واحداً واحداَ بقوله :

- من هذا ؟ قيل له: هذا أبو حيان ,فقال:كفاه بإعراب القران الكريم فخراً

- من هذا؟ قيل له: هذا ابن مالك ,فقال:كفاه بالألفية فخراً

- من هذا؟ قيل له : هذا ابن هشام,فقال:كفاه بالمغني فخراً

حياته الأسرية :

كان رحمه الله تعالى يشعر بمسئوليته أمام الله سبحانه وتعالى في رعايته لأسرته ويذكر أن الله سبحانه وتعالى سيسأله عنهم فكان قدوة في حياته العملية قبل أن يكون قدوة في أقواله فكان رحمه الله ينام مبكراً ويستيقظ قبل الفجر يصلي ماكتب الله له ، فإذا دخل وقت الفجر أيقظ أهل البيت جميعا للصلاة ثم توجه إلى الجامع بعد أن يطمئن أن الجميع استيقظ، وكثيرا ما كان يصطحبنا معه إلى الصلاة في المسجد، فإن لم يصطحبنا شجعنا على اللحاق به لحضور الجماعة مبَّينا لنا فضلها وكان يتابع أهل البيت جميعا من المميزين إلى الكبار والتأكد من أن الجميع أدى الصلاة، وغالبا ما كان يسألنا ويشجعنا على أداء النوافل من غير أن يشدد علينا ، أما هو فكان لايترك النوافل المستحبة والمؤكدة ولا يترك قيام الليل ولا صلاة الضحى، فكان يحافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها، وأربع قبل العصر ، وست ركعات بعد المغرب ، ويحافظ على الأذكار الصباحية والمسائية لايتركها مهما كانت الظروف وكان على يقين تام بأنها حصن للإنسان من كل مكروه ، حصل أن وقع على الأرض يوماً فكسرت يده ، فقال لي : لقد جاءني شخص وأنا أقرأ الأدعية يسألني سؤالاً فشغلني عن دعاء الحفظ { بسم الله الذي لايضر مع أسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم } وذلك لحكمة حتى ينفذ قضاء الله .

وكان يحذرنا من الحرام والوقوع فيه، كان من أخلاقه التواضع وخفض الجناح، يحترم الآخرين، كان في طبعه حدة ... " رحمه الله " فربما انفعل بسرعة ولكنه مايلبث أنه يتراجع ويعتذر لمن رأى أنه أخطأ معه ولو كان أصغر منه سناً ، حتى ولو كان طالبا في المدرسة ، أو أحد أولاده في المنزل .

كـان حريصاً أن يكون جو البيت منضبطاً بالضوابط الشرعية ، خالياً من المحرمات فليس هناك مجالس لهو، ولا تضيع وقت من غير فائدة، إلا ما قصد منه الترويح عن النفس ، كانت له جلسة يوميا مع أهل بيته بعد صلاة العصر نشرب فيها الشاي نتبادل فيها أطراف الحديث . 

كان شديد الخوف من الله تعالى مُنْكِراً لذاته متواضعاً ومما يدل على ذلك مانُقِل لي عن الدكتور / عبدالبر ابن الشيخ محمود جنيد رحمه الله أنه قـــال :

طلب إليَّ والدي أن أوصل الشيخ عبدالفتاح إلى منزله ، وكان قد ضعف جسمه وبصره ، فلما أوصلته طلبتُ منه الدعاء ، فأخذ يبكى ويقول لي يابني أنت مغشوش بي ، لست أهلاً لذلك !! .

كان يعيش واقعه : يتابع الأخبار يومياً عن طريق الجرائد ويؤرخ لكل حدث هام، بل كان لديه مفكرات سنوية يسجل فيها الأحداث اليومية، وكان يحتفظ بالجرائد ذات الأحداث الهامة من انقلاب ، وتشكيل وزارة، وانتخاب مجلس تشريعي، أضف إلى الأخبار الإجتماعيه والاقتصادية ... 

لم يقتن الراديو خشية أن يستغله أحد أفراد الأسرة فيشغله في السماع إلى الأغاني المحرمة ولم يقتن تلفزيونا، ولكنه قبل أن يتحدث عنه كان لابد من رؤيته، كان لنا قريب كان من أوائل من اقتنى تلفزيونا، فذهب والدي رحمه الله ليلة إلى منزله واطلع على برامجه حتى يكون على بينة من واقعه .

وبعد أن شاهده رأى أنه لاينبغي له وأن مفاسده كثيرة فقال : "هذه أول مرة وآخر مرة " وبالفعل كان ذلك . 

التهذيب الروحي والطريقة النقشبندية :

كان العلماء العاملون حريصين على أن يجمعوا إلى العلم تزكية النفس وتهذيب الروح ،وطريقتهم في ذلك أن يتتلمذوا على يد عالم رباني يربي فيهم روح الإخلاص لله تعالى والبعد عن حظوظ الدنيا ، فيعطيهم وظيفة من الأذكار والأوراد – مقتبسة من السنة المطهرة وعمل السلف الصالح – يحافظون عليها ، ويربيهم على مكارم الأخلاق وسلامة الصدر وسماحة النفس وسخاوة اليد ، وحسن التعامل مع الناس ، والحرص على الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة والبعد عن زخارف الدنيا ومن هؤلاء العلماء العارفين شيوخ الطريقة النقشبندية في مدينة حمص الذين جمعوا بين الفقة والتصوف الحقيقي وهم :

الشيخ العارف أحمد الطظقلي التركماني النقشبندي الحنفي نزيل حمص (1195- 1284هـ) الموافق (1780- 1267م) . 

ثم خليفته الشيخ / محمد سليم خلف الجندي ( 1232 – 1328 ) هـ – إمام الجامع الكبير بحمص وصاحب الكرامات المشهورة المتواترة . 

ثم خلفه ابن الشيخ / محمد أبو النصر بن الشيخ سليم خلف الجندي (1292-1368هـ ) فهؤلاء الشيوخ الثلاثـة شهد لهم كلُّ من عاصرهم بالعلم والصلاح والتقى ، والزهد في الدنيا ، والتجرد من حظوظ النفس ، كما شهد لهم ــ جيل بعد جيل ــ بالكرامات العظيمة التي بلغت مبلغ التواتر الحسيَّ والمعنوي ، لذا هرع إليهم العلماء والفضلاء من كلّ أنحاء سوريا ليأخذوا عنهم الطريقة النقشبندية التي تحث سالكيها على الالتزام بالشرع والبعد عن الشطحات الصوفية ومما يؤكد ذلك ماجاء في إجازة الشيخ الطظقلي للشيخ سليم خلف رحمهما الله مانصه : ( وأوصيه بالتمسك بالكتاب والسنة ، والأمر بتصحيح العقائد بمقتضى آراء أهل السنة الذين هم الفرقة الناجية ....

وأوصية بتوقير حملة القرآن والفقهاء والفقراء ، وسلامة الصدر ، وسماحة النفس وسخاوة اليد ، وبشاشة الوجه وبذل النّدى ، وكف الأذى ، والصفح عن عثرات الإخوان ، والنصيحة للأصاغر والأكابر ، وترك الخصومات ، وترك الطمع وبالاعتماد في قضاء الحوائج على الله تعالى فإنه لايضيع مَنْ عَوَّل عليه ، وأن لايرجو النجاة إلا في الصدق ، والوصولَ إلى الله تعالى إلا في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن لايظن أنه أفضل من أحد ، بل لايرى لنفسه وجوداً ..... )

وعن الشيخ / محمد أبي النصر "رحمه الله " أخذ الطريقة علماؤنا الذين عاصرناهم فمن حمص : والدي ، والشيخ وصفي ، والشيخ أحمد الكعكي والشيخ محمود جنيد .. وغيرهم كثير وكذلك علماء حماة منهم الشيخ / محمد الحامد والشيخ محمد علي المراد والشيخ ...

ومما قاله الشيخ الحامد "رحمه الله" عن شيخه الشيخ أبي النصر : ( ولئن كان منى نفع للأمة فهو في صحيفة شيخي الشيخ أبي النصر رحمه الله ) . بل إن الشيخ / الحامد "رحمه الله تعالى" كان له دور في التواصل بين الإمام حسن البنا "رحمه الله" والشيخ محمد أبي النصر في حمص ، فكان ينقل بينهما الرسائل ويُعَّرف عن كل واحد للأخر بذكر علمه وفضله وخصاله الحميدة وطريقته في الدعوة إلى الله تعالى . 

وكذلك لاقت هذه الطريقة في مدينة حلب وقُراها ، وخاصة في منطقة منبج ، قبولاً عجيباً وممن أخذ الطريقة من علماء حلب : الشيخ عبدالباسط خلف ابن الشيخ /محمد أبي النصر ، والشيخ عيسى البيانوني والشيخ محمد بلنكو مفتي حلب ، والشيخ محمد النبهاني رحمهم الله .

ومن دمشق العلامة محدث الديار الشامية الشيخ / بدر الدين الحسني ، والعلامة الشيخ عبدالقادر القصاب من دير عطية و غيرهم كثير .

رحم الله الجميع رحمة واسعة ، ونفعنا بعلومهم وصلاحهم .

المعهد الشرعي ودور الشيخ فيه :

تأسس المعهد العلمي الشرعي سنة 1367هــ وقد أسسته جمعية علماء برئاسة الشيخ / عبد القادر الخجة وكان الهدف من تأسيسه تخريج العلماء والدعاة إلى الله تعالى ،لإرسالهم إلى القرى بشكل خاص ،حيث إن قرى حمص كانت في تلك الأيام فقيرة بالعلماء والدعاة ،ومما قاله الشيخ عبد القادر رحمه الله يوم تأسيس المعهد ( لو أننا استطعنا تخريج طالب علم واحد كل سنة فذلك ربح كبير.

وبفضل الله تعالى بدأ هذا المعهد بعدد بسيط من الطلاب، وقد بذل العلماء جهداً كبيراً في نهضته حيث كانوا يذهبون في كل سنة قبل بداية العام الدراسي إلى عدد من قرى حمص ويشجعون أهلها على تسجيل أولادهم في المعهد، وكانوا يقولون لوجهاء كل قرية عندما يزورنهم نريد منكم طالباً واحداً على الأقل ليكون في المستقبل إماما وعالما في قريتكم، وقد شهدتُ ذلك بنفسي ، ويوم استلم والدي رحمه الله إدارة المعهد في بداية 1960م كان عدد الطلاب لا يتجاوز 40 ـ 50 طالبا كحد أقصى، الدراسة خمس سنوات من الأول إلى الخامس وكان الصفان الرابع والخامس في فصل واحد فالمدرس يقسم الحصة إلى نصفين، نصف للرابع ونصف للخامس ، وإن من أهم الأسباب في ضعف إقبال الطلاب على الدراسة في المعهد أن أكثر الناس كانوا يعتبرون دراسة العلوم الشرعية لا مستقبل لها بل ربما يزدرون بمن يلتحق بها وقد سمعت من شيخنا الشيخ / وصفي حفظه الله ورعاه أنه لما التحق بالمدرسة العلمية الإسلامية الوقفية والتي سميت فيما بعد " الثانوية الشرعية " رآه أحد مدرسيه الذي درَّسه في المدرسة الحكومية، وسأله أين ذهبت يا وصفي، فقال إلى المدرسة الشرعية فقال له المدرس لتكون في المستقبل "مغسل أموات " !! ، هكذا كانت نظرة الناس وبفضل الله تعالى، وإخلاص العلماء المؤسسين والقائمين على المعهد أخذ الإقبال يزداد شيئاً فشيئاً حتى أقبل عليه طلاب العلم من أقطار شتى من تركيا وألبانيا و الجزائر ولبنان وأصبحت شهادته تعادل الثانوية الشرعية يُقبَل على أساسها الطالب في جامعة الأزهر وفي الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ، واليوم عدد طلابه يتجاوز مائتي طالب ويوجد قسم للطالبات وعدد الطالبات فيه يتجاوز #250# طالبة .

قبول شهادة المعهد في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وجامعة الأزهر :

كانت بداية القبول في الجامعتين ( الأزهر ـ الجامعة الإسلامية ) من غير سعي ولا وساطة من إدارة المعهد حيث إن بعض الطلاب تقدموا إلى الجامعتين وأرفقوا شهاداتهم مع صورة عن منهاج المعهد، وتم قبولهم بفضل الله تعالى وبركة المؤسسين المخلصين رحمهم الله تعالى ، ولكن المشايخ في الجمعية رأوا بعد ذلك أن يوثقوا هذه الصلة مع هاتين الجامعتين فتشكل وفد من مفتي حمص الشيخ/ طيب الأتاسي ومدير المعهد والدي الشيخ /عبد الفتاح " رحمهما الله والشيخ / وصفي المسدي " حفظه الله " و الشيخ /عبد العزيز الرفاعي أبو لباده من دمشق " كان مفتي تلكخ في فترة من الفترات " وذلك لمعرفته بالأزهر والصلات الطيبة التي كان يتمتع بها هناك وذلك في 1975م وكان لي شرف خدمتهم ومرافقتهم حيث كنت منتسباً لجامعة الأزهر في تلك الأثناء، فراجعوا مشيخة الأزهر ووثقوا الصلات معها، وأكدوا على الاستمرار في قبول شهادة المعهد .

أما بالنسبة للجامعة الإسلامية فقد قام والدي رحمه الله أثناء مجيئه إلى الحج بزيارة العلامة الشيخ/ عبد العزيز بن باز " رحمه الله " مدير الجامعة الإسلامية وقتها ووثق معه الصلات وقدم له منهاج المعهد وكان على أثره قبول عدد من طلاب المعهد والاستمرار في القبول وبفضل الله سبحانه وتعالى فقد أثمر هذا المعهد ثمرات طيبة و تخرج منه ثلة من العلماء والدعاة الذين كان لهم دور بارز في المجتمع أذكر منهم على سبيل المثال من حمص : ـ 

الشيخ / إسماعيل المجذوب " حفظه الله " الشيخ / مصطفى تدبير " رحمه الله " 

الدكتور / عبد الكريم بكار " حفظه الله " الدكتور / حسن بكار "رحمه الله " 

الشيخ / ماجد زهري النشيواتي و إخوانه الثلاثة " حفظهم الله "

وغيرهم كثيرون جداً ومن لبنان الأخ الدكتور / محمود عبود هرموش " حفظه الله " المتخصص في أصول الفقه والمُدَرس في جامعة الجنان في طرابلس والذي أشرف على العشرات من رسائل الدكتوراة ، والأخ الدكتور / محمود إسماعيل المتخصص في الفقه مدرس في جامعة الجنان أيضاً ، والأخ الشيخ / محمد محمود هرموش مدير معهد القرآن الكريم في طرابلس والأخ الشيخ / شحادة ناصر المدرس في معهد القرآن الكريم في طرابلس والشيخ / سميح عبد الحي مدير مدرسة خاصة تحتوي على ما يزيد عن 600طالب في فنيدق وهو لأن رئيس بلدية فنيدق في منطقة عكار .

عنايته بطلاب المعهد ورعايته لهم :

كان يعتني بطلاب العلم بشكل عام، وطلاب المعهد بشكل خاص، ويرعاهم رعاية الأم الحنون، يتفقد دراستهم، اجتهادهم، أحوالهم المادية، كما أنه كان يولى طلاب القسم الداخلي التابع للمعهد عناية خاصة، وذلك لأنهم يُعتبرون من الغرباء، وممن هاجر في طلب العلم، حيث كان يضم المعهد بين جنباته طلاباً من دول شتى كما ذكرنا فكان يزورهم باستمرار، وغالبا ما يحضر اللقاء الأسبوعي الذي كان يقيمه المشرف عليهم والذي يتدرب فيه الطلاب على أسلوب الدعوة والخطابة إلى الله .

القسم الداخلي :

ــ كان يتفقد الطلاب في الليل، وخاصة في أيام البرد الشديد ليقف على وضعهم بنفسه .

ــ غالباً ما كان يدعو الطلاب الذين لم يتيسر لهم الذهاب إلى أهلهم لقضاء العطلة أسبوعياً، إلى البيت لتناول طعام الغداء، ويمضون وقتاً طويلاً معه حيث يجتهد أن يعوضهم عن غربتهم بالإضافة إلى الاستفادة من الجلسة ، يسألهم أسئلة فقهية و أسئلة في النحو، وغير ذلك وكان يحدثنا في هذا المجال عن شيخه الشيخ / عبد القادر الخجه " رحمه الله تعالى" أنه كان يعتني بطلابه وكان يكرمهم، بل يتواضع لهم ويخدمهم بنفسه حيث قال _ إنه كان يقدم لهم الأحذية عند خروجهم من منزله وذلك أخذاً برواية الحديث ( تواضعوا لمن تعَلَّمون ) . جرأته بالحق، وإنكاره للبدع :

أولاً : جرأته بالحق :

لقد كان لفضيلة الشيخ / محمد علي مشعل مكانة خاصة في قلب الوالد " رحمه الله " ومن ذلك أنه يوم اعتقل الشيخ عام 1973م وحاولت الدولة أن تبرر اعتقاله بتوجيه التهم له بالخيانة عن طريق الإشاعات، فوقف أمام محافظ حمص في دائرة الأوقاف وطالب بالإفراج عنه، وقال له : إن كنتم تتهمونه بالخيانة، فمعنى ذلك أنكم تتهموننا جميعاً بذلك ( وكانت مجموعة من العلماء حاضرة اللقاء ) فنحن نعرف الشيخ، ونعرف نزاهته، وإخلاصه ...

ثانياً : إنكاره للبدع 

إنه كان يحضر مجلس ذكر و صلاة على الرسول " صلى الله عليه وسلم " عُرف بحمص باسم ( مجلس الصلاة على النبي " صلى الله عليه وسلم " ) بعد فجر الجمعة في الجامع الكبير، ومع مرور الأيام وإذا بالحاضرين

 

 يحرفون لفظ الجلالة أثناء الذكر حتى وصل بهم الأمر أن يقولوا آه ، آه مع رنة خاصة .

فوقف أمام الحاضرين ونبههم على عدم جواز ذلك، ومما قاله إن المسلم إذا كان يذبح ذبيحةً وحَرَّف في لفظ الجلالة فإن ذبيحته لا تؤكل، فكيف بنا ونحن نذكر الله تعالى، طبعاً هذا الموقف أثار حفيظة البعض ولكن لم يكن يبالي مادام يشعر أنه يقول الحق .

وأيضاً، في إحدى المرات رأى الإخوة القائمون على مجلس الذكر دعوة النساء للحضور فوضعوا حاجزاً من الستائر في الجامع لحضور النساء، فما كان منه إلا أصر على منع ذلك ودعا العلماء إلى اجتماع طارئ واتفقوا على منع النساء من حضور هذا المجلس لما فيه من رفع صوت للنساء وذلك غير مشروع حيث إن المرأة مأمورة إذا ناب الإمام شئ في الصلاة بالتصفيق، والرجال بالتسبيح، كما أن في صوتها من الفتنة وخاصة أن هذا المجلس مجلس ذكر بصوت جماعي وربما يتطور الأمر هكذا ...

 

نشاط علماء حمص ووحدة كلمتهم :

 

لقد أكرم الله سبحانه وتعالى مدينة حمص في تلك الفترة بنخبة من العلماء نَدَر وجودهم مجتمعين في بقية المحافظات، فقد كانوا مضرب المثل في وحدة الكلمة، والتجرد عن حب الذات، والحرص على مصلحة الأمة، والصدق والإخلاص في أقوالهم وأفعالهم، ولقد كانوا يصدرون عن رأى واحد بعد المشاورات والمداولات سواء كان ذلك الرأي أمام الحاكم أو عامة الناس، وكان لهم أنشطة دعوية متميزة وقد تجلى ذلك في الأمور التالية :

1ـ جمعية العلماء : التي تأسست عام 1365هـ .

فقد كان يجتمع أعضاؤها بشكل دوري، وبروح أخوية صادقة، ويجتمعون كلما جدَّ أمر طارئ سواء كان الأمر يحتاج إلى مراجعة المسئولين، أو لإصدار فتوى في أمر مهم شغل الناس وكان لهذه الجمعية ارتباط بكافة النخب من علماء سوريا، وقد كان لهم اتصال مباشر مع علماء حماة، بشكل خاص وزيارات متبادلة بينهم ومن أشهر العلماء الحمويين الذين كانت تربطهم صلة خاصة بحمص الشيخ/ محمد الحامد " رحمه الله " الذي كان له فيها صلة روحية وصلة علمية، حيث كان يتردد على الشيخ / أبي النصر خلف " رحمه الله " وأخذ عنه الطريقة النقشبندية ، وبقي يزور قبره أسبوعياً يأتي من حماة هو ومجموعة من العلماء وطلاب العلم .

وأما صلته العلمية فهي بالشيخ / عبد القادر الخجه " رحمه الله " الذي كان كثيراًَ ما كان يرجع إليه في المعضلات الفقهية وفي ذلك يقول " رحمه الله " عن الشيخ عبد القادر " رحمه الله :

( كنت أسأله عن بعض ما يعرض لي من إشكالات علمية يحتاج الطالب إلى الجواب عنها .... فكنتُ إذا سألته أجدني بين يدي حبر جليل محقق، وفقيه عميق مدقق ، ينزل كلامه من نفسي منزل اليقين لأنه ثمر جهد شديد بذل في عمر مديد لتحصيل المعرفة يمده ذكاء وافر ، وأفق واسع، وورع ملأه تقى وإخباتاً لربه الكريم عز شأنه ) "[2] "

ومن العلماء أيضاً الذين كان لهم صلة وثيقة مع علماء حمص: الشيخ محمد علي المراد والشيخ/ توفيق الصباغ والشيخ /منير لطفي ... رحمهم الله جميعاً .

أما صلة علماء حمص ببقية علماء سوريا، لم تكن بأقل مما هي عليه مع علماء حماه، فقد كان للعالم الفاضل السيد / مكي الكتاني رئيس رابطة علماء سوريا، صلات متميزة في حمص وخاصة مع الشيخ /عبد العزيز عيون السود " رحمه الله " ووالدي الشيخ/ عبد الفتاح " رحمه الله " والشيخ/ وصفي المسدي "حفظه الله " وغيرهم، ولقد كان العلماء في سوريا يتنادون لكل أمر طارئ يهم المسلمين، وأذكر في هذا المجال فضيلة الشيخ / محمد علي مشعل " حفظه الله " الذي كان حركة دائبة لاتفتر عن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والتنقل بين المحافظات السورية للاتصال بالعلماء وربما تمر علية عدة أيام لايعود خلالها إلى بيته وأشهد أنه كان له قبول عجيب عندهم، وقدرة على إقناعهم وتوحيد كلمتهم وما ذلك إلا لما تمتع به" رعاه الله وحفظه " من أسلوب حكيم ، وحجة قوية، وأدب جم حيث كان يتعامل مع العلماء وكأنه أحد تلاميذهم ـ وربما فاق بعضهم في العلم ـ ولكنها الحكمة التي أكرمه الله بها .

ولقد كان من أبرز العلماء ـ الذين عاصرتهم ـ ورأيت فيهم المثل الطيب في وحدة الكلمة و التجرد عن حب الذات .

والدي الشيخ / عبد الفتاح المسدي والشيخ/ أبو السعود عبد السلام والشيخ / محمود جنيد والشيخ / وصفي المسدي والشيخ / عبد الغفار الدروبي، والشيخ / عبد العزيز عيون السود، والشيخ / أحمد الكعكة والشيخ / محمد جندل الرفاعي والشيخ / محمد علي مشعل والشيخ / طيب الأتاسي وغيرهم ولكن هؤلاء أبرزهم ولقد كان يطلق عليهم الشيخ / محمد علي مشعل

 

" المبشرون بالجنة إن شاء الله " وما ذلك إلا لما تمتعوا بها من وحدة الكلمة والحرص على مصلحة الأمة . 2- كان يقام لقاء أسبوعي صباح كل يوم الجمعة في منزل مفتي حمص ـ وحسب علمي ـ من أيام المفتي الشيخ / محمد توفيق الأتاسي " رحمه الله "وربما من قبله، ثم استمر في أيام الشيخ/ بدر الدين الأتاسي وكذلك استمر من بعد في منزل المفتي الشيخ / طيب الأتاسي " رحمهم الله جميعا " وقد انقطع اللقاء بوفاة الشيخ / طيب " رحمه الله " وهذا اللقاء كان يحضره مجموعة من العلماء يتبادلون فيه الرأي ويتذاكرون أحداث الساعة .

وقد قرأت في مذكرات والدي " رحمه الله " عن احدى اللقاءات في منزل المفتي الشيخ / محمد توفيق الأتاسي يوم الجمعة 18 ربيع الأول 1364 الموافق 2 آذار 1945 أن من العلماء الحاضرين :

الشيخ/ زاهد الأتاسي والشيخ / طاهر الرئيس الشيخ / فائق الأتاسي صلى الله عليه وسلم والشيخ / طيب الأتاسي والشيخ/ جميل مدور 

وطبعا هناك آخرون لم يذكروا ربما لم يكونوا في هذا اللقاء 

3- كان يقام لقاء علمي في منزل المفتي "[3] " الشيخ / بدر الدين الأتاسي يوم الثلاثاء بعد العشاء يحضره مجموعة من العلماء وبعض محبيهم من أهل الفضل، وكانوا يقرءون فيه كتابا علميا، ويتذاكرون فيه الفتاوى التي تحتاج إلى مراجعة ومشاورة .

وكان يحضر هذا اللقاء والدي " رحمه الله " ، والشيخ / وصفي المسدي ، والشيخ / طيب الأتاسي ، والشيخ / أبو السعود عبد السلام ، والشيخ / عبد الغفار الدروبي والشيخ / محمود جنيد ، والشيخ / محمود مندو وآخرون، وفي الفترة التي عاصرتهم بها كانوا يقرءون كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية لمدة 40 دقيقة أو تزيد تقريباً ثم يطرح كل واحد منهم ما عنده، وقد أكرمني الله سبحانه بمرافقة والدي إلى هذا اللقاء مرات كثيرة، ومرة كنت حاضراً معهم فسمعت الشيخ / عبد الغفار الدروبي " أمتعنا الله بحياته وبارك بها " فقال يثني على هذا اللقاء ويشجع كل واحد أن يدلي برأيه : ويشير إليه : فلان في النحو ، وفلان في الفقه الحنفي ، وفلان في الفقه الشافعي ، وفلان في القرآن والقراءات ... فأرجوا أن يدلي كلُُّ بما عنده حتى نستفيد، وإن هذا اللقاء يعتبر لقاء متميزاً مباركاً ، ما أحوجنا في هذه الأيام إلى مثل هذه اللقاءات التي يجتمع فيها أهل العلم والدعوة وإن اختلفت طرقهم في الدعوة والأسلوب، ما دام الهدف واحداً واستمر هذا اللقاء سنوات طويلة حتى بعد وفاة المفتي الشيخ بدر الدين حيث أصر أخوه الحاج / وصفي الأتاسي " رحمه الله " على الاستمرار في هذا اللقاء في منزل آل الأتاسي " رحمهم الله جميعاً "

4ـ كان للعلماء لقاءات علمية في المنازل وخاصة مع أصحاب الأعمال والتجارة الذين لا يتيسر لهم حضور مجالس العلماء في النهار لارتباطهم بأعمالهم، ولقد كان للشيخ / عبد القادر " رحمه الله " أكثر من جلسة أسبوعياً تتنقل بين منازل الملتزمين بحضور اللقاء وقد قرأتُ في مذكرات الوالد " رحمه الله " يتحدث عن إحدى الجلسات العلمية للشيخ عبد القادر الخجة " رحمه الله " وذكر أن الحاضرين كانوا :

الحاج / عبد الغني السلقيني 

الشيخ / نصوح شمس باشا .

الشيخ / بدر الدين الأتاسي 

الحاج / زهري الأتاسي .

الحاج / محمد يحي الدالاتي 

الشيخ فائق أتماز السباعي.

وكان يحضر أحيانا ً الشيخ / محمد علي عيون السود .

و الملاحظ أن هذا اللقاء يضم أهل الفضل من التجار و الوجهاء و العلماء، وهذه اللقاءات تعتبر لقاءات هامة ومثمرة حيث تزيد التآلف بين الناس، وتجعل العلماء يعيشون واقع الناس ومشاكلهم، وتربط الناس بعلمائهم هذا بالإضافة إلى أنها جلسة علم مباركة تحفها الملائكة وتغشاها الرحمة وقد مشى على هذا المنوال أكثر العلماء، فكان لهم دروس علمية في المنازل فالشيخ / وصفي " حفظه الله " كان له لقاء علمي يوم الاثنين يحضره عدد من الفضلاء من التجار وغيرهم وكذلك والشيخ / محمود جنيد " رحمه الله " كان له لقاء .... والشيخ / عبد الغفار الدروبي " حفظه الله " كذلك وغيرهم . 

وفاته " رحمه الله " :

توفي الشيخ / عبد الفتاح " رحمه الله في صباح يوم الجمعة 19 ربيع الأول من عام 1407 هـ الموافق 21 تشرين الثاني 1986م عن عمر يناهز السادسة والثمانين بعد مرض استمر ثلاثة أيام وهو يتلو قول الله تعالى ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)" رحمه الله رحمة واسعة " وجزاه عنا وعن المسلمين خيراً، وأسأل الله أن يجمعنا به وبالعلماء العاملين تحت لواء سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى إنه أكرم مسئول ونعم المجيب . 

[1] - المعجم الوسيط ص424.

[2] ـ من مقدمة الشيخ/ الحامد الرسالة أحكام البيوع للشيخ/ عبد القادر الخجة " رحمه الله " .

5 - هذا اللقاء ابتدأ من أيام الشيخ / عبد القادر الخجة " رحمه الله " وهو الذي كان يرأسه ويديره كما أفاد شيخنا الشيخ / محمد علي مشعل " حفظه الله ".

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا